اهو الكونتنت الحقيقي ج2
عدّت ثلاث سنين.
والغريب إن الحياة، مهما حصل فيها، بتتعلم تكمل.
الفندق بقى معروف بحاجة مختلفة تمامًا عن الفضيحة القديمة.
الناس بقت تتكلم عن المركز.
عن الولاد والبنات اللي لقوا مكان آمن فيه.
عن الورش اللي كانت بتساعدهم يلاقوا صوتهم من غير خوف.
وأحيانًا… كان يجيني جواب.
بخط إيد طفل أو مراهق.
“شكرًا إنكم صدقتوني.”
“أول مرة أحس إني مش مشكلة.”
وكل مرة كنت أقرأ جملة زي دي، أحس إن وجعي ما راحش هدر.
في يوم هادي، كنت قاعدة في المكتب أراجع أوراق، لما السكرتيرة خبطت الباب وقالت: “في بنت عايزة تشوفك.”
رفعت عيني باستغراب. “ميعاد؟”
“لا… بس قالت ضروري.”
دخلت بنت عندها حوالي ستاشر سنة.
رفيعة، لابسة هودي واسع، وحاضنة شنطة المدرسة لصدرها كأنها درع.
أول ما شافتني… دموعها نزلت فورًا.
اتوترت وقامت تعتذر: “آسفة… أنا بس…”
ناولتها مناديل بهدوء. “خدي وقتك.”
قالت وهي بتمسح وشها: “أنا شوفت الفيديو بتاعك زمان.”
جسمي شد لحظة.
لسه الكلمة دي بتوجع.
لكنها كملت بسرعة: “ولما ماما بدأت تعاملني نفس الطريقة… افتكرتك.”
قلبي وجعني.
قالت: “افتكرت إن لو انتي عرفتي تعيشي… يمكن أنا كمان أقدر.”
الصمت بينا كان تقيل جدًا.
لكن مش مؤذي.
بصتلها طويل.
وشفت نفسي القديمة فيها: الخوف. الارتباك. والشعور إن البيت بقى مكان خطر.
قمت من مكاني، وروحت فتحت الستارة الكبيرة اللي بتطل على النيل.
الشمس كانت داخلة دافية.
وقلتلها: “تعرفي أول حاجة اتعلمتها؟”
هزت راسها بالنفي.
ابتسمت ابتسامة هادية. “إن اللي بيكسرك… مش لازم يحدد إنتِ مين.”
البنت عيطت أكتر.
لكن المرة دي، كان عياط ارتياح.
بعد ما مشيت، فضلت واقفة قدام الشباك شوية.
وفجأة افتكرت نفسي زمان…
البنت اللي كانت واقفة قدام مراية حمام الفندق، القهوة بتنزل من شعرها، وحاسة إن حياتها انتهت.
لو كنت أقدر أرجع للحظة دي…
كنت هقولها حاجة واحدة بس:
“استحملي شوية كمان.”
لأن النهاية ما كانتش نهاية.
كانت أول مرة تبدأ تعيش.
بعد خمس سنين…
المكان اتغيّر جدًا.
التراس اللي بدأ عليه كل شيء بقى فيه نباتات أكتر، وإضاءة هادية، وركن صغير الناس تقعد فيه تكتب أو تقرأ.
محدش تقريبًا بقى يفتكر إن نفس المكان شهد أسوأ يوم في حياتي.
وده كان شيء جميل.
ومؤلم شوية.
لأن حتى الكوارث… الزمن بيبلعها.
في مساء شتوي هادي، كنت واقفة أراجع تجهيزات حفلة صغيرة للمركز.
أول دفعة شباب خلصوا برنامج الدعم النفسي كانوا عاملين معرض رسومات وصور.
ضحكاتهم كانت مالية المكان.
ضحكات حقيقية.
مش ضحك شماتة.
وفجأة، واحدة من الموظفات قربت مني وقالت: “في ست تحت مستنياكي.”
قلبي عرف قبل عقلي.
أمي.
نزلت ببطء.
لقيتها قاعدة في آخر اللوبي، إيديها ماسكة كوب شاي دافي.
شعرها بقى فيه شيب أكتر.
ووشها… هادي بشكل غريب.
مش الهداوة المتكبرة القديمة.
هداوة ناس تعبت.
أول ما شافتني وقفت.
واتوترت.
بعد كل السنين دي… لسه بتتوتر مني.
قالت بهدوء: “مش هعطلك.”
قعدت قدامها من غير كلام.
ثواني طويلة عدّت.
وبعدين قالت: “شوفت اللي عملتيه هنا.”
بصيت حواليّ.
للشباب اللي بيعلقوا رسوماتهم على الحيطان.
للبنت اللي بتضحك وهي بتشرح صورة رسمتها عن النجاة.
قالت أمي: “طلعتي أحسن مني بكتير.”
الجملة دي لو سمعتها زمان… كنت ممكن أعيش عليها سنين.
دلوقتي؟ بس وجعتني.
لأن طفلتي الصغيرة جوايا لسه كانت محتاجة تسمع: “أنا آسفة.”
كأنها قرأت الفكرة.
نزلت عينيها وقالت أخيرًا: “أنا آسفة يا ليلى.”
المرة دي ماكانتش جملة دفاع.
ولا تبرير.
ولا محاولة تلعب دور الضحية.
كانت اعتراف حقيقي.
وسكتت بعدها، كأنها عارفة إن مافيش كلام يكفي.
أنا كمان سكت.
بعدين سألتها: “اتغيّرتي فعلًا… ولا بس تعبتِ؟”
السؤال هزّها.
لكنها ما هربتش.
قالت بصراحة: “الاتنين.”
بصيتلها طويل.
ولأول مرة… ما شفتش الوحش اللي في كوابيسي.
شفت إنسانة مكسورة.
واحدة ضيّعت نفسها وضيّعت ناس معاها.
وده ما مسحش اللي حصل.
بس خلاني أفهمه.
طلعت نفس بطيء.
وقلت: “أنا مش قادرة أنسى.”
هزت راسها بسرعة. “عارفة.”
“ومش متأكدة إني هقدر أسامح بالكامل.”
دموعها لمعت، لكنها ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة. “عارفة برضه.”
الصمت بينا كان مختلف المرة دي.
مش مليان خوف.
ولا حرب.
بس حزن قديم بيتحط أخيرًا على الأرض.
قبل ما تمشي، وقفت عند الباب.
لفّت ناحيتي وقالت: “على فكرة…”
استنيت.
ابتسمت ابتسامة خفيفة جدًا: “الهودي الرمادي كان بشع فعلًا.”
بصيتلها مصدومة ثانية…
وبعدين ضحكت.
ضحكة عالية حقيقية طالعة من قلبي.
وهي كمان ضحكت.
أول ضحكة بينا من سنين طويلة.
مش كاملة.
مش سحرية.
بس بداية.
ولما خرجت، فضلت أبص على الباب المقفول شوية.
وبعدين لمست الأثر اللي ورا ودني.
كان لسه موجود.
غالبًا هيفضل دايمًا.
لكن لأول مرة…
ما حسّيتش إنه علامة على الحاجة اللي اتكسرت.
حسّيته دليل على الحاجة اللي نجت.