رجعت من السفر محمد نور
اللي حصل.
في الأسابيع الأولى، داليا كانت بتشتكي من الصداع وصعوبة النوم.
أوقات كانت بتصحى مڤزوعة، وأوقات تانية كانت تفضل باصة ناحية باب الشقة، كأنها خاېفة تشوف أمها داخلة عليها فجأة.
بدأنا نستعين بمتخصصة نفسية تساعدها تتجاوز اللي حصل، وكنت بحاول أديها الوقت والمساحة اللي تحتاجهم من غير ما أضغط عليها.
وأنا كمان بدأت أغيّر حياتي.
طلبت تعديل مواعيد شغلي علشان أقلل السفر، وبقينا نحاول نتعشى مع بعض كل يوم من غير موبايلات على الترابيزة.
بدأت أسأل داليا عن الجامعة، وصاحباتها، والحاجات اللي مضايقاها، حتى لو كنت شايفها بسيطة.
واكتشفت إنها كانت خلال الفترة اللي فاتت خاېفة تخسر منحتها الدراسية، لأن الخناقات في البيت كانت بتمنعها من التركيز في المذاكرة.
اتكسفت من نفسي لما عرفت قد إيه كنت بعيد عن تفاصيل حياتها.
بعد حوالي تلات شهور، سماح طلبت تقابل داليا علشان تتكلم معاها.
داليا وافقت تقابلها في كافيه، بشرط إني أكون معاها.
لما وصلنا، لقيت سماح شكلها اتغير. كانت خسّت، وتحت عينيها هالات واضحة، وباين عليها الإرهاق.
قعدت قدام داليا وحطت جواب على الترابيزة.
قالت لها
أنا مش مستنية إنك تسامحيني النهارده. أنا بس عايزاكي تعرفي إني ندمانة.
داليا فتحت الجواب وبدأت تقرأه في صمت.
بعد ما خلصت الصفحة الأولى، رفعت عينيها وقالت
ماما، تعرفي إيه أكتر حاجة وجعتني؟
سماح هزت راسها وهي بټعيط.
داليا كملت
إني لما وقعت على الأرض، كنت لسه مستنية إنك تحضنيني وتساعديني.
الدموع نزلت على وش سماح.
سامحيني يا بنتي.
داليا سكتت شوية، وبعدها قالت
أنا كنت بحبك أوي يا ماما، ولسه فيه جزء مني بيحبك. لكن دلوقتي بقيت بخاف أثق فيكي.
سماح حاولت ترد، لكن داليا كملت كلامها
يمكن في يوم نقدر نبني علاقتنا من جديد، لكن مش عايزاكي تضغطي عليّا علشان أسامحك لمجرد إنك أمي.
كانت دي أول مرة أسمع بنتي بتتكلم بالقوة والوضوح ده.
سماح هزت راسها وهي بټعيط.
ما حصلش حضڼ، ولا مصالحة مفاجئة، ولا رجع كل شيء زي الأول.
داليا حطت الجواب في شنطتها، وقمنا ومشينا.
في اللحظة دي فهمت إن بعض الچروح ما بتتعالجش بمجرد كلمة آسفة.
هي محتاجة وقت، وتحمل للمسؤولية، وتغيير حقيقي في التصرفات.
بعد شهور، داليا رجعت تسوق عربيتها.
العربية كانت لسه قدام البيت، زي ما سابتها قبل اليوم اللي حياتنا كلها اتغيرت فيه.
راجعنا أوراقها، واتأكدنا إنها لسه مسجلة باسمها، وإن محاولة البيع ما تمتّش.
في صباح من الصباحات، طلبت مني أوصلها للجامعة.
ركبت جنبي، وفضلت تسوق بهدوء لحد ما وصلنا.
قبل ما تنزل، فضلت باصة لعجلة القيادة شوية، وبعدها قالت
بابا، ممكن أقول لك حاجة؟
قلت لها
طبعًا يا حبيبتي.
قالت
زمان كنت فاكرة إن العيلة هي المكان اللي محدش ممكن يأذيكي فيه.
سكت، وسبتها تكمل.
دلوقتي فهمت إن حتى الشخص اللي بيحبك ممكن يوجعك أوي. لكن فهمت كمان إني مش مجبرة أقبل الأڈى علشان أحافظ على علاقتي بيه.
حسيت بغصة في حلقي وقلت
عندك حق يا بنتي.
ابتسمت وقالت
شكرًا إنك صدقتني.
هزيت راسي وقلت
أنا اللي المفروض أشكرك، علشان لقيتي الشجاعة إنك تحكي لي الحقيقة.
نزلت داليا من العربية، ومشيت ناحية بوابة الجامعة.
فضلت أراقبها لحد ما اختفت وسط الطلبة.
وفي الصباح ده، فهمت إن جوازي من سماح ما انتهيش بالنسبة لي يوم ما اكتشفت الديون.
ولا يوم ما لقيت التوقيع المزوّر.
ولا حتى يوم ما شفت التسجيل.
بالنسبة لي، كل حاجة انتهت في اللحظة اللي مراتي بصت فيها لبنتنا وهي مغمى عليها، وقررت إن مشاكلها المالية أهم من إنها تمد إيدها وتساعدها.
إحنا عشنا 22 سنة في بيت واحد، وشاركنا بعض تفاصيل كتير وذكريات أكتر.
لكن عشرين