حدود الكرامه ج١ منى السيد
رحب بيها يا مرحب بالحاجة تهاني! فينك يا راجل طيب؟ بقالك شهرين ما جيتيش تقيسي الضغط والسكر؟ أعمل إيه يا دكتور، مشاغل الدنيا. قعدت على الكرسي، ولف الجهاز على دراعها. المؤشر طلع ونزل، الدكتور هز راسه وقال الضغط عالي حبتين يا حاجة، 150 على 95. وإنتِ مهملة في الدوا كالعادة، صح؟ والله يا دكتور بنسى.. اليوم بيبقى زحمة وما بلحقش افتكر أخدت الحباية ولا لأ. لا كده مينفعش، إنتِ مش صغيرة، وصحتك دي أمانة عندك. بطلي شيل الهم شوية وارتاحي.
طلعت من الصيدلية، وراحت على محل الأقمشة بتاع الحاج ناصر اللي جنب محطة المترو. تهاني زمان، أيام شبابها، كانت خياطة شاطرة جدًا، كانت بتفصل فساتينها بنفسها وتعمل مفارش كروشيه تهبل. دخلت المحل، قعدت تقلب بين أثواب القماش؛ لمست خامة الكتان، وشمّت ريحة القطن الصافي، واشترت تلاتة متر قماش مشجر ناعم عشان تعمل بيهم ستارة للمطبخ كانت مأجلاها من سنتين، ومعاهم شوية خيوط كروشيه ملونة.
وهي خارجة، شافت كافيه صغير على الناصية، طرابيزات خشب صغيرة برة تحت مظلة قماش. قعدت، طلبت شاي بنعناع وكوباية ماية مثلجة. طلعت موبايلها من الشنطة عشان تشوف الساعة كام.
الشاشة أول ما نورت كانت عامية من كتر النوتيفيكيشنز 34 مكالمة فائتة من محمود. 18 مكالمة فائتة من شاهندة. 3 مكالمات من رقم غريب. رسائل واتساب 42 رسالة.
فتحت الواتساب ببرود، وقعدت تقرا وهي بترشف من الشاي بالنعناع محمود يا ماما إنتِ فين؟ طمنيني عليكي، حد جراله حاجة عندك؟ محمود بعدها بنص ساعة ماما ردي الله يخليكي! الشقة مقلوبة، وأنا اتأخرت على الشغل والعيال غابوا من المدرسة وسليم عمال يعيط ومش لاقيين البامبرز بتاعه! شاهندة طنط! لو سمحتي ردي على الموبايل، الحركة دي مش لطيفة خالص وإحنا عندنا شغل والتزامات! لو تعبانة كنتي عرفينا من امبارح عشان نتدبر أمرنا! محمود يا أمي ردي، أنا هتجنن! لو فيكي حاجة قوليلي أجيلك!
تهاني قفلت شات شاهندة من غير ما ترد بكلمة واحدة. ولا نقطة حتى. فتحت شات محمود، وكتبت ببطء وصوابعها ثابتة أنا كويسة يا محمود. مفيش فيا حاجة. بس زي ما مراتك قالت قدام صحابها، أنا ست كبيرة على المعاش، قاعدة في البيت ما ورايش شغلة ولا مشغلة ولا بعمل حاجة مهمة. فقررت أقعد في بيتي أعمل اللي على قدي. شوفوا حد بيشتغل بجد يساعدكم.
وداست إرسال.
العلامتين الزرق ظهروا في نفس الثانية. محمود كان ماسك الموبايل كأنه مستني رسالة من ملك المۏت. تليفونها رن على طول محمود يتصل بك…. تهاني حطت الموبايل على وضع صامت، وقلبته على ضهره على الترابيزة، وشاورت للويتر يجيبلها شوية مكسرات تسالي.
في التجمع، الرسالة نزلت على دماغ محمود زي جردل ماية ڼار. كان قاعد في الصالة مهدود، لابس التيشيرت مقلوب من اللخمة، جنبه فريدة بتاكل كورن فليكس ناشف من العلبة بإيدها ومبهدلة السجادة، وسليم نام أخيرًا على الكنبة بعد ما عيط لحد ما شرخ صوته، وهو مش مغيرله، بس لافف فوطة مطبخ حوالين وسطه مؤقتًا.
محمود قرا الرسالة مرة، واتنين، وتلاتة. زي ما مراتك قالت قدام صحابها… الكلمات رنت في ودنه كأن حد ضربه قلم على غفلة. رجع بذاكرته لعزومة يوم الجمعة، والضحك، والسفرة اللي كانت مليانة بط ومحاشي وصواني مكرونة بالبشاميل تكفي كتيبة، والست اللي كانت رايحة جاية بالصواني ومبتسمة وهي شايلة سليم على كتفها وضهرها محڼي، ولما شاهندة قالت الجملة دي هي أصلًا ما بتشتغلش، يا دوب بتسلّي وقتها