جوزي عرضني للبيع
. ميرفت أمين. الاسم نزل عليا زي الصاعقة، وبعدين الذاكرة انفتحت دفعة واحدة. مطر بينزل على رصيف بارد. كيس مشتريات ورق اتقطع على الرصيف. تفاح وبرتقال بيجري في وسط الشارع والزحمة. ست لابسة بالطو بيج قديم ومستهلك، بتوطي بسرعة وبإيدين بترتعش تلم الحاجه، وهي بتعيط وبتعتذر للناس اللي مفيش واحد فيهم مد إيده يساعدها.
رأيت نفسي زمان، بنت عندها 25 سنة، متجوزة جديد، شايلة شمسية رخيصة شارياها من صيدلية لأن الأرصاد كذبت يومها. قلت بصوت مخنوق بالدموع المشتريات وقعت منها في الشارع.. أنا فاكرة. أومأ برأسه وأنتِ وطيتي ولميتي معاها. تابعت كانت بتبكي بحرقة. قال وقالتلك إنها كويسة ومش عايزة تتعبك.
قلت بس ماكنتش كويسة خالص. قال بمرارة لأ، ماكنتش كويسة؛ في الصباح ده بالذات، صاحب الشقة طردها للشارع عشان مكنتش قادرة تدفع الإيجار. الذاكرة رجعت بكل تفاصيلها. إيدين طنط ميرفت المرتعشة. القهوة الصغيرة في وسط البلد وقعدتها المحندقة.
إصرارها إنها مش عايزة تتقل عليا، في الوقت اللي كل كلمة منها كانت بتقول إنها معندهاش مكان تنام فيه الليلة دي. قلت أنا عزمتها على شاي وسندوتشات. قال وقعدتِ معاها ساعتين كاملين. أجبته مش فاكرة إن الوقت كان طويل كده. قال بس هي افتكرت كل دقيقة.
افتكرت إنك اتصلتِ بيها بعد يومين، وقولتيلها إنها تقدر تقعد في غرفة الضيوف في شقتك القديمة أسبوع لحد ما تدبر حالها. قلت بس هي قعدت تلات شهور. قال وعينه بتلمع بالامتنان نعم، وطول التلات شهور، محسستيهاش أبداً إنها حمل تقيل أو ضيفة روتينية.
بلعت ريقي وبصيت للمفرش الأبيض. تذكرت طنط ميرفت في غرفة ضيوفنا، إزاي كانت بتطبق الفوط والملايات بنضافة رهيبة رغم أنها مستعملتهاش كلها. تذكرت إزاي كانت بتطبخ لنا الشوربة بحب ورغبة إنها ترد الجميل بأي طريقة.
تذكرت كلمة قولتها لها الصبح وهي بتعتذر للمرة الألف لأنها اتأخرت في المطبخ يا طنط ميرفت، أنتِ مش مضطرة تختفي أو تتظاهري إنك مش موجودة عشان تستحقي المساعدة والستر. كنت قايلها بعفوية، بس طلعت محفورة في قلبها وعاشت معاها أكتر ما عاشت في ذاكرتي.
تابع أمي لقت شغل بعد كده عن طريق صاحبة ليكي، وظيفة حسابات بسيطة في مكتب صغير. قلت نعم، شركة استيراد في وسط البلد. قال قعدت هناك تلات سنين، وبعدين بدأت تاخد حسابات لعملاء خاصين، وبعدين فتحت مكتب محاسبة ومراجعة كبير بتاعها.