اهو الكونتنت الحقيقي ج2

عدّى شهر.
الترند مات… زي كل حاجة على الإنترنت.
الناس لقت ضحية جديدة، فضيحة جديدة، فيديو جديد تتسلى بيه.
وده كان مريح.
وموجع شوية.
غريب إزاي العالم يقدر يغيّر حياتك في يوم… وينساك في أسبوعين.
أنا نقلت لجناح صغير في آخر دور بالفندق.
مش الجناح الرئاسي.
رفضته.
ماكنتش عايزة أعيش جوّا نسخة جديدة من الناس اللي كنت بهرب منهم.
كنت بصحى بدري، أنزل أشرب قهوة في المطبخ مع العمال، وأقضي ساعات أتعلم إزاي الفندق شغال فعلًا.
الحروق بدأت تخف.
لكن الأثر ورا ودني كان لسه موجود.
خط رفيع وردي.
كل ما أشوفه أفتكر إن جسمي نفسه بقى شاهد.
وفي يوم، وأنا ماشية في الممر، سمعت موظفتين بيهمسوا: “دي هي؟” “آه… البنت بتاعة الفيديو.”
الكلمة ضربتني فجأة.
البنت بتاعة الفيديو.
مش ليلى.
مش إنسانة.
حدث.
مشهد.
دخلت أوضتي وقفلت الباب بهدوء، لكن إيديا كانت بتترعش.
وفهمت إني مهما حاولت أتحرك لقدام… فيه جزء مني لسه محبوس في اللحظة دي.
وفي نفس الليلة، وصلني جواب.
ورقي.
مش إيميل.
مش رسالة.
خط إيد.
عرفته فورًا.
أمي.
قعدت أبص للمظروف عشر دقايق كاملة قبل ما أفتحه.
الخط كان مرتب زيادة عن اللزوم، كأنها بتحاول تسيطر حتى على شكل اعتذارها.
“ليلى،
أنا عارفة إنك غالبًا هتمزقي الجواب قبل ما تكمليه، لكن اسمعيني مرة واحدة…”
كملت قراءة رغم إني كنت بكره كل كلمة.
قالت إنها كانت خايفة.
خايفة أخسرها.
خايفة سامي ياخدني منها.
وخايفة أكتر إني أحبّه أكتر منها.
وبعدين كتبت الجملة اللي وجعتني فعلًا:
“كل مرة كنت ببصلك فيها، كنت بشوف فيه هو.”
هنا فهمت.
أنا ماكنتش بنتها بالنسبة لها.
كنت تذكار.
نسخة مصغرة من الراجل اللي كرهته.
آخر سطر كان:
“أنا آسفة… حتى لو متأخرة.”
فضلت ماسكة الورقة وقت طويل.
مش قادرة أسامح.
ومش قادرة أكره بالكامل.
وده أسوأ نوع ألم.
بعد يومين، طلبت أشوفها.
سامي ما حاولش يمنعني.
بس سأل: “متأكدة؟”
وماكانش عندي إجابة حقيقية.
روحت البيت القديم.
أول ما دخلته حسيت إن الجدران نفسها حافظاني وأنا صغيرة.
ريحة نفس المعطر.
نفس السجاد.
حتى الساعة اللي كانت بتخوفني بصوتها وأنا طفلة لسه مكانها.
أمي كانت قاعدة لوحدها.
أول ما شافتني قامت بسرعة… وبعدين وقفت، كأنها مش عارفة إذا كان يحق لها تقرب أصلًا.
كانت أضعف.
أصغر.
مش الست المرعبة اللي كانت بتملى المكان.
قلت بهدوء: “ليه القهوة؟”
السؤال كسرها فورًا.
دموعها نزلت وهي تقول: “لأنك بصيتيلي وقتها بنفس نظرة أبوكي.”
سكتت.
وقالت بصوت مهزوز: “النظرة اللي كانت بتقول إني إنسانة صغيرة.”
لأول مرة… شفت الحقيقة كاملة.
أمي ما كانتش قوية أبدًا.
كانت مجرد إنسانة ضعيفة بتكسر أي حد قبل ما يحسسها بضعفها.
قعدت قدامها.
وبيننا سنين كاملة من الخوف والإهانة والصمت.
قالت: “عارفة إنك مش هتسامحيني.”
بصيت لإيدي.
للأثر الخفيف على جلدي.
وقلت: “مش دلوقتي.”
رفعت عيني ليها.
“بس يمكن يوم.”
ودموعها زادت.
وأنا قمت أمشي.
قبل ما أفتح الباب، نادتني: “ليلى…”
وقفت.
قالت بصوت مكسور: “أنا فعلًا كنت بحبك.”
غمضت عيني ثانيتين.
وبعدين رديت من غير ما أبصلها: “كان لازم تحسسيني بده… مش تقولي دلوقتي.”
وخرجت.
ولما ركبت العربية، بصيت من الشباك على البيت للمرة الأخيرة.
وحسّيت بحاجة غريبة جدًا…
إن الماضي أخيرًا بطل يطاردني من ورايا.
وبدأ يبعد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *