شوفت حماتي في السوق

المعاش، ورقة العقد بتاعة الحساب المشترك القديم اللي كنا فاتحينه سوا، وركبت تاكسي وطرت على مكتب نهى في الدقي.
نهى استقبلتني وهي قلقانة، أول ما قفلت باب المكتب انفجرت من غير ما أحس. حكيتلها كل حرف، من أول كلام حماتي في السوق، لحد رسايل الموبايل، لحد خطتهم عشان شقة أمي في الهرم. نهى كانت بتسمع وهي بتسجل ملاحظات بقلمها، وشها كل شوية كان بيزداد جدية وصدمة.
شوفي يا مريم، قالتها نهى وهي بتقفل كشكولها وبتسند ضهرها لورا. إنتي لو اتعصبتي ورحتي مسكتي فيه في البيت وقولتيله سحبت الفلوس ليه، هيكدب، هيقولك دي ديون، هيقولك دي مصاريف بزنس، هيطلعك إنتي المريضة الشكاكة اللي بتفتش وراه، والحساب المشترك؟ الحساب ده بإسمكم انتو الاتنين، بس ليه حق التوقيع المنفرد ولا المشترك؟ منفرد… احنا كنا عاملينه كده عشان لو حد مسافر أو محتاج يسحب في أي وقت من غير ما يعطل التاني. بالظبط، يبقى بالقانون البنكي السحب بتاعه مش سرقة جنائية بالمعنى الحرفي، هو تصرف في فلوس الحساب بحكم توقيعه. بس القانون مبيسيبش برضه، والفلوس اللي راحت لأمه بحسابات تانية دي مسألة تانية خالص، هنثبت تتبع الأموال. بس الكارثة الكبيرة مش الفلوس اللي اتسحبت يا مريم، الكارثة هي شقة مامتك. أمي مش هتبيع، أنا كلمتها وقولتلها متوافقش. نهى هزت راسها بنفي حاسم لا! غلط! لو قولتيلها متوافقش، أحمد هيحس إنك عرفتي حاجة، أو هيغير خطته ويلجأ لحيل تانية أنيل، وممكن يضغط على أمك بأساليب نصب متطورة أكتر أو يوهمها بحاجة تخليها تعمل له توكيل عام. أومال أعمل إيه يا نهى؟! قلبي هيقف! اللعبة تتلعب صح. نهى قربت مني وقالت بصوت هادي ومرتب مامتك توافق مبدئياً. مامتك تقوله يا أحمد يا ابني، أنا كبرت وتعبانة والبيت ده تقيل عليا، وأنا واثقة فيك، دورلي على المشتري والشقة التانية اللي هروحها. نخليه هو اللي يجري ويلهث ويجيب المشتري، ويحط كل مجهوده في الصفقة دي. طب وبعدين؟ ده خطر! مفيش خطر طالما الورق في إيدينا. مامتك متعملش أي توكيل بيع وشراء لأحمد إطلاقاً تحت أي مسمى، البيع ميتمش إلا بحضورها وبحضور محامي من طرفنا، وفلوس البيع متتحولش على حساب أحمد، والشرط الأكبر، إننا نوثق كل محادثة بيحاول فيها يقنعها بإنه ياخد فرق الفلوس. هل عند مامتك تليفون يسجل المكالمات؟ أمي تليفونها قديم، سامسونج صغير. ننزل نشتريلها النهاردة موبايل كويس وبخط جديد، وتفهميها إن كل قعدة مع أحمد في الصالون، الموبايل ده هيكون محطوط في جيب الروب بتاعها وبيسجل. محتاجين اعتراف صريح منه إنه هياخد الفلوس يشغلها أو هيحطها في حسابه عشان يجيب شقة تانية، محتاجين نثبت النية التدليسية.
خرجت من عند نهى وحاسّة إن عقلي بيفكر زي الشطرنج، الوجع بدأ يركن على جنب، ومكانه جه إصرار غريب إني مش بس هحمي أمي وابني، أنا هرجع حقي مليم مليم من الراجل ده ومن أمه اللي واقفة في السوق تتفاخر بخراب البيوت ونهب الأيام.
عديت على سنترال واشتريت موبايل بإمكانيات صوت عالية وبطارية تقعد يومين، ونزلت على الهرم عند أمي. دخلت الشقة القديمة، الشقة اللي عشت فيها طفولتي، ريحة البخور وريحة الخشب القديم وصور أبويا الله يرحمه على الحيطة. أمي كانت قاعدة على الكنبة بتسبح، أول ما شافتني قامت مخضوضة ودموعها في عينيها مريم! بنتي، في إيه؟ مكالمتك إمبارح طيرت النوم من عيني، هو أحمد بيعمل إيه؟ قعدت عند رجليها ومسكت إيديها اللي بتترعش، حكيت لماما كل حاجة بهدوء، من غير ما أهول عشان ضغطها ميعلاش، بس فهمتها حجم المصيبة. أمي حطت إيدها على صدرها وهي بتنهج يالهوي يا بنتي! أحمد اللي كنت بعتبره زي ابني؟! ده لسه أول إمبارح جايبلي قفص فاكهة وقاعد يدلكلي رجلي ويقولي يا أمي متشيليش هم الشقة دي أنا هجيبلك مكان واسع وفيه أسانسير يريح ركبك! للدرجة دي الناس بتتلون؟! وأكتر من كده يا ماما، بس اسمعيني كويس. هو هيجيلك النهاردة، وإنتي هتعملي اللي هقولك عليه بالحرف.
علمت أمي إزاي تدوس على زرار التسجيل في الموبايل الجديد، وحطيته في جيب الجلابية الداخلي، وظبطت الصوت عشان يلقط بوضوح. قولت لماما هتقوليله يا أحمد،

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *