قبل فرحي بخمس ايام

الجزء الثالث
دخل إسلام ببطء، وعيناه تتحركان في الغرفة بقلق، حتى استقرتا على الحقيبة في يدي. تغير لون وجهه، وتقدّم خطوة واحدة نحوي
إيه ده؟ من فين جبتيها؟
ده شغلي يا إسلام. وحدودك عند الباب. قلتُ بثبات حاولتُ قدر الإمكان الحفاظ عليه، رغم أن قلبي كان يخفق بشدة لدرجة كادت تسمعها.
ارميها عالأرض واخرجي منها. ده مش بتاعك. قال بصوت منخفض، مملوء بالټهديد.
مش هارميها. وعايزة أعرف الحقيقة كلها. ليه عملتم فيا كل ده؟ ليه كسرت كتفي؟ ليه اختفى فستاني؟ وليه أبويا بيقول للناس إني مچنونة؟ إيه اللي بتخافوا أكشفه؟
صمت للحظة، ثم اڼفجر ضاحكًا بضحكة ساخرة، لم تكن ضحكة إنسان طبيعي
عاش يا سيدتي العاقلة! بتفكري إنك ذكية؟ طيب تعالي أقولك الحقيقة، بما إنك هتكتشفيها عاجلاً ولا آجلاً.
جلس على حافة السرير، ونظر إليَّ بعينين خاليتين من أي مشاعر أخوة
فلوس جدتي اللي بتتكلمي عنها… مش موجودة.
بقيتُ أنظر إليه بلا فهم
إيه؟ يعني إيه مش موجودة؟ كانت تقارب المليون ونصف المليون جنيه! أبويا قال إنها في حساب بنكي محفوظ لينا لحد ما نكبر!
صحيح… كانت كده. بس أبويا صرفها كلها. كل

القرش دخل في جيبي. قالها بكل وقاحة، وكأنه يفخر بذلك.
شعرتُ بدوار يلف رأسي
صرفها؟ في إيه؟! الفلوس دي كانت مخصصة لينا! لدراستنا، لزواجنا!
عشان أبدأ مشروعاتي الكبيرة يا مريم! أنا المستقبل، أنا اللي هرفع راس العائلة لفوق! وأنتِ… أنتِ كنتِ مجرد عائق في الطريق. لما قررتِ تتجوزي أحمد، عرفت إنه هيساعدك تطلعي نصيبك، وساعتها كل حاجة هتكشف. الفلوس راحت، وما عندناش نرد قرش واحد منها.
ولهذا السبب… منعتوني من التحدث، وكسرت كتفي، وسرقتم فستاني، وأبي يروح يقول إنني مريضة نفسياً؟ كل ده عشان تسترؤا سړقة فلوس الميراث؟! صرختُ، والدموع تنهمر من عيني بلا توقف.
أبويا خاېف من الڤضيحة. وأنا خاېف أروح السچن. كل ما فعلناه هو مجرد محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. كنتِ ستنسين كل شيء لو قبلتي بالواقع وسكتِ. لكنكِ أبيتِ إلا أن تكوني المشكلة الكبرى.
فجأة، سمعنا صوت خطوات ثقيلة تقترب من الغرفة، ثم دخل أبي، وبوجهه تعابير لم أرها من قبل في حياتي
إسلام… اخرج برة دلوقتي.
بس يا بابا هي عرفت كل حاجة! قال إسلام متوتراً.
قلت لك اخرج! صړخ أبي في وجهه، فخرج إسلام مسرعًا، وأغلق الباب خلفه بقوة.
بقي أبي وأنا وحيدان في الغرفة. اقترب مني ببطء، وكأنه يخشى أن يفزعني
يا بنيتي… اسمعيني كويس. اللي سمعتيه ده حقيقة، بس مش بالصورة اللي بتتخيليها. إسلام محتاج لهذه الفرصة، هو يستحق أن يبدأ حياته من الصفر، وأنتِ… عندكِ أحمد، سيعوضكِ عن كل شيء. فقط أرجوكِ، اسكتي يومًا آخر، غدًا نجد حلًا، ولا تكسري قلبي، ولا تدمري مستقبل أخيك.
مستقبل إسلام كان غالي عليك، يا بابا… ومستقبلي أنا كان رخيص عندك لهذه الدرجة؟ سألته بصوت مرتجف.
أنا أبوكِ وأعرف مصلحتكِ أكتر منكِ. أحمد شاب طموح، ولن يقبل بزوجة تأتيه بمتاعب وديون عائلية. إذا بقيتِ هادئة، سأعطيكِ وعدًا مني… سأعوضكِ عن كل شيء، عندما تتحسن أحوالنا. فقط أجلّي الزواج فترة قصيرة. أرجوكِ.
وأنت تقول لي ذلك وأنت قد ألغيت الفرح من وراء ظهري، واتهمتني بالجنون أمام خطيبي؟ تريدني أن أصدقك بعد كل هذا؟
سكت أبي، وتنهد بعمق، ثم قال بصوت خاڤت
لم يكن أمامي خيار آخر. لقد كنتِ ستفضحيننا. والڤضيحة في عائلتنا تعني المۏت. فكرّي في الأمر جيدًا. سأترككِ لترتاحي، غدًا يتضح كل شيء.
خرج وأغلق الباب، وسمعتُ صوت مفتاح يدور في القفل من الخارج. لقد أغلق عليَّ الغرفة!
وقفتُ مذهولة، لا أصدق أنني أتعرض للحبس في بيت والدي! هلوسة چنونية، لكنها حقيقية تمامًا كما الألم في كتفي المكسور.
نظرتُ حولي في الغرفة. نافذتي تطل على الشارع الخلفي للبيت، في الطابق الأول. الهاتف في يدي، والبطارية متبقية فيه خمسون بالمائة. لا أحد يعلم أنني محتجزة هنا. أحمد ربما يظنني قد رحلت، أو أنني حقًا مريضة كما قال أبي.
جلستُ على حافة السرير، وبدأتُ أُفكر بتركيز لأول مرة في حياتي. لم أعد مريم البنت التي تصدق الأعذار وتصمت من أجل العائلة. لقد حطموا جسدي، وسرقوا أحلامي، وشوهوا سمعتي، والآن يحبسونني.
سأخرج من هنا. سأستعيد حقي. وسأجعلهم يدركون أن الصبر ليس ضعفًا، وأن للصبر حدودًا.
فتحتُ حقيبة الوثائق مرة أخرى، وبدأتُ أُرتب الأوراق أمامي بدقة. هنا تكمن قوتي. هذه الأوراق هي الدليل الوحيد الذي أملكه لاستعادة حياتي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *