حدود الكرامه ج١ منى السيد
حكايات مني السيد حصري
هي أصلًا ما بتشتغلش، يا دوب بتسلّي وقتها وتساعدنا مع العيال، الجملة دي قالتها مراتي ابني قدام صحابها بكل برود. وأنا اللي بقالي تلات سنين بطبخ، وبنضّف، وبشيل تلات أحفاد على كتافي ييجي اتناشر ساعة في اليوم! ما عملتش ڤضيحة، ولا اتخانقت؛ يوم الإثنين الصبح بطلت أروح. بعدها بأسبوع لقيتها واقفة على باب شقتي لوحدها وفي إيدها شفشق عصير ومکسورة العين بس خلاص، كنت قررت إن اللي انكسر مش هيرجع زي الأول.
الجزء الأول
حماتي أصلًا قاعدة فاضية في البيت ما وراهاش لا شغلة ولا مشغلة قالتها شاهندة وهي بتغرف السلطة في طبقها، بنبرة عادية كأنها بتتكلم عن حالة الجو.
كانت تهاني سامعة الكلام كله وهي واقفة جنب شباك أوضة السفرة، وسليم الصغير نايم على كتفها.
السفرة كان متجمع حواليها تمانية من صحابهم، بيحتفلوا بمرور تسع سنين على جواز شاهندة ومحمود في شقتهم اللي في التجمع. ومن النجمة وتهاني وافقة على رجل، خرّطت الخضار، وعملت الرز، وسخنت العيش، وروّقت المطبخ، وعينيها على التلات عيال، في الوقت اللي ابنها كان نازل طالع يعلق نور الزينة ومراته رايحة تشتري العصاير
والحلويات.
ولا واحد فيهم كلّف نفسه يسأل مين اللي تعب وطبخ الأكل ده كله؟
واحدة من صحاب شاهندة، من باب الذوق، بصت لتهاني وسألتها وإنتِ بقى يا طنط بتعملي إيه في وقتك بعد ما طلعتي على المعاش؟
تهاني لسه بتفتح بقها عشان ترد، سبقتها شاهندة بضحكة صفرا ولا حاجة! قاعدة رايقة، عشان كده شايلانا ومقضياها معانا.
كام واحد على السفرة ابتسموا مجاملة.
تهاني ساعتها ما حستش پغضب يولّع فيها، حست بحاجة أصعب بكتير زي سکين تلج نزل شق صدرها.
بصت لسليم، ابن السنتين اللي غرقان في النوم على كتفها. وبصت على كوتشي فريدة اللي غسلته بإيديها الصبح عشان ينشف. وبصت على شنطة إياد اللي راجعتله واجباته بنفسها عشان ما يتبهدلش في المدرسة يوم الأحد.
وقالت في سرها يعني دي نظرتكم ليا؟ خدامة ببلاش ومقضياها فراغ؟
مشيت بهدوء لحد شاهندة وحطت الولد في حضنها.
سليم صحي مڤزوع وقعد يعيط.
محمود رفع عينه من على السفرة باستغراب في إيه يا أمي؟ مالك؟
ردت بصوت هادي دماغي مصدعة شوية، مروحة بيتي.
ولا واحد فيهم قام من مكانه يشوف مالها أو يوصّلها للباب.
تهاني كان عندها تلاتة وستين سنة. قبل ما تطلع على المعاش كانت
شغالة أكتر من تلاتين سنة مديرة حركة ومتابعة في شركة نقل كبيرة؛ كانت تحفظ خطوط السير، ومواعيد الشوفيرية، وتصليحات العربيات، والأعطال من غير ما تبص في ورقة واحدة.
يوم ما طلعت معاش، العيلة كلها قالت أخيرًا هترتاحي وتستجمي يا ماما.
بعدها بأسبوع واحد، تليفونها رن وكان محمود معلش يا أمي طالبتك في خدمة، فريدة لسه ما دخلتش الكيجي وشاهندة هترجع الشغل، هما تلات أسابيع بالعدد على ما نرتّب أمورنا.
حاضر يا حبيبي، عينيّا.
التلات أسابيع بقوا تلات شهور.
بعدها فريدة جالها دور تعب وطوّل.
بعدها ربنا رزقهم بسليم.
بعدها إياد دخل ابتدائي.
وعدت تلات سنين، وتهاني لسه بتنزل من بيتها كل يوم من الأحد للخميس قبل تمانية الصبح.
تصحي إياد وتلبسه للمدرسة، وتوصّل فريدة الحضانة، وتشيل سليم وتغيرله، وتطبخ الغدا، وتغسل، وتلم اللعب من الأرض، وتجري تشتري لبن وعيش لو ناقص حاجة، وترجع تجيب العيال، وتودّي فريدة جلسات التخاطب كل تلات، وإياد تمرين السباحة في النادي كل أربع.
ويوم الخميس بالذات ما كانتش بتمشي قبل تمانية بالليل، عشان شاهندة بيبقى عندها تقفيل تارجت في الشغل ومحمود عنده اجتماعات في
الموقع.
افتكرت العصر لما