ابني طمعان في بيتي

حكايات توتا

الساعة كانت 558 الصبح يوم الأحد، فتحت باب بيتي بالظبط في اللحظة اللي ابني كان بيرفع فيها شاكوش تقيل للمرة التالتة، شاكوش وزنه حوالي 5 كيلو ونص.
مراته كانت واقفة وراه بتزعق وبتقول إني خرفت وإن دماغي ماعادتش فيا من ساعة ما غيرت كالونات البيت.
بس أول ما ابني شاف الراجل الواقف ورايا… فهم إن الموضوع مش غلطة.
الشاكوش وقف في الهوا، على بُعد كام سنتي من باب البيت المفتوح.
إيدين كريم اتجمدوا حوالين إيد الشاكوش.
لثواني، محدش فينا اتحرك.
ورا كريم، كانت نادين واقفة على السلم قدام البيت، لابسة بالطو بيج، وباصّة من فوق كتفي لجوه.
أما الراجل اللي كان واقف ورايا، فكان حمدي، صاحب عمر جوزي الله يرحمه.
واقف ساكت، عريض الكتاف، وماسك كوباية قهوة في إيده، كأنه كان مستني بالظبط اللي بيحصل ده يحصل في صباح الأحد ده.
كريم نزل الشاكوش ببطء.
وبصلي وقال
إيه اللي بيحصل هنا؟
بصيت له بهدوء وقلت
ده بيتي.
نادين استوعبت الموقف أسرع منه.
قالت
إنتِ غيرتي كالونات الباب؟
قلت
أيوه.
صرخت
إنتِ مينفعش تطردينا! إحنا عايشين هنا!
بصيت لها وقلت
لأ… إنتوا مش عايشين هنا.
في اللحظة دي، ملامح وشها اتغيرت.
مش تغيير كبير.
بس تغيير صغير كفاية إني أخده بالي منه.
لأن من تلات شهور بس، كنت أنا اللي فتحت لهم نفس الباب ده بإيدي ورحبت بيهم.
شقتهم كان عقد إيجارها خلص، والشقة الجديدة اللي كانوا شاريينها اتأخرت بسبب مشاكل في السباكة والتشطيبات.
كريم وقتها حط إيده على كتفي وقال
تلات أسابيع يا أمي، أربعة بالكتير. لحد ما الشقة تخلص.
كان ابني الوحيد.
أبوه، محمود، مات وكريم عنده سبعتاشر سنة.
ومن يومها، بقينا أنا وهو عايشين لوحدنا في بيتنا القديم في شارع النخيل، في مصر الجديدة.
البيت اللي كريم اتربى فيه.
البيت اللي شفته فيه وهو صغير بيجري في الجنينة.
والبيت اللي وقفت على بابه يوم ما سافر الجامعة.
والبيت نفسه اللي جاب فيه نادين أول مرة وقاللي
دي اللي أنا ناوي أتجوزها.
وشفتهم بيتجوزوا في فرح بسيط في جنينة البيت.
عشان كده لما احتاجوا مكان يقعدوا فيه كام أسبوع، مكنتش محتاجة أفكر حتى.
ده ابني.
ومين هيساعد ابنه لو مش أمه؟
بس المشاكل بدأت بحاجات صغيرة أوي…
حاجات ممكن أي حد يعديها.
نادين بدأت تغير ترتيب المطبخ على مزاجها.
نقلت حاجات من مكانها.
وركنت عفش محمود القديم على جنب.
حتى السفرة اللي كان أبو كريم مهتم بيها جدًا، قالت إنها قديمة ومش ماشية مع ستايل البيت.
وبقت تسيب الهدوم بره أوضة الغسيل، وتكتبلي ورقة صغيرة تقوللي عايزة الغسيل يتغسل إزاي.
وكريم كمان من غير ما يسألني، غير باقة النت والتليفزيون، ولما كلمته على الفاتورة قال بمنتهى البرود
يا ماما، يعني إيه؟ مش موضوع.
الجملة دي علقت في دماغي.
لأن كل حاجة كانت بتتحول لمش موضوع لما الحاجة تخصني أنا.
فلوسي؟
مش موضوع.
عفشي؟
مش موضوع.
بيتي؟
مش موضوع.
خصوصيتي؟
برضه مش موضوع.
لحد يوم ما رجعت البيت في عز المطر، ولقيت ترابيزة خشب قديمة جدًا، كانت بتاعة محمود ومرممها بإيده، مرمية بره البيت على الرصيف.
وقفت مكاني مش مصدقة.
سألت
مين طلع الترابيزة دي؟
نادين ردت بمنتهى الهدوء
أنا.
ليه؟
قالت
شكلها قديم أوي وبتبوظ شكل البيت.
نزلت لوحدي وشيلتها ورجعتها جوه.
قالتلي وهي بتتفرج عليا
إحنا عايشين هنا برضه.
بصيت لها وقلت
لأ… إنتوا ضيوف.
في نفس اليوم، ركبت كالون أمان على باب أوضتي.
كريم شافه وسألني
إنتِ بتقفلي أوضتك ليه؟
قلت
عشان دي أوضتي.
ضحك وقال
إنتِ بقيتي شكاكة أوي يا أمي.
وقتها معدتش على الكلمة.
لكن بعد أسبوع…
فهمت هي كانت بتجهز لإيه.
كنت قاعدة في البلكونة الخلفية مساء يوم خميس، بشرب الشاي، لما سمعت صوت نادين جاي من جوه المطبخ.
قالت
كريم… أنا بصراحة قلقت عليها.
رد عليها بحاجة مش سمعتها.
قالت
أمي؟ دي مش طبيعية اليومين دول.
سكتت شوية وبعدين كملت
كل شوية تقفل على نفسها في أوضتها. بقت شكاكة. عصبية. بتنسى حاجات.
إيدي اتجمدت والكوباية وقفت في نص الطريق لبوقي.
كملت بصوت أوطى
ممكن يكون بداية ضعف في الذاكرة… أو حاجة أكبر.
كريم قال حاجة تانية، بس صوت المطر غطاها.
نادين ردت
إحنا لازم نبدأ نسجل اللي بيحصل.
حسيت قلبي بدأ يدق أسرع.
وبعدين سمعتها بتقول
لو دكتور شاف إنها مش قادرة تعتمد على نفسها، ممكن يقترح إنها تعيش في مكان فيه رعاية.
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
دار مسنين محترمة يعني… مكان كويس، فيه دكاترة وأنشطة وناس حواليها.
فضلت قاعدة مكاني.
مش قادرة أتحرك.
لحد ما سمعتها تقول الجملة اللي خلت كل حاجة حصلت قبل كده تتجمع قدام عيني مرة واحدة
وساعتها البيت هيبقى بتاعنا.
استنيت.
كنت مستنية كريم يقولها
إنتِ بتقولي إيه؟
كنت مستنية يدافع عني.
كنت مستنية يقول لها إنها مجنونة.
لكنه…
ماقالش حاجة.
بعد كام ثانية، سمعته يقول
بس لازم اسمي يبقى في الملكية الأول.
نادين قالت
ممكن تعمل لها توكيل.
كريم رد
وأقول لها إنه عشان الضرائب والورق.
نادين سكتت شوية.
وبعدين قالت
هي بتثق فيك.
الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة سمعتها.
لأنها كانت عارفة الحقيقة.
أنا فعلًا كنت بثق فيه.
ده ابني.
الوحيد اللي فضلت طول عمري أعمل أي حاجة عشانه.
اللي سهرت عليه.
اللي ربيته لوحدي بعد موت أبوه.
اللي كنت فاكرة إنه مهما حصل، عمره ما هيقف ضدي.
الليلة دي دخلت أوضتي من باب البلكونة من غير ما يحسوا.
وقعدت على طرف السرير لحد الفجر.
الصبح، أول حاجة عملتها إني اتصلت بحمدي.
كان أعز أصحاب محمود، وعارف كل أسرار بيتنا من أكتر من تلاتين سنة.
حكيت له كل حاجة.
من أول موضوع الترابيزة.
لحد الكلام اللي سمعته بالليل.
سمعني للآخر من غير ما يقاطعني.
ولما خلصت، سألني بهدوء
عايزاني أطلعهم من البيت؟
بصيت قدامي شوية.
وقلت
لأ.
سكت.
وبعدين قلت
أنا عايزاهم يمشوا من غير ما يعرفوا إني عرفت.
حمدي فهم قصدي فورًا.
كريم ونادين كانوا مسافرين يوم الجمعة يقضوا كام يوم في الساحل عشان عيد ميلاد نادين.
وأول ما عربيتهم خرجت من الشارع واختفت…
حمدي وصل.
ومعاه ولاده الاتنين.
دخلنا البيت وبدأنا نلم حاجتهم بهدوء.
الهدوم.
الجزم.
اللابتوبات.
أجهزة الألعاب.
مضارب الجولف اللي كريم كان جايبها ومش بيلعب بيها غير كل فين وفين.
شنط نادين.
مستحضرات التجميل بتاعتها.
حتى أكياس بودرة البروتين اللي كانت ماليّة بيها دولاب المطبخ.
كل حاجة اتصورت.
كل حاجة اتحطت في كراتين.
ولا حاجة اتكسرت.
ولا حاجة اتبهدلت.
وبعدها نقلنا كل حاجتهم لمخزن خاص مدفوع مقدمًا باسم كريم.
حمدي غيّر كالونات الأبواب كلها.
وغير كود الجراج.
وركب أقفال جديدة.
حتى باب البلكونة اتأمن كويس.
وبحلول ليلة السبت، كانت المحامية بتاعتي، الأستاذة منى عبدالسلام، مخلصة كل الورق اللي محتاجاه.
الأحد الصبح…
كريم ونادين رجعوا.
كريم نزل من العربية وهو بيضحك، وطلع المفتاح من جيبه.
حط المفتاح في الباب.
لفه.
الباب…
مافتحش.
جرب تاني.
وبعدين بص لنادين.
نادين قربت منه.
وفي أقل من دقيقة، بدأت تصرخ
أنا قولتلك! أنا قولتلك إنها بدأت تخرف!
كريم بص للباب.
وبعدين خبط عليه.
وأنا فتحت.
نادين أول ما شافتني قالت
إنتِ غيرتي الكالون؟
قلت
أيوه.
صرخت
إنتِ فقدتي عقلك؟!
كريم وقف ساكت.
نادين بصت له وقالت
افتح الباب!
وبعدين بصتلي
إحنا سايبين حاجتنا كلها هنا!
قلت
لأ، مش هنا.
سألت
يعني إيه؟
قلت
حاجتكم كلها في مخزن.
كريم اتعصب
إنتِ نقلتي حاجتنا؟
أيوه.
إنتِ مالكيش حق!
بصيت له كام ثانية.
وقلت
ماليش حق؟
نادين سكتت.
فكملت
غريبة أوي الكلمة دي… خصوصًا جاية من اتنين كانوا قاعدين بيتكلموا إزاي يخلوني أطلع مش واعية بتصرفاتي عشان ياخدوا بيتي.
وش كريم اتغير.
إيد كريم ارتخت.
والشاكوش نزل شوية.
نادين بصت له.
وبعدين بصتلي.
قلت
أنا سمعتكم.
كريم قال
ماما…
قاطعت كلامه
التوكيل.
وسكت شوية.
دار المسنين.
وبعدين
واسمك على ملكية البيت.
كريم بلع ريقه وقال
أنا أقدر أشرح.
هزيت راسي.
لأ.
إنتِ مش فاهمة اللي حصل.
بصيت في عينه.
أنا فاهمة بالظبط اللي سمعته.
حاول يدافع عن نفسه
نادين كانت بتتكلم وخلاص. أنا عمري ما كنت هعمل كده.
قلت
بس إنت ماوقفتهاش.
نزل عينه في الأرض.
نادين وقفت ورفعت دقنها.
واضح إنها لسه مش مستوعبة إن خطتهم اتكشفت.
وفجأة…
نور عربية ظهر على الحيطان.
عربية سودا دخلت الشارع ووقفت قدام البيت.
باب السواق اتفتح.
الأستاذة منى نزلت.
كريم عرفها.
لكن قبل ما يسأل هي جاية ليه…
باب العربية التاني اتفتح.
ونزل منه راجل كبير في السن.
شعره أبيض.
رفيع.
لابس بدلة رمادي.
أول ما كريم شافه…
وشه اتجمد.
عمو سامح؟
سامح كان أخو محمود الأكبر.
أخو أبوه.
والراجل ده أنا ماشفتهوش من حوالي خمستاشر سنة.
نادين بصت لسامح.
وبعدين بصت للمحامية.
وقالت
هو ماله بالموضوع؟
الأستاذة منى فتحت الشنطة اللي في إيدها.
وقالت
ماله بالموضوع كتير.
كريم بصلي
إنتِ عملتي إيه؟
قلت
حميت نفسي.
المحامية بدأت تشرح إن ملكية البيت اتنقلت بشكل قانوني لصندوق أمانة عائلي.
كريم عقد حواجبه.
صندوق أمانة لمين؟
سامح رد
وهنا بقى… الموضوع هيبدأ يتعقد.
دخل إيده في جيب الجاكيت.
وطلع ظرف قديم.
قديم جدًا.
وعليه اسمي مكتوب بخط محمود.
كريم فضل باصص للظرف.
سامح مد إيده وادهوله.
وقال
أبوك كتب الجواب ده من ستة وعشرين سنة.
كريم ماخدش الظرف على طول.
سأل
إنت معاك الجواب ده ليه؟
سامح قال
أبوك ادهولي بنفسه.
ليه؟
سامح بصلي.
وبعدين قال
وقالي ما أسلمهوش ليك إلا لو أمك في يوم من الأيام اتعرضت لضغط… أو تلاعب… أو حد حاول يثبت إنها مش قادرة تدير نفسها… أو حد حاول يجبرها تتنازل عن البيت.
نادين رجعت خطوة لورا.
ولأول مرة من بداية الليلة…
ملامح الخوف ظهرت على وشها.
كريم أخد الظرف.
فتحه بإيد بتترعش.
طلع الجواب.
وبدأ يقراه.
عينيه اتحركت على السطور.
مرة.
واتنين.
وبعدين رجع لأول الصفحة وقراها من الأول.
وفي نص الجواب…
وقف.
وشه شحب.
رفع عينه وبص لسامح.
وبعدين بصلي.
وقال بصوت واطي
يعني إيه الكلام ده؟
أنا كنت عارفة إن اللحظة دي هتيجي يوم من الأيام.
تخيلتها كتير.
لكن ولا مرة تخيلتها بالوجع ده.
طلعت على عتبة البيت.
وبصيت لابني الوحيد.
وقلت
كريم… محمود مش أبوك الحقيقي.
القصة لسه في أولها…
لأن جواب محمود اللي اتكتب من ستة وعشرين سنة كان مخبي سر أكبر بكتير من مجرد حقيقة مين هو أبو كريم الحقيقي.
وساعتها…
كريم بدأ يقرأ باقي الجواب.
واللي كان مكتوب فيه…
كان كفيل يقلب حياة كل واحد فينا رأسًا على عقب.
الفصل الأول جواب محمود
كريم فضل واقف مكانه، والجواب بين صوابعه.
كان بيقراه للمرة التالتة، بس واضح إنه مش مستوعب حرف واحد.
أنا كنت واقفة على عتبة البيت، وحمدي واقف ورايا، والأستاذة منى جنب الباب، وسامح واقف قدام كريم كأنه مستني منه حاجة.
نادين كانت ساكتة.
وده لوحده كان غريب.
لأن نادين من أول ما دخلت حياتنا، مكانتش بتعرف تسكت.
لازم يكون عندها تعليق.
لازم يكون عندها رأي.
لازم تبقى هي اللي آخر واحدة تتكلم.
لكن المرة دي كانت ساكتة.
يمكن لأنها لأول مرة حست إن الأرض اللي واقفة عليها مش ثابتة.
كريم رفع عينه من الجواب.
بصلي.
وقال
ماما… إنتِ كنتِ عارفة؟
بصيت له.
عارفة إيه؟
هز الجواب في إيده.
إن محمود مش أبويا؟
نفسي اتسحب مني.
مش عشان السؤال.
عشان الطريقة اللي قال بيها كلمة أبويا.
طول عمره كان بيقول بابا.
بابا اللي مات.
بابا اللي وحشه.
بابا اللي كان بيحكيله عنه لكل حد.
بابا اللي كان بيقول إنه نفسه يبقى زيه.
بابا اللي كان بيحتفظ بساعته القديمة في درج مكتبه.
بابا اللي كان بيقول إن ملامحه شبهه.
دلوقتي قال
محمود مش أبويا؟
بصيت ناحية الأرض.
وقلت
محمود هو أبوك في كل حاجة تهمني.
ضحك ضحكة قصيرة، مالهاش أي فرحة.
أنا بسألك

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *