شفت حماتي بالصدفة في السوق مع واحدة صاحبتها، وابتسمت وأنا ناوية أسلّم عليها. لكن قبل ما أقرب، سمعتها بتقول فاضل بس نقنع أمها تبيع الشقة. حسيت إن جسمي كله اتجمد. جوزي كان بالفعل ساحب أكتر من مليون ونص من الفلوس اللي وفرناها سوا على مدار سنين، ودلوقتي عايز ثروة تانية. بس أنا ماعملتش خناقة، ولا فضحتهم. اتصلت بمحامية، وبدأت أحفظ كل دليل ممكن يوصلني للحقيقة، وسيبت جوزي يكمل وهو فاكر إن محدش حاسس بحاجة. الجزء الأول مريم لسه مش عارفة إن أحمد بدأ يسحب الفلوس. ولما تعرف، الشقة هتكون خلاص اتحجزت. مجرد ما سمعت اسمي من ورا فرشة خضار في سوق قريب من بيتنا، اتسمّرت مكاني. الصوت كان صوت حماتي سعاد. كنت نازلة أجيب شوية خضار وفاكهة للغدا. ابني يوسف، عنده تمنتاشر سنة، كان راجع اليوم ده من الجامعة، وكان واعدني إنه هيعمل لنا أكل بنفسه، لأنه بقاله كام أسبوع بيتخانق معايا بسبب أكل الكافيتريا. كنت خلاص هروح أسلّم على حماتي لما سمعت الجملة التانية. الفلوس دي عمرها ما كانت المفروض تروح ليوسف أصلاً. أحمد فهم خلاص إنه مش ملزم يشتري بيت لابن راجل تاني. حسيت إيدي تلج. على مدار تمن سنين، أحمد كان بينادي يوسف ابني. كان بيروح معاه التمرينات والمسابقات، وعلمه السواقة، وكان واقف في أول صف يوم ما يوسف دخل الجامعة. وقبل تلات سنين، أحمد بنفسه هو اللي اقترح علينا نوفر فلوس عشان نساعد يوسف في يوم من الأيام في مقدم شقة. أنا كنت بحوش من مرتبي، وحطيت جزء من مكافآتي ومدخراتي. وهو كمان كان بيحط جزء من مرتبه. آخر مرة سألت أحمد عن الفلوس، قال لي إننا قربنا نوصل لحوالي مليونين وتلتميت ألف جنيه. لكن سعاد كملت كلامها ده غير إن بنت أحمد، دينا، تستاهل حاجة أحسن. الشقة اللي ورثتها دي ماتنفعش تعيش فيها. دينا كانت بنت أحمد من جوازه الأول، عندها عشرين سنة، ووارثة شقة صغيرة في عين شمس من جدها. الشقة مش فخمة، لكن كانت ملكها ومش عليها أقساط. وهي نفسها كانت دايمًا بتقول إن الشقة كويسة، ومحتاجة شوية تشطيب وتجديد وخلاص. أحمد عايز يجيب لها شقة محترمة في مصر الجديدة أو مدينة نصر، كملت سعاد. وهو بالفعل حول لي جزء من الفلوس عشان مريم ماتعرفش. حسيت إني لازم أمسك في حاجة عشان ما أقعش. فجأة كل الكلام اللي أحمد قالهولي خلال الشهور اللي فاتت بدأ يركب فوق بعضه العربية محتاجة تصليح. سلفت واحد صاحبي مبلغ وهيرجعه. عملت تحويل مؤقت. ماتقلقيش، الفلوس موجودة. بس اللي سمعته بعد كده كان أفظع. صاحبة سعاد سألتها طب ناقصكم كام؟ ردت سعاد بكل ثقة أحمد لقى مصدر تاني. مصدر إيه؟ أم مريم. كيس الخضار كاد يقع من إيدي. أمي أمينة عندها تسعة وستين سنة، وعايشة لوحدها في شقتها القديمة في منطقة الهرم. وأحمد بقاله أسابيع بيروح لها كتير. مرة يصلح لها الحنفية. ومرة يجيب لها سباك. ومرة ينزل لها يجيب طلبات البيت. وفي مرة حتى قعد يقنعها إن الشقة الكبيرة بقت متعبة عليها، وإنها ممكن تبيعها وتجيب شقة أصغر وأريح وفيها أسانسير. أنا وقتها كنت فاكرة إنه بيهتم بيها. كنت فاكرة إنه راجل جدع مع أمي. لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا. هيبيع لها الشقة، قالت سعاد. يجيب لها شقة صغيرة، ويتبقى لها حوالي مليون وتلاتمية ألف. والفلوس دي أحمد هياخدها ويحطها معايا، ونكمل تمن شقة دينا. صاحبتها سألت ومريم؟ ضحكت سعاد وقالت هتعمل شوية دوشة في الأول، وبعدها هتهدى. هو يعني هتطلق بعد تمن سنين جواز عشان شوية فلوس؟ الجملة دي بالذات هي اللي فاقتني. ما خرجتش أواجهها. ما عليتش صوتي. وما عملتش فضيحة في السوق. لفيت بهدوء ومشيت بعيد عنهم. أول ما خرجت من السوق، طلعت موبايلي واتصلت بأمي. ماما، أحمد هييجي لك بكرة ويتكلم معاكي تاني عن موضوع بيع الشقة. سكتت شوية وبعدين قالت أيوه يا بنتي، هو قالي إنه جاي بكرة فعلًا. قلت لها ماتقوليش لأ. اتخضت. يعني إيه؟ وافقي إنك تسمعيه. اسأليه الشقة هتتباع بكام، والشقة البديلة هتكون فين، والفلوس هتتحط باسم مين. اسأليه كل حاجة. وبعدين شددت عليها بس مهما حصل، ماتمضيش على أي ورقة. ولا توكيل. ولا عقد. ولا تحولي جنيه واحد لأي حد. سكتت أمي كام ثانية. وبصوت مليان خوف سألتني مريم... في إيه؟ بصيت ناحية باب السوق، ناحية المكان اللي كانت حماتي واقفة فيه من شوية. وقلت لها ماما، أنا خايفة إن جوزي بيحاول ياخد فلوسك. سكتت أمي تمامًا. وأنا قفلت المكالمة وأنا حاسة إن الدنيا كلها اتقلبت. في نفس الليلة، أحمد رجع البيت وكأن مفيش أي حاجة حصلت. قعد على السفرة، وضحك مع يوسف، وسأله عن الجامعة. وبعدين قال له لو اللاب توب بتاعك باظ أو محتاج واحد جديد، قولي وأنا أجيب لك واحد. يوسف ضحك وقال لا يا بابا، كفاية عليك. أحمد ربت على كتفه وقال العلم مفيهوش خسارة يا ابني. أنا كنت قاعدة قدامه وببص له. مش قادرة أصدق إن الراجل اللي قدامي هو نفسه الراجل اللي سمعت عنه النهارده. بعد شوية يوسف دخل أوضته. وأحمد حط موبايله على السفرة ودخل الحمام. وأنا كنت عارفة الرقم السري لموبايله. إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه. دخلت على الواتساب. ولقيت المحادثة بينه وبين أمه. أول رسالة وقعت عيني عليها كانت يا أمي، كده معانا 980 ألف. ماترجعيش ولا جنيه لحد ما موضوع دينا يخلص. نزلت لتحت. ولقيت رسالة بعدها مباشرة مريم فاكرة إن الفلوس كلها لسه موجودة. بكرة هسحب الباقي. نفسي اتقطع. لكن الرسالة الأخيرة كانت هي اللي خلتني أحس إن قلبي وقف. فاضل بس أمينة تبيع الشقة. بالفلوس دي هنقفل تمن شقة دينا قبل آخر الشهر. قفلت الموبايل بسرعة وحطيته مكانه. في اللحظة دي فهمت الحقيقة كاملة. جوزي ماكانش بيفكر يخون ثقتنا. جوزي كان خاننا بالفعل. وكان لسه فاضل له خطوة واحدة... إنه ياخد من أمي تقريبًا كل اللي حوشته طول عمرها. وأنا؟ كنت لسه قدامه في البيت، بضحك وبمثّل إني مش عارفة حاجة. لكن هو ماكانش يعرف إن من اللحظة دي...اللعبة اتغيرت. الجزء الثاني رجعت الموبايل مكانه على السفرة بالضبط، بالمللي، زي ما كان حاطه قبل ما يدخل الحمام. وقفت مكاني في الصالة وأنا سامعة صوت المية بتنزل من الدش جوة، وكل نقطة مية كانت بتنزل زي الدق على دماغي. إيدي كانت لسه بتترعش، بس الرعشة دي ماكانتش خوف ولا انكسار، كانت رعشة غضب بارد، الغضب اللي يخلي الواحد يصحى من غيبوبة دامت سنين. تمن سنين وأنا عايشة مع راجل كنت فاكراه سند، راجل دخل بيتي وشال ابني يوسف وهو عنده عشر سنين، كان بيذاكرله ويوصله النادي، ويقولي يوسف ابني اللي مخلفتوش يا مريم. تمن سنين وأنا بحط قرشي على قرشه، كل علاوة في شغلي، كل مكافأة، دهبي اللي بعته عشان نكبر رصيدنا المشترك، كل ده كان بيتبخر في ثواني وهو شايفني مجرد بنك متحرك، غطاء بيصرف بيه على خططه هو وأمه وبنته، ومن ورا ضهري كمان يمد إيده على شقة أمي الست العجوزة اللي ملهاش في الدنيا غيري! خرج أحمد من الحمام وهو بينشف شعره بالفوطة، وشه مبتسم، عينيه هادية ورايقة كأن مفيش في بطنه شياطين بتنهش في لحمنا. بصلي وابتسم نفس الابتسامة اللي كنت بشوفها دافية وحنينة مالك يا مريومة واقفة كده ليه؟ هو الأكل جاهز ولا نطلب دليفري نريحك النهاردة؟ ابتسمت. الابتسامة دي كانت أصعب حاجة عملتها في حياتي، بس حسيت بعضلات وشي بتتشد وتتحرك ببراعة مكنتش أعرف إني أملكها. لا يا حبيبي، جهزت صينية المكرونة بالبشاميل اللي بتحبها، ويوسف زمانه طالع من أوضته، ثواني وأحط الأكل. رد وهو بياخد الموبايل من على السفرة ويحطه في جيبه من غير حتى ما يفتحه تسلم إيدك يا غالية، ربنا ما يحرمنا منك. دخلت المطبخ ووقفت قدام البوتاجاز، دموعي مكنتش بتنزل خلاص، عيني كانت ناشفة زي الحجر. غرفت الأكل وحطيته، وقعدنا كلنا. يوسف طلع، وبدأ أحمد يهزر معاه كالعادة ها يا بطل، السنة دي تالتة جامعة وعايزين تقدير يرفع الراس، متقلقش من أي مصاريف ولا هم، ابوك في ضهرك. يوسف ابتسم وبص لأحمد بحب حقيقي، حب عيل ميعرفش إن الراجل اللي بيسميه بابا لسه كاتب لأمه لمحة نيوز في الرسايل الفلوس دي عمرها ما كانت تروح لابن راجل تاني. اللقمة وقفت في زوري. شربت مية بسرعة عشان متخنقش، وأنا بقول لنفسي اصبري يا مريم، اصبري ومتبوظيش كل حاجة بكلمة عصبية، اللي اتخطط له في شهور وسنين ميتنسفش في دقيقة غباء. بالليل، لما البيت كله نام، ويوسف كان غارق في نومه في أوضته، وأحمد نايم جنبي على السرير ونَفَسه طالع منتظم ومرتاح كأنه ملاك بريء، قمت براحة خالص، تسحبت من على السرير ودخلت البلكونة. الجو كان ساقع ورياح الخريف بتخبط في الشيش، طلعت تليفوني وفتحت الواتساب، وبعت رسالة لصاحبة عمري نهى، وهي محامية شاطرة جداً في قضايا الأسرة والمعاملات المالية نهى، محتاجة أقابلك بكرة ضروري في أول ساعتين من الشغل، في مصيبة ومفيش حد غيرك هيفهمني. الرد مجاش في ساعتها طبعاً لأن الوقت كان متأخر، بس الصبح بدري، مع أول خيوط النور، كانت نهى رادة أنا في مكتبي من ٩ الصبح يا مريم، تعالي مستنياكي. قومت جهزت الفطار لأحمد ويوسف كأني الروبوت اللي متبرمج ينفذ مهامه. أحمد نزل على شغله وهو بيبوس خدي ويقولي أنا هعدي بعد الضهر على مامتك يا مريم، الست أمينة طيبة ومحتاجة حد يسندها، هشوف السباك عمل إيه في ماسورة المطبخ، ويمكن أقعد أدردش معاها شوية. بصيت في عينيه وقلتله بكل براءة تسلملي يا أحمد، والله أمي ديما بتدعي لك وبتقول ده ابنها اللي مخلفتوش، خلي بالك منها بس عشان هي اليومين دول صحتها مش أحسن حاجة. في عيني يا حبيبتي، متقلقيش. نزل وقفل الباب وراه، ويوسف كان عنده محاضرة الصبح ونزل بعده بنص ساعة. في الدقيقة اللي اتقفل فيها الباب، كنت أنا لابسة هدومي، وأخدت كل الأوراق اللي قدرت ألمها من غير ما يلاحظ كشوفات الحساب القديمة بتاعة البنك اللي كانت بتيجي على البيت، أوراق ملكية شقة أمي وصورة بطاقتها اللي كانت معايا عشان المعاش، ورقة العقد بتاعة الحساب المشترك القديم اللي كنا فاتحينه سوا، وركبت تاكسي وطرت على مكتب نهى في الدقي. نهى استقبلتني وهي قلقانة، أول ما قفلت باب المكتب انفجرت من غير ما أحس. حكيتلها كل حرف، من أول كلام حماتي في السوق، لحد رسايل الموبايل، لحد خطتهم عشان شقة أمي في الهرم. نهى كانت بتسمع وهي بتسجل ملاحظات بقلمها، وشها كل شوية كان بيزداد جدية وصدمة. شوفي يا مريم، قالتها نهى وهي بتقفل كشكولها وبتسند ضهرها لورا. إنتي لو اتعصبتي ورحتي مسكتي فيه في البيت وقولتيله سحبت الفلوس ليه، هيكدب، هيقولك دي ديون، هيقولك دي مصاريف بزنس، هيطلعك إنتي المريضة الشكاكة اللي بتفتش وراه، والحساب المشترك؟ الحساب ده بإسمكم انتو الاتنين، بس ليه حق التوقيع المنفرد ولا المشترك؟ منفرد... احنا كنا عاملينه كده عشان لو حد مسافر أو محتاج يسحب في أي وقت من غير ما يعطل التاني. بالظبط، يبقى بالقانون البنكي السحب بتاعه مش سرقة جنائية بالمعنى الحرفي، هو تصرف في فلوس الحساب بحكم توقيعه. بس القانون مبيسيبش برضه، والفلوس اللي راحت لأمه بحسابات تانية دي مسألة تانية خالص، هنثبت تتبع الأموال. بس الكارثة الكبيرة مش الفلوس اللي اتسحبت يا مريم، الكارثة هي شقة مامتك. أمي مش هتبيع، أنا كلمتها وقولتلها متوافقش. نهى هزت راسها بنفي حاسم لا! غلط! لو قولتيلها متوافقش، أحمد هيحس إنك عرفتي حاجة، أو هيغير خطته ويلجأ لحيل تانية أنيل، وممكن يضغط على أمك بأساليب نصب متطورة أكتر أو يوهمها بحاجة تخليها تعمل له توكيل عام. أومال أعمل إيه يا نهى؟! قلبي هيقف! اللعبة تتلعب صح. نهى قربت مني وقالت بصوت هادي ومرتب مامتك توافق مبدئياً. مامتك تقوله يا أحمد يا ابني، أنا كبرت وتعبانة والبيت ده تقيل عليا، وأنا واثقة فيك، دورلي على المشتري والشقة التانية اللي هروحها. نخليه هو اللي يجري ويلهث ويجيب المشتري، ويحط كل مجهوده في الصفقة دي. طب وبعدين؟ ده خطر! مفيش خطر طالما الورق في إيدينا. مامتك متعملش أي توكيل بيع وشراء لأحمد إطلاقاً تحت أي مسمى، البيع ميتمش إلا بحضورها وبحضور محامي من طرفنا، وفلوس البيع متتحولش على حساب أحمد، والشرط الأكبر، إننا نوثق كل محادثة بيحاول فيها يقنعها بإنه ياخد فرق الفلوس. هل عند مامتك تليفون يسجل المكالمات؟ أمي تليفونها قديم، سامسونج صغير. ننزل نشتريلها النهاردة موبايل كويس وبخط جديد، وتفهميها إن كل قعدة مع أحمد في الصالون، الموبايل ده هيكون محطوط في جيب الروب بتاعها وبيسجل. محتاجين اعتراف صريح منه إنه هياخد الفلوس يشغلها أو هيحطها في حسابه عشان يجيب شقة تانية، محتاجين نثبت النية التدليسية. خرجت من عند نهى وحاسّة إن عقلي بيفكر زي الشطرنج، الوجع بدأ يركن على جنب، ومكانه جه إصرار غريب إني مش بس هحمي أمي وابني، أنا هرجع حقي مليم مليم من الراجل ده ومن أمه اللي واقفة في السوق تتفاخر بخراب البيوت ونهب الأيام. عديت على سنترال واشتريت موبايل بإمكانيات صوت عالية وبطارية تقعد يومين، ونزلت على الهرم عند أمي. دخلت الشقة القديمة، الشقة اللي عشت فيها طفولتي، ريحة البخور وريحة الخشب القديم وصور أبويا الله يرحمه على الحيطة. أمي كانت قاعدة على الكنبة بتسبح، أول ما شافتني قامت مخضوضة ودموعها في عينيها مريم! بنتي، في إيه؟ مكالمتك إمبارح طيرت النوم من عيني، هو أحمد بيعمل إيه؟ قعدت عند رجليها ومسكت إيديها اللي بتترعش، حكيت لماما كل حاجة بهدوء، من غير ما أهول عشان ضغطها ميعلاش، بس فهمتها حجم المصيبة. أمي حطت إيدها على صدرها وهي بتنهج يالهوي يا بنتي! أحمد اللي كنت بعتبره زي ابني؟! ده لسه أول إمبارح جايبلي قفص فاكهة وقاعد يدلكلي رجلي ويقولي يا أمي متشيليش هم الشقة دي أنا هجيبلك مكان واسع وفيه أسانسير يريح ركبك! للدرجة دي الناس بتتلون؟! وأكتر من كده يا ماما، بس اسمعيني كويس. هو هيجيلك النهاردة، وإنتي هتعملي اللي هقولك عليه بالحرف. علمت أمي إزاي تدوس على زرار التسجيل في الموبايل الجديد، وحطيته في جيب الجلابية الداخلي، وظبطت الصوت عشان يلقط بوضوح. قولت لماما هتقوليله يا أحمد، الشقة دي تسوى مش أقل من تلاتة مليون، لو جبتلي شقة بمليون ونص في حتة هادية، الباقي هنعمل بيه إيه؟ اسمعي رده كويس يا ماما، وسيبيه هو اللي يقترح عليكي فكرة إنه ياخد الفلوس يشتري بيها شهادات أو يحطها في حسابه عشان يزودها، خليه يتكلم براحته. سيبت أمي ورجعت على بيتي قبل ميعاد رجوع أحمد ويوسف، كنت عايزة أحمد يروح لأمي وأنا مش هناك عشان ياخد راحته في الكلام وميشكش في حاجة. الساعة كانت حوالي خمسة المغرب لما رن جرس الباب، كان يوسف راجع من الجامعة، دخل ورمى شنطته ماما، ريحة البيت قهوة وبس، مفيش غدا ولا إيه؟ بصيت لابني، لطوله ولوسامته، للولد اللي شقيت عليه تمنتاشر سنة من بعد وفاة أبوه، الولد اللي أحمد كان بيستكتر عليه قرش متوفر لمستقبله ويقول ابن راجل تاني. قربت منه وباسته في راسه بحنية معرفش يوسف سببها حالا يا حبيبي هسخنلك الأكل، كان عندي شوية مشاوير بس. مالك يا أمي؟ وشك مرهق أوي. مفيش يا حبيبي، صداع خفيف بس. على الساعة سبعة بالليل، رن تليفوني. كان أحمد. رديت بصوت عادي جداً ألو، إيه يا أحمد اتأخرت ليه؟ معلش يا حبيبتي، أنا عند مامتك أهو لسه، قعدت معاها شوية وكان عندها شوية طلبات نزلت جبتها لها، والست طيبة أوي وقعدت تحكي معايا. طيب ربنا يخليك ليها، هتيجي تتعشى؟ مسافة السكة وجاي. بعد ما قفل، جتني رنة تانية من رقم أمي. رديت بسرعة وبلهفة ماما؟ مشي؟ مشي يا مريم... وسجلت كل كلمة! قلبي دق بعنف قالك إيه يا ماما؟ زي ما توقعتي بالظبط. قالي يا حماتي، الشقة القديمة دي متجبش تلاتة مليون كاش دلوقتي، السوق نايم، بس هو لقى زبون مستعد يدفع اتنين مليون وسبعمية، وهيجيبلي شقة تانية في حدائق الأهرام بمليون وربعمية ألف، والمليون وتلتمية الباقيين قالي بالحرف يا أمي إنتي كبيرة وملكاش في البنوك والضرايب ووجع الدماغ، المبلغ ده هحطه في وديعة بإسمي عشان أطلعلك فوايدها كل شهر تعيشي منها ملكة ومتحتاجيش مليم من حد، ومريم بنتك متقوليلهاش عشان متقعدش تقلق وتفتح أبواب مصاريف، إحنا نعملها لها مفاجأة! دمي غلي في عروقي. كان بيخطط ياخد المليون وتلتمية ألف يكمل بيهم شقة بنته دينا، ويسيب أمي تاخد فتافيت أو يمكن بعد شوية يقطع عنها كل حاجة بحجة إن البنك فيه مشاكل، ويحط أمي في شقة بعيدة عني ويتحكم فيها وفي فلوسها! التسجيل واضح يا ماما؟ واضح جداً يا بنتي، صوته زي القرش في التسجيل. تمام يا أمي، امسكي التسجيل ومتمسحيش حاجة، وبكرة الصبح هعدي آخده منك. أحمد رجع البيت وشكله مبسوط جداً ومنتعش، دخل وهو بيصفر، وطلب شاي وقعد في الصالة يفرك إيديه في بعض كأنه مقبل على صفقة العمر. بصلي وقال مريم، تفتكري لو دينا بنتي اتجوزت قريب، المفروض نساعدها بإيه؟ بصيتله وأنا بقدم له كباية الشاي نساعدها باللي نقدر عليه يا أحمد، بس إنت عارف إن مدخراتنا كلها شايلاها لمستقبل العيال، وإحنا يدوب معانا الفلوس اللي شايلاها في الحساب عشان يوسف لما يتخرج ونجهز له حاجة. وشه اتغير شوية بس حاول يداري ما هو يوسف لسه قدامه سنتين جامعة يا مريم، وبعدين يوسف راجل يعتمد على نفسه، إنما دينا بنت وضعيفة ومحتاجة ضهر. ويوسف مش ابنك برضه يا أحمد ولا إيه؟ مش ده اللي بتقوله دايماً؟ سكت ثواني وبص في الكباية طبعاً يا مريم... طبعاً ابني، بس إنتي عارفة الظروف. عموماً الفلوس في البنك بأمان، وربنا يسهل لما ييجي وقتها. تاني يوم الصبح، نهى طلبت مني نروح البنك. رحنا البنك الأهلي اللي فيه الحساب المشترك. طلبت كشف حساب مفصل لآخر تلات شهور مختوم بختم البنك. الموظف طبع الكشف، وبصيت للأرقام... الرعب الحقيقي ظهر على الورق. الحساب اللي كان فيه اتنين مليون وتلتمية ألف جنيه، متبقيش فيه غير تمانين ألف جنيه بس! أحمد سحب في الأول ٥٠٠ ألف، وبعدها بأسبوع سحب ٤٨٠ ألف نقدي، وحول لماما سعاد ٨٠٠ ألف جنيه على دفعتين، وحول لحسابه الشخصي المنفصل باقي المبالغ على فترات متباعدة. كل ده في خلال شهرين، في الوقت اللي كان بيجيلي فيه البيت يقولي الأسعار غليت يا مريم، لازم نقتصد شوية في مصاريف البيت! نهى بصت لكشف الحساب، وابتسمت ابتسامة باردة حلو أوي، التحويلات لحساب والدته دي إثبات دهب. التحويلات البنكية دي بتثبت حركة الأموال وخروجها من الوعاء المشترك للغير بدون وجه حق تجاري أو التزام مدني، وده بيقوي موقفنا جداً في دعوى استرداد أموال وتبديد، بس مش هنتحرك بيها دلوقتي، لسه مشهد النهاية متقفلش. والمشهد إيه يا نهى؟ أحمد هيكلم مامتك يحدد ميعاد مع المشتري لكتابة العقد المبدئي ودفع العربون، إحنا هنسيبه لحد ما يوصل للمرحلة دي بالظبط. وفعلاً، بعد تلات أيام، أحمد جالي البيت وهو مش سايعاه الفرحة مريم! مامتك باركت خلاص، لقيتلها بيعة لقطة للشقة، اتنين مليون وستمية وخمسين ألف كاش، والمشتري هيدفع عربون ٢٠٠ ألف بكرة في شقة مامتك، والمتبقي عند كتابة العقد النهائي بعد أسبوع في الشهر العقاري! عملت نفسي مخضوضة بجد يا أحمد؟! وماما وافقت؟! وافقت يا ستي، مش بقولك مامتك بتثق فيا؟ أنا رتبت كل حاجة، وهنروح بكرة الساعة ٦ المغرب نكتب العقد الابتدائي مع المشتري، وقايل لمامتك إنك هتكوني معانا عشان تطمني. طبعاً هاجي، دي شقة أبويا وشقة أمي، لازم أكون موجودة. في الليلة دي، مريم القديمة كانت بتموت، والست اللي مش بتسمح لحد يدوس على كرامتها وحق ولادها كانت بتولد من جديد. نسقت مع نهى كل خطوة، واتفقت مع اتنين محامين من زمايلها يكونوا موجودين تحت البيت في الوقت المحدد. تاني يوم، الساعة جت ستة إلا ربع. كنت أنا وأحمد في تاكسي رايحين على الهرم. أحمد كان لابس أحسن بدلة عنده، وشايل شنطة أوراق جلد شيك، عمال يتصل بأمه في الموبايل ويبعتلها رسايل، وأنا جنبه شفت طرف رسالة منها أول ما العربون يتدفع، خود مريم واخرجوا واقفل مع الراجل لوحدك عشان متشوفش الفلوس. وصلنا عمارة ماما. طلعنا في الأسانسير القديم، فتحت ماما الباب، وكانت لابسة إسدالها وقاعدة هادية بشكل غريب. بعد خمس دقايق، رن الجرس، ودخل المشتري، راجل محترم ومعاه سمسار. قعدوا في الصالون، وأحمد كان متصدر المشهد، بيتكلم كأنه صاحب البيت، كأنه الآمر الناهي أهلاً يا حاج، نورت، إحنا اتفقنا على اتنين مليون وستمية وخمسين، العربون ٢٠٠ ألف، والباقي شيك مقبول الدفع عند التسجيل والتسليم. المشتري طلع ظرف كبير فيه الفلوس وحطه على الترابيزة تمام يا أستاذ أحمد، وده عقد الاتفاق المبدئي، بس مين اللي هيمضي؟ الحاجة أمينة صاحبة الملك طبعاً. أحمد أخد القلم وابتسم، وبص لأمي اتفضلي يا أمي امضي هنا، وأنا هستلم العربون أشيله في الحفظ والصون عندي في الخزنة لحد ما نخلص باقي الإجراءات. أمي مدت إيدها ومسكت القلم، وفجأة سابت القلم على الترابيزة وبصت لأحمد طب وبالنسبة للمليون وتلتمية ألف يا أحمد يا ابني؟ هتحطهم في الوديعة اللي قولتلي عليها بإسمك برضه؟ وش أحمد جاب ألوان، بص لأمي بسرعة وبصلي وهو مرتبك جداً إيه يا أمي الكلام ده دلوقتي؟ نبقى نتكلم في الحاجات العائلية دي بعدين، المشتري مستعجل. وقفت أنا من مكاني. الصوت كان هادي جداً، والهدوء ده كان يرعب أكتر من الصريخ. لا يا أحمد، نتكلم دلوقتي. المليون وتلتمية دول اللي هتاخدهم من شقة أمي، هتحطهم مع المليون ونص اللي سحبتهم من حسابنا عشان تشتري شقة مدينة نصر لدينا بنتك؟ الصالة اتقلب فيها الهوا لتلج. المشتري والسمسار بصوا لبعض، وأحمد قام وقف، وشه بقى أحمر زي الدم، وعينيه بقت تدور في الأركان مريم! إنتي اتجننتي؟! إيه التخاريف دي؟! إنتي بتقولي إيه قدام الناس الغريبة؟! طلعت من شنطتي فايل بلاستيك ورزعته على الترابيزة قدام المشتري وقدامه التخاريف دي هي كشوفات حساب البنك الأهلي، اللي بتثبت إنك سحبت مليون وسبعمية ألف جنيه من شقايا وتعب سنيني وحولتهم لحساب أمك سعاد وحسابك الشخصي. والتخاريف دي كمان هي التسجيل الصوتي اللي سجلتهولك أمي وإنت بتقنعها تبيع بيتها وتديك باقي الفلوس بحجة الوديعة عشان تسرقها هي كمان! أحمد اتسمر، بص لأمي اللي كانت بتبصله بقرف، وبص للفايل، صوته بدأ يتهز إنتي... إنتي بتجسسي عليا؟ أنتي بتعملي فيا أنا كده؟! أنا اللي بعمل فيك؟! إنت اللي جيت على ابني، وقولت لأمك ده ابن راجل تاني ومش ملزم بيه، إنت اللي جيت على الست الكبيرة دي وكنت عايز ترميها في الشارع وتاكل حقها، وجاي تقولي بتجسس عليك؟! المشتري مسك فلوسه وسحب الظرف بسرعة من على الترابيزة وقال وهو بيتراجع للباب يا جماعة ربنا يصلح حالكم، إحنا ناس ملناش في المشاكل دي، البيعة دي ملغية وربنا يعوض عليكم. خرج المشتري والسمسار وقفلوا الباب وراهم، وفضلنا إحنا التلاتة في الصالون. أحمد انهار، وبدأ يتنرفز ويقرب مني ورقة البنك دي هتبليها وتشربي ميتها! ده حسابي ومن حقي أسحب منه! وأنا مغلطتش، بنتي أولى من الغريب، وإنتي ملكيش مليم عندي، ولو فتحتي بؤك هطلقك وأسيبك على الحديدة إنتي وابنك! في اللحظة دي، باب الشقة اتفتح بمفتاح احتياطي، ودخلت نهى ومعاها المحضر ومحامي تاني، نهى كانت شايلة أوراق رسمية وبصت لأحمد بنظرة كلها ثقة وقالت تطلق مين يا أستاذ أحمد؟ دي مدام مريم هي اللي رفعت ضدك النهاردة الصبح قضية تبديد أموال مشتركة، وإنذار على يد محضر للحجز التحفظي على حساباتك وحسابات والدتك الست سعاد، ده غير بلاغ رسمي للأموال العامة مدعم بالتسجيلات الصوتية وكشوفات حركة الأموال. أحمد رجع خطوة لورا، وبص للتسجيلات اللي طلعتها نهى، حس إن الأرض بتتهز تحته، كل شبكة الأكاذيب اللي بناها وقعت فوق دماغه في لحظة واحدة. قربت منه، وبصيت في عينيه من مسافة سنتيمترات، قولتله بصوت واطي ومسموع الفلوس اللي راحت لأمك هترجع بالقرش، وبنتك شقتها اللي في عين شمس هتقعد فيها ومش هتشوف غيرها، أما إنت... فمن اللحظة دي ملكش مكان في بيتي، ولا ليك ابن اسمه يوسف، واعتبر تمن سنين اللي عشتهم معايا كأنهم ماتوا وادفنوا النهاردة. أحمد فضل باصصلي وهو مذهول، مش مستوعب إن الست الطيبة الهادية اللي كان بيستغفلها، هي اللي حفرتله الحفرة ورمته فيها بالقانون وبالأدب ومن غير ما تعلي صوتها في الشارع. سيبته واقف في مكانه مصدوم، ومسكت إيد أمي وبوستها، وأنا عارفة إن المعركة لسه مخلصتش، بس الضربة الأولى كانت في مقتل، واللعبة اللي بدأوها بخبث... انتهت فصولها الأولى بشروق الحقيقة. الجزء الثالث والأخير فضل أحمد واقف في وسط صالون بيت أمي، وشه مخطوف كأن الدم هرب من عروقه كلها مرة واحدة. الورق اللي رمته نهى على الترابيزة كان ليه صوت أعلى من صوت أي خناقة. الأختام الزرقا بتاعة المحكمة، وإشعار الحجز التحفظي، واسم أمه سعاد اللي مكتوب في عريضة الدعوى... كل ده خلى جبروته اللي كان داخل بيه يتبخر في ثواني. مريم... إنتي بتهزري صح؟ ده لعب عيال، انتي فاكرة الورقتين دول هيخوفوني؟ أنا جوزك! قالها وهو بيحاول يستجمع شوية من ثقته الميتة، بس صوته كان بيتهز وريقه ناشف. ردت عليه نهى بابتسامة محامي باردة، وهي بتعدل نضارتها ده مش لعب عيال يا أستاذ أحمد، دي دعوى خيانة أمانة وتبديد أموال مشتركة، مرفقة بشهادات تحويلات بنكية موثقة من الحساب المشترك لحساب الوالدة، ومعاها جنحة تدليس ونصب بموجب التسجيلات اللي بتثبت نيتك للاستيلاء على أموال والدة موكلتي بغير وجه حق. الحجز التحفظي صدر أمره النهاردة، وبكرة الصبح كل بنك في مصر عنده حساب لسعاد هانم أو لحضرتك هيكون مجمد لحد ما المحكمة تفصل. أحمد بصلي، وعينيه كانت بتدور في الصالة زي الفار المحبوس مريم! اتكلمي! إنتي هتفضحينا عشان شوية فلوس؟ أنا عملت إيه يعني؟! كنت بأمن مستقبل بنتي! دينا دي مش يتيمة زي يوسف؟ مش كنت بعامل يوسف زي ابني؟! أول ما نطق اسم يوسف، حسيت بنار ولعت في صدري، قربت منه ووقفت قدامه، نظرة الضعف اللي كان متعود يشوفها في عيني لما كان يطلب فلوس أو يضغط عليا اتمسحت تماماً متجيبش سيرة يوسف على لسانك تاني أبداً! يوسف ابني مش يتيم وأنا عايشة، يوسف كان بيحبك بجد وبيعتبرك مثل أعلى، بس إنت طلعت أندل من إنك تكون أب لأي حد. بتستكتر عليه شقاي وتعب سنيني وبتقول لأمك ابن راجل تاني؟ الفلوس اللي في البنك دي عرق جبيني، مكافآت شغلي، ودهب أمي اللي بعته زمان، جايب الجراءة منين تاخدهم وتديهم لأمك عشان تجيب شقة في مصر الجديدة لبنتك؟! وكمان جاي تطمع في شقة الست دي؟! أمي وقفت على رجليها، ورغم تعبها ووجع مفاصلها، وقفت بضهر مفرود وبصتله بعينين مليانة حسرة اطلع برة يا أحمد. اطلع برة بيتي. كنت فاكراك ابني البار، كنت بدعيلك في كل صلاة، وأقول ربنا عوض بنتي بعد سنين المرار، تطلع جاي تضحك عليا وتاخد سقفي اللي ساترني عشان تروح تراضي بيه أمك؟ ربنا ينتقم منك ومنها. أحمد حاول يمسك إيدي مريم، اسمعيني بس، نقعد في بيتنا ونتفاهم، الكلام ده ميرضيش ربنا، البيوت مبتتخربش كده... نفضت إيده بقوة لدرجة إنه رجع لورا بيتنا؟ بيتي أنا ويوسف بس. حاجتك كلها ملمومة في الشنط على باب الشقة هناك، ومفتاح الباب اتغير من الضهر، مترجعش تعتب العتبة دي تاني. ومسمعش صوتك غير عن طريق الأستاذة نهى. أحمد مسك شنطته الجلد من على الترابيزة بغيظ هستيري، وشه اسودّ وبصلي بنظرة كلها حقد ورب الكعبة ما هسيبك! هندمك يا مريم، وهتشوفي مين اللي هيضحك في الآخر، الفلوس دي بتاعتي، ومش هطولي منها مليم! خرج ورزع باب الشقة وراه برزعة هزت الحيطان القديمة. في اللحظة دي، أول ما الباب اتقفل، حسيت برجلي مش شيلاني، قعدت على الكنبة وأنا بتنفس بصعوبة. أمي جت جنبي وحضنتني وبدأت تبكي حقك عليا يا بنتي، أنا السبب، أنا اللي وثقت فيه وخليته يطمع. لا يا ماما، إنتي مش سبب حاجة، ده واحد ملوش أمان، والحمد لله إن ربنا كشفه قبل ما الكارثة تكبر ونلاقي نفسنا في الشارع. نهى قعدت قصادي وحطت إيدها على كتفي مريم، الضربة وجعته، وأول رد فعل منه ومن أمه هيكون هجوم غبي، اسمعي مني وركزي في اللي جاي كويس أوي. سعاد مش هتسكت، وأحمد حس إن كل اللي بناه بيتهد، فإحنا لازم نكون جاهزين لكل كارت هيلعبوا بيه. ما كدبتش نهى خبر. الساعة مكنتش كملت تسعة بالليل، وتليفوني مبطلش رن. في الأول كانت اتصالات من أحمد، بعدها اتصالات من أرقام غريبة، ولما عملت بلوك، ظهر الرقم اللي كنت مستنياه حماتي سعاد. فتحت الاسبيكر وخليت نهى تسمع معايا. صوت سعاد كان طالع زي الفحيح، مفيش فيه حتى نبرة السوقية الهادية اللي شفتها بيها في السوق ألو! يا مريم يا خطافة الرجالة، يا ناكرة الجميل! إنتي فاكرة نفسك مين عشان تحجزي على فلوس ابني وفلوسي؟ إنتي بتتبلي علينا يا حرباية؟ ده أنتي جيتي لابني بشنطة هدومك وابنك في إيدك، وهو اللي علاكي وخلاكي بني آدمة! رديت عليها بصوت بارد جداً، هدوء كان بيحرق دمها أكتر من الصريخ أهلاً يا طنط سعاد. فاكرة كلامك في السوق ولا أفكرك بيه؟ فاضل بس أمها تبيع الشقة والفلوس دي عمرها ما كانت تروح ليوسف؟ فاكرة؟ الخط سكت ثانيتين، الصدمة خلت سعاد تتلجم، عرفت في اللحظة دي إني سمعت كل حرف بودني إنتي... إنتي كنتي واقفة؟! أيوة كنت واقفة، وسمعت خطتك إنتي وابنك المصون. وعشان كده بقولك من دلوقتي الفلوس اللي أحمد حولهالك هترجع، والمليون وسبعمية ألف هيتحطوا في حسابي غصب عنكم بالقانون، وبنتك دينا تقعد في شقة عين شمس وتبوس إيدها وش وضهر إنها لاقية حيطة تسترها. وأعلى ما في خيلكم اركبوه. قفلت السكة في وشها قبل ما تنطق بكلمة زيادة، وعملتلها بلوك. تاني يوم الصبح، كانت المواجهة الأصعب، مواجهة يوسف. كنت قاعدة معاه في الصالة بعد ما رجعنا بيتنا، والشنط بتاعة أحمد كانت مركونة برة فعلاً ونهى بعتت مين ياخدهم يسلمهم لأحمد بمحضر تسليم رسمي. يوسف قعد قدامي، عينيه كانت تايهة، مصدوم من غياب أحمد ومن تغيير الكوالين. ماما... في إيه؟ هو طنط نهى بتعمل إيه هنا؟ وبابا أحمد فين؟ أخدت نفس طويل، ومسكت إيد ابني. كان لازم أكون صريحة معاه، يوسف مابقاش عيل صغير ولازم يفهم مين معاه ومين بيستغله يوسف، أحمد مكنش بابا. أحمد كان واخدنا واجهة عشان يصرف من فلوسنا على أهله. وحكيت ليوسف الحكاية كلها، من غير تجريح رخيص، بس بالحقايق والورق والرسايل. يوسف في الأول وشه احمر، عينيه دمعت بالقهر، مش قهر على الفلوس، قهر على التمن سنين اللي عاشهم فاكر إن ليه أب بيحبه بجد. الولد مسك دماغه بإيديه وفضل ساكت دقايق، وبعدين بصلي وقال بصوت مخنوق كان بيضحك عليا يا أمي؟ كل ما كان يجي معايا الجامعة ويقولي رفعت راسي، كان بيقول لأمه ابن راجل تاني؟! متزعلش يا يوسف. إنت ابن راجل محترم مات وسابلك سيرة نضيفة، وأنا في ضهرك وعمري ما هسمح لحد ياكل حقك، إحنا مش محتاجين حد، إحنا سند بعض. يوسف مسح دموعه وقام باس راسي حقك هيرجع يا ماما، وأنا معاكي في أي حاجة تقوليها. الأيام اللي بعدها كانت عبارة عن حرب أعصاب قانونية قادتها نهى بكل ذكاء. أحمد راح النيابة عشان يقدم تظلم على الحجز التحفظي، لقى قدامه كشوف الحسابات المعتمدة، ولقى إقرار الحساب المشترك اللي كان بينص على إن الإيداعات الشهرية كانت بتتحول من مرتبي أنا بنسبة ٧٠٪، ده غير عقد بيع دهب قديم مثبت بتاريخه ومحطوط في نفس الحساب في يومه. الموقف الجنائي بدأ يضيق عليه، والنيابة رفضت التظلم وأيدت قرار الحجز على حسابات أمه سعاد كمان، لأن الأموال خرجت ك تحويل بدون مبرر قانوني لشخص تالت. بعد أسبوعين، الباب خبط خبط هادي جداً. فتحت الباب وكنت متوقعة أحمد أو أمه جايين يعملوا دوشة، بس اتفاجئت بدينا، بنته. كانت واقفة وعينيها وارمة من العياط، وشكلها مكسور تماماً. طنط مريم... ممكن أدخل دقيقتين بس؟ بصتلها شوية، ورغم كل اللي حصل، دينا مكنتش طرف في التخطيط، كانت البنت اللي عايزين يفرشولها على جثثنا، شاورتلها تدخل. دينا قعدت على طرف الكرسي، وكانت بتبص في الأرض طنط، أنا أقسم بالله ما كنت أعرف حاجة عن الحوارات دي كلها. بابا وجدتي كانوا دايماً يقولولي إحنا بنعملك مفاجأة وبنجهزلك شقة حلوة تليق بيكي عشان عريسك، مكنتش أعرف إنه بياخد فلوسك وفلوس يوسف، ولا كنت أعرف موضوع شقة طنط أمينة ده خالص! مصدقاكي يا دينا، وعشان كده أنا مدخلتكيش في أي بلاغ، رغم إن الشقة اللي كانوا بيحجزوهالك كانت هتدخل في القضية. دينا عيطت بحرقة بابا مهدد بالحبس، وجدتي ضغطها عالي في المستشفى من ساعة ما الحسابات اتجمدت والناس في العيلة عرفت بالفضيحة. بابا قالي تعالي اتحايلي على طنط مريم تتنازل... بس أنا جاية أقولك حقك عليا أنا. أنا ميرضينيش أبدأ حياتي بفلوس حرام أو دموع ست شقيانة، أنا راضية بشقة جدي في عين شمس ومش عايزة غيرها. كلام البنت حسسني براحة غريبة، إن الحق لما بيظهر بيجبر حتى اللي حوالين الظالم يعترفوا بظلمه. دينا، قولي لباباكي حاجة واحدة بس الفلوس هترجع كاملة، يا إما هيمشي في سكة المحاكم اللي نهايتها حبس وفضيحة أكبر، والقضية مش هتتقفل غير لما المليون وسبعمية ألف يرجعوا في حسابي هنا. تاني يوم بالليل، جه أحمد مع اتنين من كبار عيلته لمكتب نهى. كان قاعد زي المكسور، عينه مش قادرة تيجي في عيني. الكبار اتكلموا وحاولوا يفاصلوا في المبلغ أو يطلبوا تقسيطه يا بنتي ده كان جوزك وستر وغطا، وإحنا هنرجعلكم مليون جنيه وتسامحوا في الباقي عشان خاطر العِشرة. نهى ردت بحزم وهي بتحط شروطنا مفيش عشرة مع الخيانة يا جماعة. المبلغ مليون وسبعمية وعشرين ألف جنيه بالضبط، شيك مصرفي مقبول الدفع يخش حساب مدام مريم بكرة الصبح، مع توقيع إقرار بالتنازل عن أي مستحقات وورقة الطلاق الرسمي على يد مأذون في نفس الجلسة، غير كده... الجلسة الجاية في محكمة الجنايات الأسبوع الجاي. أحمد كان بيبلع ريقه بصعوبة، بص لكبار عيلته اللي هزوا راسهم بيأس، عارفين إن القضية خسرانة وإن الفضيحة طالت العيلة كلها. طلع أحمد دفتر الشيكات بإيد بتترعش، وبدأ يكتب، وهو بيبصلي بنظرة كلها كره وهزيمة كده ارتحتي يا مريم؟ خربتي البيت وضيعتي كل حاجة؟ بصيتله وأنا رافعة راسي لأول مرة من سنين من غير خوف ولا تردد البيت اللي يتبني على السرقة والكذب لازم يتخرب عشان ننضف مكانه. إنت اللي خربت كل حاجة يوم ما مديت إيدك على حق ابني وحق أمي، ودلوقتي بتاخد جزاء عملك. تاني يوم الصبح، كنت واقفة عند المأذون. أحمد رمى يمين الطلاق وهو ساكت تماماً، وأنا استلمت ورقة طلاقي ومعاها إشعار البنك بدخول الفلوس كاملة لحسابي الشخصي اللي فتحته باسمي لوحدي. خرجت من عند المأذون، كانت شمس الظهرية دافية ومنورة الشارع كله. ركبت عربيتي وروحت على الهرم عند أمي. دخلت الشقة، لقيت أمي ويوسف قاعدين في الصالة، بيشربوا شاي ومستنييني. أول ما دخلت وابتسمت، يوسف قام وجري عليا وحضني بقوة، وأمي رفعت إيديها للسما وهي بتدعي بصوت عالي الحمد لله يا رب... الحمد لله اللي نصرتي على من عاداني وحفظت بنتي وضنايا. حطيت ورقة الطلاق على الترابيزة، وقعدت في وسطهم وأنا حاسة بتقل جبل كامل انزاح من على صدري. بصيت ليوسف وقولتله فلوسك ومستقبلك بأمان يا يوسف، والشقة اللي كنا بنحلم بيها هنجيبها، بس المرة دي هنجيبها بشقانا الحلال ومن غير ما يكون في وسطينا خاين. يوسف باس راسي وقال مش عايز شقق يا أمي، كفاية إننا مع بعض، وإنتي في ضهري. بصيت من بلكونة شقة أمي على شارع الهرم، شوارع وزحمة وناس رايحة وجاية، وافتكرت اللحظة اللي كنت واقفة فيها ورا فرشة الخضار في السوق وبسمع حماتي بتخطط لخراب بيتي. ساعتها كنت فاكرة إن الدنيا وقفت، بس الحقيقة إن الدنيا كانت بتبدأ من جديد. الست اللي سكتت في السوق ومصرختش، عرفت تاخد حقها بالقانون وبالأصل وبالعقل، وسابت الظالم يغرق في البير اللي حفره بإيديه. قعدت جنب أمي وشربت معاها الشاي، والبيت كان مليان هدوء وسكينة، الهدوء اللي مبيجيش غير بعد ما العاصفة تعدي وتنضف كل الوساخة اللي كانت في طريقها. متابعة القراءة الصفحة 1 من 4 صفحة الصفحة 2