الموضوع انفجر أسرع من أي حد توقع. في أقل من ساعة، الفيديو بقى في كل مكان. الناس ما كانتش بس مصدومة من اللي أمي عملته… الناس كانت مستمتعة بالسقوط. وده أسوأ. الإنترنت عمره ما بيرحم حد اتعود يتغذى على إذلال الناس. كريم حاول ينزل ستوري يضحك فيها ويقول إن الموضوع “ترند وهيعدي”. الناس قطعته. الكومنتات قلبت عليه بشكل مرعب: "واضح إنك متربي في سيرك." "إزاي كنت بتصور أختك وهي بتتحرق؟" "ده مش مقلب… دي جريمة." نادين قفلت حسابها بعد ما البراندات بدأت تلغي العقود. أما أمي… فكانت قاعدة في جناح الفندق، منهارة حرفيًا، بعد ما المحامي بلغها إن في بلاغ رسمي اتقدم ضدها. مش مني. من إدارة الفندق نفسها. اعتداء موثق بالكاميرات. سامي كان مصر آخدني المستشفى، وأنا وافقت أخيرًا لما الحرق بدأ يوجعني لدرجة إني مش قادرة ألف رقبتي. الدكتورة قالت إن الحروق سطحية في أغلبها… لكن في أماكن هتسيب أثر خفيف كام شهر. ضحكت جوايا. أثر خفيف؟ يا ريت اللي جوايا كله يطلع “أثر خفيف”. بعد العلاج، قعدت في أوضة هادية في الفندق. أول مرة من سنين أقعد في مكان من غير ما أبقى مستعدة للدفاع عن نفسي. سامي كان قاعد بعيد شوية، كأنه خايف يقرب أكتر من اللازم. وقال بهدوء: "عارف إن عندك مليون سؤال." ما رديتش. بصيت من الشباك على النيل. القاهرة بالليل كانت بتلمع كأنها مدينة تانية… مدينة ما تعرفش حاجة عن البنت اللي كانت بتنضرب بالكلمات كل يوم فوق سطح بيت قديم. سامي قال: "أنا دورت عليكي سبع سنين." غمضت عيني. سبع سنين. سبع سنين وأنا فاكرة نفسي منسية. قال: "أمك اختفت فجأة… غيرت أرقامها… سافرت… ولما وصلت لها قالتلي إنك متي في حادث." لفيت أبصله أخيرًا. كان راجل تعبان. مش رجل أعمال قوي زي اللي في الأفلام. بس أب… خسر بنته بالعافية. سألته: "ليه صدقتها؟" السؤال وجعه. بان فورًا. قال بصراحة: "لأني كنت جبان." الصراحة دي هزتني أكتر من أي تبرير. ما حاولش يطلع نفسه بطل. كمل: "سيبتها تتحكم عشان كنت فاكر الفلوس تحل كل حاجة… ولما فوقت، كنت خسرتك." الصمت بينا كان طويل. لكن لأول مرة… ماكانش صمت مؤذي. وفجأة موبايلي رن. رقم غريب. رديت بحذر. وجالي صوت صحفية: "آنسة ليلى؟ حضرتك موافقة تعملي مقابلة؟" قفلت الخط فورًا. رن تاني. وبعدين تالت. الإنترنت كان قلبني من “البنت الفاشلة” لـ “الضحية اللي قلبت الطاولة”. وده أخافني أكتر من الإهانة نفسها. لأن الناس اللي بترفعك بسرعة… بتستمتع وهي بتوقعك أسرع. حطيت الموبايل على الترابيزة. وقلت: "أنا تعبت." سامي قام فورًا كأنه مستني الجملة دي من سنين. قال: "خلاص… ارتاحي." وقبل ما يدخل أوضته، وقف عند الباب وقال: "على فكرة…" بصيتله. ابتسم ابتسامة صغيرة مترددة: "أنا فخور بيكي." الجملة كانت بسيطة جدًا. لكنها دخلت في حتة جوايا ما حدش لمسها قبل كده. ولأول مرة من زمان… عيطت. العيّاط ما كانش انفجار. مافيش صريخ. ولا انهيار درامي. بس دموع نازلة بهدوء غريب، كأن جسمي أخيرًا صدّق إن المعركة خلصت. فضلت قاعدة على طرف السرير وقت طويل، أسمع صوت التكييف ونور القاهرة داخل من بين الستاير. وكل شوية موبايلي ينور بإشعارات جديدة. ملايين المشاهدات. هاشتاجات باسمي. ناس بتشتم أمي. ناس بتدافع عني. ناس بتحلل نفسيتي كأنهم عاشوا جوا دماغي. قفلت النت كله. ماعدتش عايزة حد يشوفني. حتى لو كانوا متعاطفين. في صباح اليوم اللي بعده، صحيت على خبط خفيف على الباب. افتكرت إنه سامي. لكن لما فتحت… لقيت كريم. لوحده. من غير كاميرا. ودي كانت أغرب حاجة فيه. كان لابس كاب أسود ونظارة، كأنه مستخبي من العالم. لكن ملامحه كانت باينة رغم كده: مرهق… ومنهار. وقف ثواني من غير ما يتكلم. وبعدين قال: "ممكن أدخل؟" كنت أقدر أقفل الباب في وشه. وكان هيبقى حقّي. لكن حاجة جوايا كانت عايزة تسمع. دخل وقعد على الكنبة، وإيده بتفرك ببعض بعصبية. أول مرة أشوف كريم مش عارف يمثل. قال وهو باصص للأرض: "إحنا خسرنا كل الرعاة." ما رديتش. ضحك ضحكة صغيرة مكسورة: "عارفة؟ أول حاجة فكرت فيها إمبارح كانت الفلوس… مش انتي." رفع عينه ليا. "وده خوفني." الصراحة خلتني ساكتة. قال: "أنا طول عمري كنت فاكر إن اللي بنعمله هزار… كونتنت وخلاص… الناس بتحب كده." افتكرت ضحكته وهو بيصورني والقهوة بتنزل على وشي. بطني اتقبضت. قلت بهدوء: "كنت مستمتع." سكت. وده كان اعتراف. بعد لحظة طويلة قال: "آسف." الكلمة نزلت تقيلة. مش لأنها قوية… لكن لأنها متأخرة بشكل موجع. سألته: "لو الفيديو ما اتقلبش عليكم… كنت هتعتذر؟" عينيه اتحركت بعيد. وما جاوبش. ابتسمت بمرارة. "بالظبط." قام وقف ببطء. واضح إنه فهم إن في حجات ما تتصلحش باعتذار. قبل ما يمشي، وقف عند الباب وقال: "نادين منهارة… وماما رافضة تاكل." ما حسّيتش بحاجة. وده خوّفني شوية. مش الشماتة… الفراغ. رديت: "وأنا اتحرقت." ماعرفش يرد. خرج وساب الباب مفتوح ثواني قبل ما يقفله بهدوء. بعدها بأيام، الدنيا بره كانت لسه مولعة. القنوات تتكلم. صفحات تنزل تحليلات. ناس تطلع قصص قديمة عن أمي وكريم ونادين. وكل يوم كانوا بيقعوا أكتر. لكن الغريب… إني ما حسّيتش بالانتصار. كنت فاكرة إني لما أشوفهم بيتكسروا هرتاح. بس الحقيقة إن الخراب، حتى لما يصيب اللي ظلمك… بيفضل خراب. وفي ليلة هادية، كنت قاعدة على تراس الفندق بعد ما الزحمة خفت. نفس المكان اللي اتحرقت فيه. لكن المرة دي كان الجو بارد، والهوا جاي من النيل بهدوء. سامي قعد قدامي وحط ملف صغير على الترابيزة. قال: "دي كل حاجة باسمك." بصيت للملف وما فتحتهوش. سألته: "ليه عملت كل ده عشاني؟" استغرب السؤال. قال ببساطة: "لأنك بنتي." الجملة دي… لسه جديدة عليّا. خايفة أصدقها. قلت بعد وقت طويل: "أنا مش عارفة أبقى إيه دلوقتي." ابتسم بحزن خفيف. "تبقي نفسك." ضحكت لأول مرة بجد. ضحكة صغيرة… لكنها حقيقية. وفي اللحظة دي، أدركت حاجة مهمة: أنا مش البنت اللي اتحرقت بالقهوة. ولا البنت اللي اتصورت وهي بتتهان. ولا حتى البنت اللي ورثت فندق. أنا بس… واحدة نجت. وده كان كفاية كبداية. عدّى شهر. الترند مات… زي كل حاجة على الإنترنت. الناس لقت ضحية جديدة، فضيحة جديدة، فيديو جديد تتسلى بيه. وده كان مريح. وموجع شوية. غريب إزاي العالم يقدر يغيّر حياتك في يوم… وينساك في أسبوعين. أنا نقلت لجناح صغير في آخر دور بالفندق. مش الجناح الرئاسي. رفضته. ماكنتش عايزة أعيش جوّا نسخة جديدة من الناس اللي كنت بهرب منهم. كنت بصحى بدري، أنزل أشرب قهوة في المطبخ مع العمال، وأقضي ساعات أتعلم إزاي الفندق شغال فعلًا. الحروق بدأت تخف. لكن الأثر ورا ودني كان لسه موجود. خط رفيع وردي. كل ما أشوفه أفتكر إن جسمي نفسه بقى شاهد. وفي يوم، وأنا ماشية في الممر، سمعت موظفتين بيهمسوا: "دي هي؟" "آه… البنت بتاعة الفيديو." الكلمة ضربتني فجأة. البنت بتاعة الفيديو. مش ليلى. مش إنسانة. حدث. مشهد. دخلت أوضتي وقفلت الباب بهدوء، لكن إيديا كانت بتترعش. وفهمت إني مهما حاولت أتحرك لقدام… فيه جزء مني لسه محبوس في اللحظة دي. وفي نفس الليلة، وصلني جواب. ورقي. مش إيميل. مش رسالة. خط إيد. عرفته فورًا. أمي. قعدت أبص للمظروف عشر دقايق كاملة قبل ما أفتحه. الخط كان مرتب زيادة عن اللزوم، كأنها بتحاول تسيطر حتى على شكل اعتذارها. "ليلى، أنا عارفة إنك غالبًا هتمزقي الجواب قبل ما تكمليه، لكن اسمعيني مرة واحدة..." كملت قراءة رغم إني كنت بكره كل كلمة. قالت إنها كانت خايفة. خايفة أخسرها. خايفة سامي ياخدني منها. وخايفة أكتر إني أحبّه أكتر منها. وبعدين كتبت الجملة اللي وجعتني فعلًا: "كل مرة كنت ببصلك فيها، كنت بشوف فيه هو." هنا فهمت. أنا ماكنتش بنتها بالنسبة لها. كنت تذكار. نسخة مصغرة من الراجل اللي كرهته. آخر سطر كان: "أنا آسفة… حتى لو متأخرة." فضلت ماسكة الورقة وقت طويل. مش قادرة أسامح. ومش قادرة أكره بالكامل. وده أسوأ نوع ألم. بعد يومين، طلبت أشوفها. سامي ما حاولش يمنعني. بس سأل: "متأكدة؟" وماكانش عندي إجابة حقيقية. روحت البيت القديم. أول ما دخلته حسيت إن الجدران نفسها حافظاني وأنا صغيرة. ريحة نفس المعطر. نفس السجاد. حتى الساعة اللي كانت بتخوفني بصوتها وأنا طفلة لسه مكانها. أمي كانت قاعدة لوحدها. أول ما شافتني قامت بسرعة… وبعدين وقفت، كأنها مش عارفة إذا كان يحق لها تقرب أصلًا. كانت أضعف. أصغر. مش الست المرعبة اللي كانت بتملى المكان. قلت بهدوء: "ليه القهوة؟" السؤال كسرها فورًا. دموعها نزلت وهي تقول: "لأنك بصيتيلي وقتها بنفس نظرة أبوكي." سكتت. وقالت بصوت مهزوز: "النظرة اللي كانت بتقول إني إنسانة صغيرة." لأول مرة… شفت الحقيقة كاملة. أمي ما كانتش قوية أبدًا. كانت مجرد إنسانة ضعيفة بتكسر أي حد قبل ما يحسسها بضعفها. قعدت قدامها. وبيننا سنين كاملة من الخوف والإهانة والصمت. قالت: "عارفة إنك مش هتسامحيني." بصيت لإيدي. للأثر الخفيف على جلدي. وقلت: "مش دلوقتي." رفعت عيني ليها. "بس يمكن يوم." ودموعها زادت. وأنا قمت أمشي. قبل ما أفتح الباب، نادتني: "ليلى…" وقفت. قالت بصوت مكسور: "أنا فعلًا كنت بحبك." غمضت عيني ثانيتين. وبعدين رديت من غير ما أبصلها: "كان لازم تحسسيني بده… مش تقولي دلوقتي." وخرجت. ولما ركبت العربية، بصيت من الشباك على البيت للمرة الأخيرة. وحسّيت بحاجة غريبة جدًا… إن الماضي أخيرًا بطل يطاردني من ورايا. وبدأ يبعد. بعد المقابلة دي، حياتي ما اتحولتش فجأة لفيلم نهايته سعيدة. مافيش موسيقى هادية اشتغلت. ولا كل الجروح اتقفلت بمعجزة. بس لأول مرة… بقيت أتنفس من غير ما أحس إن حد واقف على صدري. بدأت أروح جلسات علاج نفسي. في الأول كنت بكره الفكرة. حاساها اعتراف إني “ضعيفة”. لكن الدكتورة قالتلي جملة فضلت معلقة في دماغي: "النجاة من الأذى ما تمحيش أثره." وده كان حقيقي. لأني بقيت أخاف من التصوير. أي موبايل مرفوع ناحيتي كان يخلي جسمي يتشنج تلقائي. حتى الضحك العالي بقى يخوفني أحيانًا. وفي يوم، كنت ماشية في الفندق، ولقيت بنت صغيرة مستخبية ورا الكنبة في اللوبي. كانت تبص حوالين بخوف. قربت منها بهدوء وسألت: "مالك؟" قالت وهي بتحاول تمسك دموعها: "ماما بتزعقلي قدام الناس." الكلمة خبطتني في صدري. قعدت جنبها على الأرض، بنفس الهودي الرمادي القديم اللي رفضت أرميه. وقلت: "تعالي نستخبى شوية لحد ما الدنيا تهدى." البنت ضحكت. ضحكة صغيرة. لكنها حقيقية. وأنا فجأة فهمت حاجة… إن الجزء المكسور جوايا، ممكن يبقى السبب اللي يخليني أفهم وجع ناس تانية. بعدها بفترة، قررت أعمل حاجة محدش توقعها. حوّلت جزء من الفندق لمركز دعم مجاني للمراهقين اللي بيتعرضوا للتنمر أو العنف النفسي داخل البيت. مش مشروع ضخم. ولا حملة استعراضية. بس مكان هادي. آمن. فيه معالجين، وورش، وأوضة فيها عصافير ونور شمس يدخل الصبح. سامي دعم الفكرة فورًا. ولأول مرة، بقينا نتكلم فعلًا. مش عن الفلوس. ولا الماضي. عن الأفلام الوحشة، والقهوة، والذكريات اللي ضاعت. العلاقة بينا كانت بطيئة… مرتبكة أحيانًا. بس حقيقية. أما كريم… فبطل ينزل فيديوهات تقريبًا. سمعت إنه دخل علاج للإدمان على السوشيال ميديا والقلق. ونادين اختفت فترة طويلة، وبعدها رجعت بحساب جديد… من غير فلاتر تقريبًا. ناس كتير سخروا منها. لكن لأول مرة، ما شاركتش في حفلة التكسير. يمكن كلنا كنا مرضى بطريقة مختلفة. أما أمي… فكانت الأصعب. في أيام كنت أكرهها جدًا. وأيام أشتاقلها رغم كل شيء، وده كان يخليني أكره نفسي. لكن مع الوقت فهمت إن المسامحة مش معناها إن اللي حصل كان عادي. المسامحة أحيانًا بس معناها إنك تعبت من حمل النار بإيدك. وفي ليلة شتوية بعد سنة كاملة… وقفت على نفس التراس. نفس المكان. لكن المرة دي، كنت لوحدي. قدامي كوب قهوة ساخنة، والبخار طالع بهدوء في الهوا البارد. لمست الأثر اللي ورا ودني. لسه موجود. غالبًا هيفضل دايمًا. لكن ما بقاش يحرق. رفعت الكوباية، وبصيت للنيل، وابتسمت ابتسامة صغيرة لنفسي. مش لأن حياتي بقت مثالية. لكن لأن البنت اللي كانت واقفة هنا من سنة، مبلولة بالقهوة والخوف والإهانة… لو شافتني دلوقتي، كانت هتعرف إنها نجت فعلًا. عدّت ثلاث سنين. والغريب إن الحياة، مهما حصل فيها، بتتعلم تكمل. الفندق بقى معروف بحاجة مختلفة تمامًا عن الفضيحة القديمة. الناس بقت تتكلم عن المركز. عن الولاد والبنات اللي لقوا مكان آمن فيه. عن الورش اللي كانت بتساعدهم يلاقوا صوتهم من غير خوف. وأحيانًا… كان يجيني جواب. بخط إيد طفل أو مراهق. "شكرًا إنكم صدقتوني." "أول مرة أحس إني مش مشكلة." وكل مرة كنت أقرأ جملة زي دي، أحس إن وجعي ما راحش هدر. في يوم هادي، كنت قاعدة في المكتب أراجع أوراق، لما السكرتيرة خبطت الباب وقالت: "في بنت عايزة تشوفك." رفعت عيني باستغراب. "ميعاد؟" "لا… بس قالت ضروري." دخلت بنت عندها حوالي ستاشر سنة. رفيعة، لابسة هودي واسع، وحاضنة شنطة المدرسة لصدرها كأنها درع. أول ما شافتني… دموعها نزلت فورًا. اتوترت وقامت تعتذر: "آسفة… أنا بس…" ناولتها مناديل بهدوء. "خدي وقتك." قالت وهي بتمسح وشها: "أنا شوفت الفيديو بتاعك زمان." جسمي شد لحظة. لسه الكلمة دي بتوجع. لكنها كملت بسرعة: "ولما ماما بدأت تعاملني نفس الطريقة… افتكرتك." قلبي وجعني. قالت: "افتكرت إن لو انتي عرفتي تعيشي… يمكن أنا كمان أقدر." الصمت بينا كان تقيل جدًا. لكن مش مؤذي. بصتلها طويل. وشفت نفسي القديمة فيها: الخوف. الارتباك. والشعور إن البيت بقى مكان خطر. قمت من مكاني، وروحت فتحت الستارة الكبيرة اللي بتطل على النيل. الشمس كانت داخلة دافية. وقلتلها: "تعرفي أول حاجة اتعلمتها؟" هزت راسها بالنفي. ابتسمت ابتسامة هادية. "إن اللي بيكسرك… مش لازم يحدد إنتِ مين." البنت عيطت أكتر. لكن المرة دي، كان عياط ارتياح. بعد ما مشيت، فضلت واقفة قدام الشباك شوية. وفجأة افتكرت نفسي زمان… البنت اللي كانت واقفة قدام مراية حمام الفندق، القهوة بتنزل من شعرها، وحاسة إن حياتها انتهت. لو كنت أقدر أرجع للحظة دي… كنت هقولها حاجة واحدة بس: "استحملي شوية كمان." لأن النهاية ما كانتش نهاية. كانت أول مرة تبدأ تعيش. بعد خمس سنين… المكان اتغيّر جدًا. التراس اللي بدأ عليه كل شيء بقى فيه نباتات أكتر، وإضاءة هادية، وركن صغير الناس تقعد فيه تكتب أو تقرأ. محدش تقريبًا بقى يفتكر إن نفس المكان شهد أسوأ يوم في حياتي. وده كان شيء جميل. ومؤلم شوية. لأن حتى الكوارث… الزمن بيبلعها. في مساء شتوي هادي، كنت واقفة أراجع تجهيزات حفلة صغيرة للمركز. أول دفعة شباب خلصوا برنامج الدعم النفسي كانوا عاملين معرض رسومات وصور. ضحكاتهم كانت مالية المكان. ضحكات حقيقية. مش ضحك شماتة. وفجأة، واحدة من الموظفات قربت مني وقالت: "في ست تحت مستنياكي." قلبي عرف قبل عقلي. أمي. نزلت ببطء. لقيتها قاعدة في آخر اللوبي، إيديها ماسكة كوب شاي دافي. شعرها بقى فيه شيب أكتر. ووشها… هادي بشكل غريب. مش الهداوة المتكبرة القديمة. هداوة ناس تعبت. أول ما شافتني وقفت. واتوترت. بعد كل السنين دي… لسه بتتوتر مني. قالت بهدوء: "مش هعطلك." قعدت قدامها من غير كلام. ثواني طويلة عدّت. وبعدين قالت: "شوفت اللي عملتيه هنا." بصيت حواليّ. للشباب اللي بيعلقوا رسوماتهم على الحيطان. للبنت اللي بتضحك وهي بتشرح صورة رسمتها عن النجاة. قالت أمي: "طلعتي أحسن مني بكتير." الجملة دي لو سمعتها زمان… كنت ممكن أعيش عليها سنين. دلوقتي؟ بس وجعتني. لأن طفلتي الصغيرة جوايا لسه كانت محتاجة تسمع: "أنا آسفة." كأنها قرأت الفكرة. نزلت عينيها وقالت أخيرًا: "أنا آسفة يا ليلى." المرة دي ماكانتش جملة دفاع. ولا تبرير. ولا محاولة تلعب دور الضحية. كانت اعتراف حقيقي. وسكتت بعدها، كأنها عارفة إن مافيش كلام يكفي. أنا كمان سكت. بعدين سألتها: "اتغيّرتي فعلًا… ولا بس تعبتِ؟" السؤال هزّها. لكنها ما هربتش. قالت بصراحة: "الاتنين." بصيتلها طويل. ولأول مرة… ما شفتش الوحش اللي في كوابيسي. شفت إنسانة مكسورة. واحدة ضيّعت نفسها وضيّعت ناس معاها. وده ما مسحش اللي حصل. بس خلاني أفهمه. طلعت نفس بطيء. وقلت: "أنا مش قادرة أنسى." هزت راسها بسرعة. "عارفة." "ومش متأكدة إني هقدر أسامح بالكامل." دموعها لمعت، لكنها ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة. "عارفة برضه." الصمت بينا كان مختلف المرة دي. مش مليان خوف. ولا حرب. بس حزن قديم بيتحط أخيرًا على الأرض. قبل ما تمشي، وقفت عند الباب. لفّت ناحيتي وقالت: "على فكرة…" استنيت. ابتسمت ابتسامة خفيفة جدًا: "الهودي الرمادي كان بشع فعلًا." بصيتلها مصدومة ثانية… وبعدين ضحكت. ضحكة عالية حقيقية طالعة من قلبي. وهي كمان ضحكت. أول ضحكة بينا من سنين طويلة. مش كاملة. مش سحرية. بس بداية. ولما خرجت، فضلت أبص على الباب المقفول شوية. وبعدين لمست الأثر اللي ورا ودني. كان لسه موجود. غالبًا هيفضل دايمًا. لكن لأول مرة… ما حسّيتش إنه علامة على الحاجة اللي اتكسرت. حسّيته دليل على الحاجة اللي نجت. بعد الليلة دي، علاقتنا ما رجعتش أم وبنت فجأة. مافيش حضن طويل مسح كل السنين. ولا صحينا اليوم اللي بعده وكأن شيئًا لم يكن. الحقيقة أبطأ من كده بكتير. كانت تبعتلي رسالة كل فترة: "شوفت فيلم وافتكرتك." "الأكل طلع وحش من غيرك." "زرعت النعناع اللي كنتِ بتحبيه." رسائل صغيرة… مرتبكة… وإنسانية. وأنا أحيانًا أرد. وأحيانًا أسيب الرسالة مقروءة أيام. لكن ما بقيناش غرب. وده لوحده كان معجزة صغيرة. أما سامي، فبقى جزء ثابت من حياتي بطريقة هادية. كل جمعة ييجي بدري، يقعد في المطبخ مع الشيف، ويتخانق معاه على أفضل طريقة لعمل الملوخية. وكان كل مرة يحاول يعوض سنين ضاعت… من غير ما يضغط عليّ أنساها. وده خلاني أحبه أكتر. وفي يوم، واحنا قاعدين على التراس وقت الغروب، سألني: "عمرك فكرتي تسيبي كل ده؟" بصيت للنيل. قلت: "كل يوم." ضحك. كملت: "بس زمان كنت عايزة أهرب عشان حاسة إني ما استحقش مكان. دلوقتي لو مشيت… هيبقى باختياري." هز راسه بفخر خفيف. وقال: "وده الفرق كله." في نفس السنة، المركز عمل أول مؤتمر صغير عن العنف النفسي الإلكتروني والتنمر العائلي. كنت متوترة أطلع أتكلم. لسه جزء جوايا يكره الميكروفونات والكاميرات. لكن قبل ما أطلع المسرح، بنت صغيرة من اللي في المركز شدت إيدي. وقالت: "إنتِ مش خايفة زي زمان، صح؟" ابتسمت لها. وبصراحة لأول مرة… عرفت الإجابة. قلت: "لا. بس حتى لو خفت… مش هسكت." طلعت على المسرح وسط تصفيق هادي. الأنوار كانت قوية، لكن ما أوجعتنيش. وقفت ثواني أبص للناس. مش عشان أجهز نفسي للكلام… عشان أستوعب الرحلة. من بنت واقفة في حمام فندق، شعرها محروق وكرامتها مكسورة… لست واقفة دلوقتي، بصوت ثابت، قدام مئات الناس. وأول جملة قلتها كانت: "في ناس بتفتكر إن النجاة معناها إنك ما تتأذاش. بس الحقيقة… النجاة أحيانًا معناها إنك تتأذى، وتعيش برضه." الصالة سكتت بالكامل. وأنا ابتسمت. لأن دي كانت أول مرة أحكي قصتي… من غير ما أحس إني ضحية فيها. بعد المؤتمر، ناس كتير بدأت تعرفني بشكل مختلف. مش “البنت بتاعة الفيديو”. بقيت: الست اللي بتتكلم عن النجاة. عن العنف النفسي. عن البيوت اللي شكلها مثالي من بره وهي بتاكل اللي جواها. وده كان شرف… وضغط مرعب في نفس الوقت. لأن كل ما حد يبصلك كرمز، بتحس إنك ممنوع تقع. لكن الحقيقة؟ إني كنت لسه بقع أحيانًا. في ليالي معينة، كنت أصحى مفزوعة من النوم، حاسة بحرارة القهوة على جلدي من جديد. وفي أيام، مجرد صوت ضحك عالي ورايا يخلي قلبي يدق بعنف. الشفاء ماكانش خط مستقيم. كان طريق طويل فيه رجوع كتير. وفي ليلة متأخرة، بعد يوم مرهق، كنت قاعدة لوحدي في المطبخ الخلفي للفندق، آكل كيك ناشف وأشرب شاي بارد. سامي دخل، بصلي ثانيتين، وقال: "دي أكتر أكلة حزينة شوفتها في حياتي." ضحكت رغمًا عني. قعد قدامي وسأل: "في إيه؟" اترددت. وبعدين قلت لأول مرة بصوت عالي: "تعبت من إني أبقى قوية طول الوقت." الجملة خرجت مني كأنها اعتراف سري. سامي هز راسه بهدوء. وقال: "يبقى ارتاحي." "ماينفعش." "ليه؟" بصيتله بعصبية خفيفة: "عشان الناس مستنية مني أبقى مثال ناجح… ناجية… ملهمة… أي حاجة." سكت شوية. وبعدين قال الجملة اللي احتجتها فعلًا: "ليلى… حتى الناجين بيتعبوا." عيوني دمعت فورًا. لأن دي كانت المشكلة كلها. إني طول الوقت كنت بحاول أستحق النجاة. كأن لازم أبقى قوية ومفيدة وملهمة عشان يبقى من حقي أعيش. لكن يمكن… مجرد إني نجوت كان كفاية. بعدها بأشهر، أخدت أول إجازة حقيقية في حياتي. سافرت مدينة ساحلية صغيرة محدش يعرفني فيها. لا صحافة. لا كاميرات. لا حد يبصلي بنظرة شفقة أو إعجاب. وفي صباح هادي، كنت ماشية على البحر حافية، والرملة الباردة تحت رجلي. وفجأة سمعت صوت بنت صغيرة بتنادي: "آنسة ليلى!" لفيت متفاجئة. طفلة عندها حوالي عشر سنين كانت جارية ناحيتي بحماس، وأمها وراها محرجة. البنت وقفت قدامي وقالت بسرعة: "أنا شوفت الفيديو بتاعك… وبعدين شوفت المؤتمر… وأنا بحبك أوي." أمها حاولت تسحبها باعتذار: "آسفة يا فندم—" لكنني ركعت لمستواها وابتسمت. وسألتها: "إيه أكتر حاجة عجبِتك؟" البنت فكرت شوية، وبعدين قالت: "إنك ما بقيتيش خايفة." الكلمة لمستني من جوا. بصيت للبحر ثواني. ثم رجعت عيني لها وقلت بهدوء: "لا… أنا لسه بخاف." اتصدمت شوية. ابتسمت وكملت: "بس الشجاعة مش إنك ما تخافيش… الشجاعة إنك ما تخليش الخوف يسوقك." البنت ابتسمت كأنها اكتشفت سر. وأنا وقفت أراقبها وهي بترجع تجري على البحر. الهوا كان بارد، والشمس طالعة بهدوء، والموج بيكسر على الرمل ويرجع تاني. وقتها فقط… بعد كل اللي حصل… حسّيت إن قلبي أخيرًا بقى خفيف.