مستشفى
المشهد الأول: بداية السكة الجديدة
عدت ست شهور على يوم المستشفى.
في الست شهور دول، حياتي اتجلبت رأسًا على عقب، بس المرة دي كانت للعدل والكرامة.
أول حاجة عملتها، لميت هدومي من شقة المعادي. ما أخدتش معايا غير شنطة هدومي وشوية كتب وحاجاتي الشخصية. الحاجة فاطمة والحاج إسماعيل تحايلوا عليا أفضّل قاعدة معاهم في فيلا المقطم، بس أنا رفضت بشياكة. كنت محتاجة أثبت لنفسي ولطارق وقبل أي حد إني أقدر أقف على حيلي من غير ما أكون عالة على حد.
أجّرت شقة صغيرة على قدي في روكسي، ورجعت أقدم أوراقي في قصر العيني.
لما دخلت مكتب رئيسة التمريض وقابلت زمايلي القدام، دقات قلبي كانت سريعة أوي.
— “منى! معقولة؟ انتي فين من زمان يا بنتي؟”
— “رجعت يا دكتورة.. رجعت للمكان اللي كان المفروض ما أخرجش منه أصلًا.”
الرجوع للشفتات والسهر وتعب المستشفيات ما كانش سهل بعد السنين دي كلها، بس والله العظيم كان أرحم ألف مرة من قعدة البيت وانتظار كلمة حلوة أو حسنة من طارق. رجعت ألبس بالطو التمريض الأبيض، ورجعت أحس إن لإيدي قيمة وإن الشفا بيجي على ربنا ثم بسببي.
في نفس الوقت، القض.ية كانت شغالة في المحكمة. المحامية بتاعتي ما سبتش ثغرة: تقارير المستشفى اللي ثبتت وجود هدير معاه في العربية وقت الحادثة، شهادة السواق، والرسائل اللي بعتهالي بيعترف فيها باللي حصل.
طارق حاول بكل الطرق يماطل. بعت لي ناس، وجاب قرايب من بعيد يتوسطوا، وكانت كل رسائله القادمة تحول تدريجيًا من التهديد للترجي:
“ارجعي يا منى.. أنا اتكسرت.. الشركة ضاعت مني وبابا رماني في الأرشيف.. الناس بتاكل وشي.. ارجعي وأنا هعملك كل اللي انتي عايزاه.”
بس المية لما بتتدلق، عمرها ما بترجع الإزازة تاني.
المشهد الثاني: جلسة النطق بالحكم
في محكمة الأسرة بملحق محكمة زنقة الستات في زنقة المحاكم، كنت واقفة مستنية دوري.
طارق حضر الجلسة. كان ماشي على عكاز، شكله كبر عشر سنين. وشّه أصفر، ودقنه خفيفة ومش متظبطة، ولابس بدلة باين عليها إنها وسعت عليه من الهم. أول ما شافني بالبالطو الأنيق ووشي اللي ردت فيه الروح، حاول يقرب مني.
— “منى.. مش كفاية كده؟ انتي أخدتي حقك وزيادة.. أنا بقيت مسخرة الشركة، أصحابي بقوا بيشفقوا عليا، وبابا مخليني بوقع أوراق الأرشيف زي أصغر موظف!”