انا وابني
رفعت راسي، ولقيت عربية سودا فخمة، ونزل منها السواق بسرعة وفتح الباب الخلفي. ولقيت جدي، الحاج محمود عبدالسلام، نازل منها. جدي كان صاحب مجموعة شركات مقاولات، وعنده استثمارات ومحلات كتير، وراجل كلمته مسموعة في البلد. ومن يوم ما أمي ماتت، كان هو أكتر شخص بيخاف عليّا وبيحاول يعوضني عن غيابها.
لكن بعد جوازي، زياراته ليا قلت بالتدريج. وحسام كان دايمًا يقولي إن جدي مش بيحبه، وإنه شايفه أقل منه، وإن الأفضل نبعد شوية لحد ما نثبتله إننا نقدر نعتمد على نفسنا. ومع الوقت، بقيت أشوف جدي على فترات متباعدة، وكل مرة كنت بحس إني مقصرة في حقه، من غير ما أفهم إن فيه حاجة غلط بتحصل.
أول ما جدي دخل الشقة وشاف الحيطان اللي الرطوبة واكلة جزء كبير منها، وبص على المرتبة القديمة اللي أنا وآدم بننام عليها، وشاف هدومي المبلولة وصوابعي اللي اتشققت من كتر الغسيل، وشه اتغير تمامًا. قرب مني وسألني بصوت مخنوق مريم… إنتِ عايشة هنا ليه يا بنتي؟
حاولت أضحك وأهوّن عليه. معلش يا جدو، كلها فترة وتعدي. حسام بيشتغل وبيحوش عشان نجيب شقة كويسة، وأنا بساعده على قد ما أقدر. بصلي كأنه مش مصدق اللي بيسمعه. شقة إيه اللي بتحوشوا عشانها؟ قلتله أصل لسه معانا فلوس قليلة، وهو بيقولي إننا قربنا نوصل للمبلغ اللي محتاجينه.
فجأة، جدي حط إيده على صدـ,,ـــره، وكأن الكلام اللي سمعه وجعه. وبعدين صرخ بصوت خلّى الجيران يطلّعوا راسهم من الأبواب الواد ده قالك إنكم لسه بتجمعوا فلوس البيت؟! بصيتله باستغراب. أيوه يا جدو… مالك؟ إنت تعرف حاجة أنا معرفهاش؟
جدي سكت ثواني، وبعدين قال بغضب عمري ما شفته عليه قبل كده حسام ده طلع واطي! ده أنا اللي اشتريتلك بيت من سنتين، ودفعت تمنه كله من جيبي، وهو بنفسه قاللي إنك إنتِ وآدم نقلتوا فيه! حسيت إن رجلي مش شايلاني.
إيه؟! بيت إيه يا جدو؟ أنا معرفش أي حاجة عن الكلام ده! جدي فضل باصصلي، وكأنه بيحاول يستوعب إن حفيدته اللي كان فاكرها عايشة في أمان، كانت بتنام على مرتبة قديمة وبتغسل هدوم الناس عشان تجيب لبن لابنها، بينما البيت اللي اشتراهولها المفروض إنها عايشة فيه.
فتح عربيته، وطلع ملف كبير من الدرج، وخرج منه صورة لفيلا واسعة، قدامها جنينة وبوابة حديد ضخمة، وشبابيكها كبيرة، وواجهتها متشطبة بالحجر الفاخر. حط الصورة قدامي وقال البيت ده يا مريم. تمنه 12 مليون جنيه. اشتريته باسمك عشان تبقي إنتِ وآدم في أمان، ومحدش يقدر يذلكم في يوم من الأيام.