قبل فرحي بخمس ايام

الجزء الرابع
بقيتُ مستيقظة طوال الليل، أراقب ساعة الهاتف وأعدّ الثواني والدقائق. الساعة كانت تشير إلى الثالثة فجرًا عندما سمعتُ صوت نوم عميق يأتي من خارج الغرفة. بدأتُ أتحرك بحذر شديد، محاولة

ألا أثير أي ضوضاء. كتفي يؤلمني بشدة، وكل حركة كانت تكلفني جهدًا كبيرًا، لكن إرادتي كانت أقوى من الألم.
اقتربتُ من النافذة ونظرتُ للأسفل. كان الارتفاع بسيطًا، وهناك شجرة ياسمين كبيرة تنمو بجانب الجدار يمكنني التمسك بها للنزول. لم يكن هناك وقت للتردد. جمعتُ أوراقي ووثائقي في حقيبة صغيرة، ولففتها جيدًا بملابس سميكة لحمايتها، ثم فتحت النافذة ببطء.
الهواء البارد ليلاً استقبلني، وشعرتُ ببعض التردد، لكنني تذكرتُ كلام إسلام، ونظرات أبي، واتهمامي بالجنون أمام الناس، فزادت عزيمتي. تمسكتُ بغصن الشجرة بيدي السليمة، وتنزلتُ ببطء حتى وصلتُ إلى الأرض بأمان، وبقيتُ أمسك بالحقيبة بكل قوتي كأنها روحي.
كنتُ في ملابس النوم، وشعري منفوش، وجسدي يرتجف من البرد والإنهاك، لكنني كنت حرّة!
بدأتُ أمشي في الظلام على طول الشارع الخلفي، لا أعرف بالضبط إلى أين أذهب، لكنني كنت متأكدة من شيء واحد لا يمكنني العودة إلى الداخل، ولا يمكنني أن أبقى هنا. فكرتُ في مكان آمن أذهب إليه، فلم أجد سوى مكان واحد يخطر ببالي في هذه اللحظة… منزل خالتي في حي المهندسين. هي الوحيدة التي يمكنني الوثوق بها، وهي أمي التي لم تلدني، وستفهمني بلا شك.
وصلتُ إلى محطة الحافلات بعد مشي ما يقارب النصف ساعة، حتى وجدتُ سيارة أجرة تمر في تلك الساعة المبكرة. توقف السائق عندما رآني في تلك الحالة، وسألني بقلق
في حاجة يا سيدتي؟ إنتِ كويسة؟
ممكن توصلني لحي المهندسين؟ وأنا أدفع لك كل اللي معي. قلت بصوت مرتجف، وصعدتُ إلى المقعد الخلفي.
طوال الطريق، كنتُ أراق الطريق في النافذة، وأتساءل كيف وصل بي الحال إلى هذا الوضع؟ عائلتي التي كنتُ أظنها ملاذي الوحيد، أصبحت مصدر ړعبي الأول.
وصلتُ إلى بيت خالتي في الساعة الخامسة صباحًا. طرقتُ الباب بخجل وتردد، ومرت دقائق طويلة حتى فُتح الباب، وظهر وجه خالتي سميرة التي بدت في عينيها علامات النوم، لكن ما إن رأتني حتى اتسعت عيناها وصړخت بلهفة
مريم! يا حبيبة قلبي! إيه اللي جابك في الوقت ده؟ ومالك شكلك كده؟ ادخلي، تعالي بسرعة!
دخلتُ، وما إن استقر بي المقعد حتى انهرت بالبكاء، وسردتُ عليها كل ما حدث معي من البداية حتى تلك اللحظة. استمعت لي خالتي بتركيز تام، ولم تقاطعني إلا لتعانقني وتمسح دموعي، وعندما انتهيت، قالت لي بصوت حازم وحنون معًا
اطمئني يا بنيتي. هنا بيتك، ومش هيسمح لحد يوصلك هنا أبدًا. ارتاحي دلوقتي، ونروح نكمل طريقنا الصباح. الحقوق مش بتاخد بالبكاء، بتاخد بالصبر والقانون.
نمتُ لبضع ساعات قليلة، وفي الصباح الباكر، استيقظتُ وأنا أشعر أنني لم أعد وحيدة. تناولتُ إفطاري، وبدأتُ نراجع معًا الأوراق التي أخرجتها معي من البيت. كانت هناك أشياء مذهلة لم أكن أعرفها أبي قد حوّل نصيبي في الميراث لحساب إسلام منذ ثلاث سنوات، وهناك شيكات وتحويلات بنكية تثبت أن إسلام قد استخدم هذه الأموال في مقامرة واستثمارات فاشلة، وليس في مشروعات حقيقية كما ادعى.
كانت الصدمة الكبرى عندما وجدتُ ورقة مخبأة بين الأوراق… عبارة عن اتفاق بين أبي وشخص غريب، يفيد بأن إسلام مدين لهذا الشخص بمبلغ ضخم جدًا يفوق قيمة الميراث بكثير، وأن أبي قد وقع على نفسه كضامن، وفي حالة عدم السداد في موعد أقصاه أسبوع… سيتم مصادرة منزل العائلة بالكامل!
ده مش مجرد سړقة للميراث يا مريم. ده کاړثة حقيقية. خوفهم مش عليكِ ولا على إسلام، خوفهم على أنفسهم. لو طلعتي تفضحيهم، هتكشف كل ديونهم، وهيفقدوا البيت كمان. قالت خالتي

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *