بعد ما حبيت بنته وراعيتها سنين
حصري لصفحة روايات رولا
بعد ما حبّيت بنته وراعيتها لسنين، وعاملتها زي بنتي تمام، وقبل فرحها بأيام قليلة، جوزي بصلّي وقال لي: “أنتي مش أمها الحقيقية”. ما تناقشتش معاه، بس كلماته خلّتني أسأل نفسي يا ترى أنا ليا مكان في الفرح ده أصلاً ولا لأ؟ وبعدها حصلت حاجة عرّفتني بالظبط مكانتي الحقيقية في العيلة دي…
قبل فرح هدى بأربعة أيام، كنت واقفة في المطبخ بكوي فستان الحنة بتاعها اللبني الفاتح بالبخار، لما طارق رمى مفاتيح العربية بتاعته على الرخامة.
جنبي على الترابيزة كان فيه علبة قطيفة صغيرة فيها ست دبابيس شعر لؤلؤ ألتراس.
كانوا بتوع هدى الله يرحمها، أم العروسة.
أم هدى تتوفى وهدى عندها عشر سنين. وأنا اتجوزت طارق بعدها بأربع سنين، لما هدى كان عندها أربعتاشر سنة، ومن ساعتها وأنا شايلاهم وشايلاهم في عينيا.
بعد الظهر، سألته سؤال بسيط جداً.
”تفتكر هدى تحب نضفر اللؤلؤ بتاع أمها في شعرها مع التسريحة؟”
طارق دلك أرنبة مناخيره بتعب.
وبعدين بصلّي.
”يا جيهان، أنتي مش أمها الحقيقية.”
إيدي وقفت على المكواة.
وكمّل بنفس النبرة الهادية:
”أنا مقدّر كل اللي بتعمليه، وأنتي كنتِ كويسة جداً مع هدى. بس ده فرحها، وأنا شايف إنك بتتدخلي أكتر من اللازم.”
”بتدخل أكتر من اللازم؟”
”الفستان، الفلوريست، ترتيب التربيزات، التفاصيل.. أمها مش موجودة، وساعات بحس إنك بتحطي نفسك في مكانة مش مكانتك.”
بصيت له وذهولي واكلني.
على مدار ثمان سنين، عمري ما طلبت من هدى تقول لي يا بابا ولا يا ماما.
كانت بتناديني يا جيهان.
وانا كنت راضية ومبسوطة بكده.
أنا اللي كنت بجهز لها أكل المدرسة، وأحضر معاها التمارين في عز التلج والمطر، وعلمتها السواقة في ساحة النادي الفاضية، وفضلت جنبها في أول تجربة حب فاشلة وكسرة قلب، وساعدتها في أوراق التنسيق، ومرة سافرت لها إسكندرية بـ “شربة خضار” معمولة في البيت عشان كلمتني من السكن في وادي القمر وهي بتعيط وفاكرة إنها مش شاطرة كفاية ومش هتعدي من كلية تمريض.
عملت كل ده عشان بحبها.
مش عشان عايزة أخد لقب أمها الله يرحمها.
قلت له بصوت واطي: “أنا عمري ما حاولت أخد مكان أمها.”
”عارف إنك مش تقصدي.”
الجملة دي وجعتني أكتر وأكتر.
طارق بان عليه الارتياح لما أخيرًا قفلت مكواة البخار.
”تمام.”
كشّر وقال: “إيه؟”
”عايزني أرجع لورا وما أتدخلش؟ حاضر.”
شلت العلبة القطيفة ودخلت بيها أوضة الضيوف وقفلت الباب.
وليلتها، نمت هناك لوحدي.
تاني يوم بعد الظهر، دخلت هدى من باب الشقة وهي شايلة أكياس أظرف الفساتين ومقصوصات الورق مع أجيندا.
”جيهان؟”
”أهلاً يا حبيبتي.”
في العادي، كنت هجري أخد نص الحاجة من إيدها قبل ما تطلع من الطرقة.
المرة دي، فضلت حاطة إيديا في جيوب الكارديجان بتاعي.
قالت لي: “محل الورد بوّظ ترتيب الورود تاني.”
”كلمتيهم؟”
”أحمد خطيبي بيتصرف معاهم.”
”كويس.”
اترمت على الكنبة وبصت لي بتمعن.
”أنتي كويسة؟”
”تعبانة شوية بس.”
”محتاجة المكواة البخار وكروت الأسماء بتاعة المعازيم.”
”المكواة في أوضة الغسيل، والكروت في الصندوق اللي جنب النيش.”
فضلت مستنية.
في العادي، كنت هكون اتحركت وبجيبهم لها قبل ما تخلص كلامها.
المرة دي، فضلت واقفة مكاني.
حواجب هدى اتعقدت.
”أنتي متأكدة إنك كويسة؟”
”أنا تمام.”
كانت كدبة.
على مدار اليومين اللي بعدهم، جيت على نفسي وما مديتش إيدي في حاجة تلقائي زي زمان.
لما المنظمة بتاعة الفرح كلمتني عشان موضوع توزيع المعازيم، اديت التليفون لطارق.
لما وصلت عينات تورتة الفرح، سبتها زي ما هي عشان هدى وأحمد يدووقوها.
لما حد بعت لي يسأل عن الشموع بتاعة التربيزات، رديت: “ارمي السؤال ده لهدى بعد أذنك.”
طارق لاحظ التغيير ده.
بس بدل ما يفهم إني مجروحة، كان باين عليه إنه مبسوط ومستريح!
ليلة الخميس، وإحنا بنغسل سناننا، بص لي في المراية.
”شايفة؟”
”شايف إيه؟”
”الدنيا أهدى بكتير لما نسيب العيال يشيلوا فرحهم بنفسهم.”
فضلت باصة لانعكاس وشّه في المراية.
”مش لازم تشيلي كل حاجة يا جيهان.”
كان فاكر سكوتي ده راحة بال.
وما كانش يعرف إنه كان كسرة قلب.
جمعة بالليل، كان العشا بتاع كتب الكتاب في مطعم شرقي صغير في المعادي.
القاعة المقفولة كانت مليانة قرايب، إضاءة دافية، كاسات العصير، ومحادثات ناس جايين من محافظات تانية.
مرفت، أخت أم هدى الكبيرة، كانت هناك.
قبل العشا، المصور جمع الكل.
”العيلة المقربة الأول بعد إذنكم!”
من غير ما أفكر، رجعت خطوة لورا.
خطوة.. وبعدين خطوة كمان.
لقيت نفسي واقفة جنب البار ماسكة كاس مياه جازية، وطارق واقف جنب هدى، ومرفت، وحماه، وقرايب تانيين.
طارق بص من فوق كتفه.
عينيه جات في عينيا.
وبعدين هز راسه لي بابتسامة استحسان صغيرة.
كأني أخيرًا فهمت مكاني فين.
المصور رفع الكاميرا.
محدش نادى باسمي.
الفلاش ضرب.
بلعت الغصة اللي في زوري وابتسمت بالعافية.
مرفت جات لي بعد الصور.
”أنتي هادية أوي النهاردة على غير عادتك.”
” أسبوع طويل ومجهد.”
فضلت تبص لي.
”هو طارق قال لك حاجة؟”
بصيت لها: “إيه اللي يخليكي تسألي كده؟”
”عشان بقالك عشر شهور شغالين معاها بتخططي للفرح ده، والنهاردة طالعة زي ما تكوني دخلتي ليلة حنة حد بالغلط!”
حاولت أضحك.
”فرح هدى مش عني أنا.”
نبرة مرفت اتغيرت.
”ده ما كانش سؤالي.”
ما رديتش.