حدود الكرامه ج١ منى السيد

تهاني بتحب تعملها دايمًا.
شاهندة عينيها جت في عين تهاني، فضلت ساكتة ثانيتين تلاتة، شفايفها بترتعش. صباح الخير يا طنط..
تهاني ما فتحتش الباب على وسعه، فضلت ماسكة الأكرة صباح النور. خير يا شاهندة؟ في حاجة في العيال؟ محمود كويس؟ لا، العيال ومحمود كويسين.. يعني، على قدهم.. أنا.. أنا جاية عشانك إنتِ.
تهاني بصت على الصينية، بصت لشفشق العصير، ورجعت بصت لشاهندة بعيون هادية، مفهاش ڠضب، بس مفهاش برضه الدفا اللي كانت بتستقبلهم بيه كل يوم. عيون غريبة، عيون حد بيبص من بعيد. عشاني أنا؟ خير؟ ممكن أدخل خمس دقايق بس؟ عشان.. عشان رجلي ۏجعاني من المشوار ومش قادرة أقف بالصينية.
تهاني فتحت الباب سنة تانية، ورجعت خطوة لورا اتفضلي يا بنتي، ادخلي.
شاهندة دخلت الصالة، عينيها لفت في الشقة. الشقة كانت بتلمع من النظافة، ريحة البخور المستكة مالية الجو، مفيش لعبة واحدة على الأرض، مفيش كوباية مركونة، والشمس داخلة من البلكونة منورة السجادة اللي عليها مكنة الخياطة والقماش الجديد. كأن البيت ده كان في كوكب تاني غير الكوكب اللي هي عايشة فيه بقالها أسبوع.
حطت الصينية على ترابيزة السفرة، وقعدت على طرف الكرسي بتوتر، وإيديها بتفرك في بعضها. تهاني دخلت قعدت قدامها على فوتيه الصالون، حطت إيد على إيد، وفضلت ساكتة، مستنية.
شاهندة خدت نفس عميق، ورفعت عينيها لتهاني بصعوبة أنا عارفة إنك زعلانة يا طنط.. محمود وراني الرسالة بتاعتك. وعارفة إني غلطت.. الكلام اللي قولته يوم العزومة، والله العظيم ما كان قصدي بيه اللي فهمتيه.. أنا كنت بهزر مع أصحابي، كنت بحاول أبين إن الأمور سهلة، بس لساني خانني.. أنا مقدرش أنكر فضلك علينا، ولا أقدر أنسى إنك شايلانا من سنين.
تهاني فضلت باصة لها بنفس النظرة الهادية، وابتسمت ابتسامة خفيفة، باردة لسانك ما خانكيش يا شاهندة. لسانك قال اللي في قلبك بجد. لا والله يا طنط! اسمعيني بس يا بنتي للآخر. تهاني شاورت بإيدها حركة خفيفة تخلي اللي قدامها يسكت من غير زعيق لسانك قال الحقيقة اللي انتوا عايشين بيها. إنتِ ومحمود اتعودتوا تاخدوا، تاخدوا تاخدوا، لحد ما بقيتوا شايفين إن اللي بيتاخد ده حق مكتسب، وإن الست العجوزة اللي بتجيلكم دي معندهاش حياة تانية، ولا روح بتزهق، ولا جسم بيتعب. إنتِ قولتيلهم هي ما بتشتغلش، قاعدة وفاضية، وإنتِ عارفة كويس إنك لو دفعتي مرتبك كله لشركة شغالات مش هتعملك ربع اللي أنا بعمله لعيالك، ولا هتحبهم ربع حبي ليهم.
شاهندة دمعة نزلت من عينها، مسحتها بسرعة بضهر إيدها حقك عليا يا طنط. أنا آسفة، بجد آسفة. محمود متبهدل، والعيال هيموتوا عليكي، سليم مبياكلش خالص وعمال يشاور على صورتك اللي في الصالة، وفريدة بټعيط كل يوم الصبح عشان مش لاقية التوكة بتاعتها ولا حد بيسرحلها شعرها زيك. البيت خربان من غيرك يا طنط، والنعمة الشريفة البيت واقف، وإحنا مش عارفين نعيش. عشان خاطر سليم وإياد وفريدة، انسي اللي حصل وارجعي معانا النهاردة.
أنا عملتلك العصير اللي بتحبيه، ومحمود مستني تحت في العربية مستنيكي ترجعي معاه.
تهاني بصت على شفشق العصير، وبعدين بصت لشاهندة. في اللحظة دي، شاهندة كانت فاكرة إن الكلمتين دول والدمعتين كافيين إن الحاجة الطيبة تحن، وتطبطب، وتلبس طرحتها وتنزل تجري تلحق أحفادها زي ما بتعمل كل مرة لما محمود يشتكي من صداع أو شاهندة تتأخر في شغلها.
لكن تهاني اتنهدت تنهيدة طويلة، كان فيها تعب تلات سنين، وتعب تلاتين سنة من قبلهم. وقفت، وعدلت طرحتها،
وقالت بنبرة حاسمة وصوت هادي جدًا مفيش فيه ذرة تراجع
العصير بتاعك كتر خيرك عليه، بس أنا مش هرجع يا شاهندة.
شاهندة برقت بعينيها، كأنها مش مستوعبة اللي بتسمعه يعني إيه مش هترجعي يا طنط؟! ما أنا اعتذرت أهو، وبقولك البيت خربان والعيال متبهدلين! عيالك إنتِ ومحمود، مش عيالي أنا. أنا ربيت محمود وكبرته لحد ما بقى مهندس وفتح بيت واتجوزك،

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *