اهو الكونتنت الحقيقي ج2
بعد الليلة دي، علاقتنا ما رجعتش أم وبنت فجأة.
مافيش حضن طويل مسح كل السنين.
ولا صحينا اليوم اللي بعده وكأن شيئًا لم يكن.
الحقيقة أبطأ من كده بكتير.
كانت تبعتلي رسالة كل فترة: “شوفت فيلم وافتكرتك.”
“الأكل طلع وحش من غيرك.”
“زرعت النعناع اللي كنتِ بتحبيه.”
رسائل صغيرة… مرتبكة… وإنسانية.
وأنا أحيانًا أرد.
وأحيانًا أسيب الرسالة مقروءة أيام.
لكن ما بقيناش غرب.
وده لوحده كان معجزة صغيرة.
أما سامي، فبقى جزء ثابت من حياتي بطريقة هادية.
كل جمعة ييجي بدري، يقعد في المطبخ مع الشيف، ويتخانق معاه على أفضل طريقة لعمل الملوخية.
وكان كل مرة يحاول يعوض سنين ضاعت… من غير ما يضغط عليّ أنساها.
وده خلاني أحبه أكتر.
وفي يوم، واحنا قاعدين على التراس وقت الغروب، سألني: “عمرك فكرتي تسيبي كل ده؟”
بصيت للنيل.
قلت: “كل يوم.”
ضحك.
كملت: “بس زمان كنت عايزة أهرب عشان حاسة إني ما استحقش مكان. دلوقتي لو مشيت… هيبقى باختياري.”
هز راسه بفخر خفيف.
وقال: “وده الفرق كله.”
في نفس السنة، المركز عمل أول مؤتمر صغير عن العنف النفسي الإلكتروني والتنمر العائلي.
كنت متوترة أطلع أتكلم.
لسه جزء جوايا يكره الميكروفونات والكاميرات.
لكن قبل ما أطلع المسرح، بنت صغيرة من اللي في المركز شدت إيدي.
وقالت: “إنتِ مش خايفة زي زمان، صح؟”
ابتسمت لها.
وبصراحة لأول مرة… عرفت الإجابة.
قلت: “لا.
بس حتى لو خفت… مش هسكت.”
طلعت على المسرح وسط تصفيق هادي.
الأنوار كانت قوية، لكن ما أوجعتنيش.
وقفت ثواني أبص للناس.
مش عشان أجهز نفسي للكلام…
عشان أستوعب الرحلة.
من بنت واقفة في حمام فندق، شعرها محروق وكرامتها مكسورة…
لست واقفة دلوقتي، بصوت ثابت، قدام مئات الناس.
وأول جملة قلتها كانت:
“في ناس بتفتكر إن النجاة معناها إنك ما تتأذاش.
بس الحقيقة… النجاة أحيانًا معناها إنك تتأذى، وتعيش برضه.”
الصالة سكتت بالكامل.
وأنا ابتسمت.
لأن دي كانت أول مرة أحكي قصتي…
من غير ما أحس إني ضحية فيها.
بعد المؤتمر، ناس كتير بدأت تعرفني بشكل مختلف.
مش “البنت بتاعة الفيديو”.
بقيت: الست اللي بتتكلم عن النجاة. عن العنف النفسي. عن البيوت اللي شكلها مثالي من بره وهي بتاكل اللي جواها.
وده كان شرف… وضغط مرعب في نفس الوقت.
لأن كل ما حد يبصلك كرمز، بتحس إنك ممنوع تقع.
لكن الحقيقة؟
إني كنت لسه بقع أحيانًا.
في ليالي معينة، كنت أصحى مفزوعة من النوم، حاسة بحرارة القهوة على جلدي من جديد.
وفي أيام، مجرد صوت ضحك عالي ورايا يخلي قلبي يدق بعنف.
الشفاء ماكانش خط مستقيم.
كان طريق طويل فيه رجوع كتير.
وفي ليلة متأخرة، بعد يوم مرهق، كنت قاعدة لوحدي في المطبخ الخلفي للفندق، آكل كيك ناشف وأشرب شاي بارد.
سامي دخل، بصلي ثانيتين، وقال: “دي أكتر أكلة حزينة شوفتها في حياتي.”
ضحكت رغمًا عني.
قعد قدامي وسأل: “في إيه؟”
اترددت.
وبعدين قلت لأول مرة بصوت عالي: “تعبت من إني أبقى قوية طول الوقت.”
الجملة خرجت مني كأنها اعتراف سري.
سامي هز راسه بهدوء.
وقال: “يبقى ارتاحي.”
“ماينفعش.”
“ليه؟”
بصيتله بعصبية خفيفة: “عشان الناس مستنية مني أبقى مثال ناجح… ناجية… ملهمة… أي حاجة.”
سكت شوية.
وبعدين قال الجملة اللي احتجتها فعلًا: “ليلى… حتى الناجين بيتعبوا.”
عيوني دمعت فورًا.
لأن دي كانت المشكلة كلها.
إني طول الوقت كنت بحاول أستحق النجاة.
كأن لازم أبقى قوية ومفيدة وملهمة عشان يبقى من حقي أعيش.
لكن يمكن… مجرد إني نجوت كان كفاية.
بعدها بأشهر، أخدت أول إجازة حقيقية في حياتي.
سافرت مدينة ساحلية صغيرة محدش يعرفني فيها.
لا صحافة.
لا كاميرات.
لا حد يبصلي بنظرة شفقة أو إعجاب.
وفي صباح هادي، كنت ماشية على البحر حافية، والرملة الباردة تحت رجلي.
وفجأة سمعت صوت بنت صغيرة بتنادي: “آنسة ليلى!”
لفيت متفاجئة.
طفلة عندها حوالي عشر سنين كانت جارية ناحيتي بحماس، وأمها وراها محرجة.
البنت وقفت قدامي وقالت بسرعة: “أنا شوفت الفيديو بتاعك… وبعدين شوفت المؤتمر… وأنا بحبك أوي.”
أمها حاولت تسحبها باعتذار: “آسفة يا فندم—”
لكنني ركعت لمستواها وابتسمت.
وسألتها: “إيه أكتر حاجة عجبِتك؟”
البنت فكرت شوية، وبعدين قالت: “إنك ما بقيتيش خايفة.”
الكلمة لمستني من جوا.
بصيت للبحر ثواني.
ثم رجعت عيني لها وقلت بهدوء: “لا… أنا لسه بخاف.”
اتصدمت شوية.
ابتسمت وكملت: “بس الشجاعة مش إنك ما تخافيش… الشجاعة إنك ما تخليش الخوف يسوقك.”
البنت ابتسمت كأنها اكتشفت سر.
وأنا وقفت أراقبها وهي بترجع تجري على البحر.
الهوا كان بارد، والشمس طالعة بهدوء، والموج بيكسر على الرمل ويرجع تاني.
وقتها فقط…
بعد كل اللي حصل…
حسّيت إن قلبي أخيرًا بقى خفيف.