الطفله والوحش
الساعة اللي فوق مكتب الاستقبال في قسم شرطة بريار جلين كانت بتشير لـ ٩:٤٦ بالليل، لما باب الإزاز اتفتح بصوت خفيف.
الضابط إيفان هوليس رفع عينه، متوقع يشوف مشكلة عادية من مشاكل البلدة الصغيرة.
مرات سواق سكران جاية تسأل العربية اتسحبت على فين. أم مراهق بتزعق عشان ابنها مرجعش البيت. أو حد تايه في الطريق الزراعي بعد ما الشبكة فصلت عند صوامع الغلال القديمة.
بريار جلين، ميزوري، ماكنتش من المدن اللي بتطلع في الأخبار. كانت بلدة هادية فيها ماتشات كورة المدارس يوم الجمعة، وحفلات تبرعات قدام الكنيسة، وأرصفة مكسرة، وأعلام أمريكية باهتة من حر الصيف. بعد الساعة تسعة، أغلب الأنوار بتكون دافية وخافتة، والمطاعم قفلت، والأسرار مستخبية ورا الستاير.
بس البنت اللي واقفة عند الباب ماكنتش زائرة عادية.
كانت صغيرة.
أصغر بكتير من إنها تمشي لوحدها بالليل.
شعرها البني متشابك حوالين وشها. خدودها عليها تراب وآثار دموع ناشفة. التيشيرت اللي لابساه خفيف جدًا على برد أبريل، ورجليها الحافية سودة من الأسفلت والتراب والحصى اللي مشيت عليهم.
وكانت حاضنة كيس بقالة بني بإيديها الاتنين.
مش شايلاه.
كانت بتحميه.
الضابط إيفان قام بسرعة لدرجة إن الكرسي خبط في الحيطة وراه.
قال بهدوء: “تعالي يا حبيبتي… إنتِ هنا في أمان.”
البنت اتنفضت بخضة.
وده كان أول حاجة خلت معدته تتقبض.
مش رجليها الحافية. ولا التراب. ولا حتى الوقت المتأخر.
لكن الطريقة اللي خافت بيها من كلمة “أمان”، كأن حد قالهالها قبل كده وكدب.
إيفان هدى نفسه. أربعطاشر سنة شغل علمته إن الأطفال المرعوبين مش دايمًا بيجروا ناحية المساعدة. ساعات بيتجمدوا. وساعات يبصوا لكل كبير كأنه حركة غلط ممكن ترجعهم للكابوس تاني.
وطى صوته وقال: “أنا اسمي إيفان… ظابط هنا. ممكن تقوليلي اسمك؟”
صوابع البنت شدت على الكيس لدرجة إن الورق كركب.
شفايفها اتهزت.
وبعدين همست: “لو سمحت… أنا جبته لوحدي.”
ورا إيفان، موظفة الاستقبال الليلية مارلا بطلت كتابة.
القسم كله سكت.
عين إيفان نزلت على الكيس.
الجزء اللي فوق كان متطبق بشكل عشوائي، لكن مش مقفول تمام. ومن فتحة صغيرة شاف قماشة لونها أزرق فاتح.
بطانية طفل.
إيفان قرب خطوة بحذر.
“مين اللي جبتيه يا حبيبتي؟”
“أخويا.”
الكلمة كانت واطية لدرجة إنه بالعافية سمعها.
إيفان قرفص قدامها وسيب إيديه باينين.
“ممكن أبص؟”
لثانية، البنت حضنت الكيس أكتر. دقنها اتهز. عينيها راحت من شارة الشرطة عند إيفان لمارلا، وبعدين رجعت للشارة.
وفي الآخر، بهدوء حد بيسلم روحه كلها، هزت راسها بالموافقة.
إيفان فتح الكيس بهدوء.
جواه، ملفوف بين فوط خفيفة وبطانية زرقة، كان فيه طفل رضيع.
طفل صغير جدًا.
عينيه مقفولة. وشه أحمر من البرد والعيط. طاقية صوف ميلة على نص جبينه. وإيده الصغيرة متنية جنب خده، وبقه بيتحرك بحركات ضعيفة كأنه عايز يعيط بس خلاص تعب.
إيفان حس جسمه كله اتجمد.
قال من غير ما يرفع عينه: “مارلا… إسعاف. حالًا.”
“بتصل أهو.”
البنت قربت بسرعة وقالت: “هو مش تعبان… هو كان بيعيط، وأنا هزيته زي ماما ما بتعمل. والله ما وقع مني.”
“أنا عارف… إنتِ شاطرة جدًا.”
عينيها اتمَلوا دموع، بس ما رمشتش.
“هو سكت.”
الجملة دي ضربت إيفان أقوى من أي صرخة.
إيفان شال الطفل بحذر، سند راسه بإيد، ولف البطانية حواليه بالإيد التانية. الطفل طلع صوت عياط ضعيف.
رفيع.
متقطع.
بس عايش.
وش البنت انهار من الراحة.
همست: “هو عمل صوت.”
“أيوه… عمل صوت.”
مارلا جت ببطانية من القسم وزجاجة مية صغيرة. كانت ست عندها ٥٨ سنة، وعمرها ما فقدت هدوءها مع أي مكالمة، لكن وقتها ملامحها بقت حنينة بشكل موجع.
قالت: “اسمك إيه يا حبيبتي؟”
البنت بصتلها كأن الحقيقة باب خايفة تفتحه.
“نورا.”
“نورا إيه؟”
“نورا ويتاكر.”
إيفان عرف الاسم.
مش معرفة شخصية… لكن البلدة صغيرة، والأسامي فيها بتتنقل أسرع من الهوا.
ويتاكر يعني البيت الأزرق في شارع سيكامور. أم شابة اسمها هانا كانت أوقات تيجي السوبر ماركت بابتسامة مرهقة ومعاها طفلين. وطفل مولود جديد من كام أسبوع. ورجل إيفان شافه قبل كده في بلاغات ماوصلتش لاعتقال.
راسل كايد.
مؤدب. هدومه نضيفة. عربيته شغل. مصافحته قوية.
النوع اللي الناس تسميه “محترم” عشان عمرهم ما شافوا وشه الحقيقي بعد ما الباب يقفل.
إيفان ظبط البطانية حوالين الطفل.
“وأخوكي اسمه؟”
“مايلو… عنده خمس أسابيع. ماما بتقول إنه صغير بس عنيد.”
“ومامتك فين دلوقتي؟”
نورا بصت لتحت.
“ما صحيتش كويس.”
وش مارلا اتغير.
إيفان فضل هادي: “يعني إيه؟”
“كانت نايمة على أرضية المطبخ. قالتلي لو نعست تاني آخد مايلو وأمشي. ولو التليفون ما اشتغلش، أروح هنا.”
“ساكنين فين؟”
“البيت الأزرق اللي فيه مرجيحة في البلكونة… في سيكامور. وصندوق الجوابات عليه رسمة عصفور.”
إيفان بص لمارلا: “ابعتوا كولينز وريد على البيت فورًا. احتمال ست مصابة. والأطفال خرجوا من البيت بواسطة أختهم.”
مارلا كانت بالفعل بتتكلم في اللاسلكي.
نورا كانت متابعة كل حركة.
“هم هيتعصبوا؟”
“لأ… هيساعدوا مامتك.”
نورا بصت للطفل وقالت: “راسل قال محدش بيساعد الستات اللي بيعملوا مشاكل.”
فك إيفان شد.
بس صوته فضل ثابت: “راسل كداب.”
لأول مرة، نورا بصتله مباشرة.
مش كبنت خايفة.
لكن كطفلة نفسها تعرف لو فيه كبير ممكن يقول الحقيقة فعلًا.
مارلا خدت نورا ناحية الكرسي جنب المكتب. نورا ما قعدتش غير لما اتأكدت إن إيفان شايل مايلو قريب منها.
لفتلها البطانية حوالي كتافها.
“إنتِ مشيتي كل ده حافية؟”
هزت راسها.
“كان عندي جزمة.”
“أمال فين؟”
“الرباط بتاعها كان بيطلع صوت على السلم.”
إيفان بصلها باستغراب: “صوت؟”
هزت راسها تاني.
“راسل كان نايم على الكرسي. وماما قالتلي لو نايم ماصحهوش… خصوصًا لو شرب من الإزازة البني.”
الدفاية كانت شغالة.
ولمبات النيون بتزن.
لكن البرد فجأة دخل المكان كله.
إيفان سمع جمل كتير شبه دي في مطابخ وأوض نوم ومستشفيات… وعارف كويس إيه اللي مستخبي وراها. لكن ده مش وقت غضب. الغضب بيخلي الكبار يغلطوا.
فقال بهدوء: “إنتِ كنتِ هادية جدًا.”
“أنا اتدربت.”
مارلا لفت وشها بسرعة وهي بتحاول ماتعيطش.
الطفل عيط تاني، المرة دي أقوى شوية. إيفان هزه بلطف، مش باحتراف لكن بحنان.
“مايلو محتاج دكتور. الإسعاف جاي.”
نورا هزت راسها بسرعة: “لأ… مش المستشفى الأول.”
“ليه؟”
“ماما قالت شرطة الأول. قالتلي ماخليش راسل يقول إنه بابانا. هو مش بابانا. بيقول كده بس قدام الناس.”
إيفان بص لمارلا.
كانت بدأت تكتب بالفعل.
“مامتك بعتت حاجة معاكي؟”
عيني نورا وسعت.
ونزلت بسرعة للكيس.
“نسيت تقريبًا.”
طلعت ظرف كبير متبهدل ومبلول من ناحية.
ومكتوب عليه بخط مهزوز:
“للشرطة فقط”
مدته لإيفان بإيديها الاتنين.
“ماما قالت أديه لحد عنده شارة حقيقية.”
إيفان أخده بحذر.
“قالتلك فيه إيه جواه؟”
هزت راسها: “قالت ده طريقنا للهروب.”
باب القسم رنّ بصوته الخفيف.
راسل كايد دخل قسم شرطة بريار جلين كأنه داخل محل أدوات يعرف صاحبه من سنين.
ماكانش ضخم، بس كان ماشي بثقة. جاكيته الشغل عليه لوجو شركة “كايد للتكييف والتدفئة”. شعره مترتب بإيده بسرعة، وعلى وشه نفس التعبير اللي الرجالة دي بتعرف تعمله كويس:
قلقان… بس هادي.
متضايق… بس محترم.
التعبير اللي يخلي أي حد يشوفه ويقول: “ده راجل محترم ومستحيل يعمل حاجة.”
أول ما دخل، عينه لفّت على المكان بسرعة.
شاف إيفان.
شاف المسعفين.
شاف الكرسي الفاضي جنب المكتب.
وبعدين… شاف نورا.
ولثانية واحدة بس، الابتسامة اختفت من وشه.
لكنها رجعت بسرعة رهيبة.
“الحمد لله!” قالها وهو بياخد نفس طويل كأنه كان بيدور عليهم بقاله ساعات. “يا جماعة، كنت هتجنن عليهم.”
نورا جسدها كله اتشد.
إيفان خد خطوة قدامها فورًا.
راسل رفع إيده بهدوء: “كل حاجة تمام يا ظابط. دي بنت مرعوبة بس. أمها عندها شوية مشاكل نفسية و—”
“قف مكانك.”
صوت إيفان كان حاد المرة دي.
راسل سكت، لكن الابتسامة لسه ثابتة.
“أكيد طبعًا. مفيش مشكلة.”
عينه راحت لنورا.
“حبيبتي… تعالي هنا.”
نورا استخبت أكتر ورا مارلا.
وده كان كفاية.
إيفان قال: “الطفلة مش عايزة تقرب منك.”
راسل ضحك ضحكة صغيرة: “أكيد خايفة. أمها بتحشي دماغها بكلام غريب من شهور.”
إيفان فتح الظرف تاني قدامه.
“هانا ويتاكر قدمت طلب حماية النهارده.”
ولأول مرة، حاجة لمعت في عين راسل.
مش خوف.
غضب.
بس اختفى بسرعة.
“الست تعبانة يا ظابط. بعد الولادة حالتها بقت سيئة. وأنا اللي كنت بصرف عليهم.”
“إنت مش الأب القانوني للأطفال.”
راسل فرد كتافه: “مين قال؟”
إيفان رفع شهادة الميلاد.
“الأوراق قالت.”
سكتة صغيرة نزلت على المكان.
مارلا كانت حضنة نورا جنبها، وتاشا بتفحص مايلو بهدوء.
أما راسل… فكان بيحسب.
إيفان شاف ده بعنيه.
الرجالة اللي زيه دايمًا بيحسبوا: مين مصدقهم؟ مين أضعف؟ ومين ممكن يضغطوا عليه؟
راسل رجع يبتسم: “بص يا ظابط… البنت صغيرة ومتوترة. أكيد فاهمة الدنيا غلط. وأنا مستعد آخدهم البيت لحد أمهم تتحسن.”
“مش هيحصل.”
الجملة خرجت من إيفان من غير تردد.
الابتسامة اختفت تاني.
“على أي أساس؟”
إيفان قرب خطوة.
“على أساس إن طفلة عندها سبع سنين مشت حافية بالليل وهي شايلة رضيع في كيس بقالة عشان كانت خايفة منك.”
القسم كله سكت.
راسل لفّ عينه ناحية نورا.
ولأول مرة، الخوف الحقيقي ظهر على وشها.
مش خوف من الضرب.
خوف من إنه يتكلم.
لأنه كان النوع اللي بيعاقب بالنظرة قبل الإيد.
إيفان اتحرك فورًا وحجبها عنه.
“بصلي أنا.”
راسل نفخ مناخيره بضيق: “إنتوا مكبرين الموضوع.”
إيفان رد بهدوء أخطر من العصبية: “يمكن.”
وبعدين رفع الورق.
“بس الست كتبت كل حاجة. بالتواريخ.”
ملامح راسل بدأت تتشد.
مارلا قربت من إيفان وهمست: “الإسعاف أكد إن الأم عندها إصابة في الرأس.”
إيفان ما رمش حتى.
لكن جواه، الغضب كان بيغلي.
راسل سمع الجملة.
ولأول مرة من ساعة دخوله… فقد السيطرة ثانية واحدة.
“هي وقعت!”
الصوت خرج عالي زيادة عن اللزوم.
القسم كله بصله.
وهو أدرك غلطته فورًا.
رجع لهدوءه بسرعة وقال: “أقصد… هي كانت دايمًا بتقع. مرهقة وكده.”
لكن اللحظة كانت خلصت.
إيفان شافها.
مارلا شافتها.
حتى نورا شافتها.
والطفلة الصغيرة دي… أخيرًا فهمت إن الوحش اللي كان بيخوفهم بدأ يخاف هو كمان.