الشباك مش بتاعي

إيه؟ ضحك بسخرية عايزك تدفعي.. ببساطة. قلت على أساس إيه؟ على أساس إن الشباك وقع من بيتك. قلت وإنت شفت الشباك وهو بيقع من بيتي؟ رد فورًا أيوه. بنفسك؟ سكت لحظة، وبعدين قال فيه ناس كتير شافته، مش مهم أنا شفته ولا لأ، المهم إن كل الأدلة ضدك. ابتسمت الأدلة؟ أيوه. عندك صور؟ فيديو؟ تقرير فني؟ محضر؟ أي حاجة تثبت إن الشباك كان تابع لشقتي؟ سكت.. واضح إنه ما كانش متوقع مني الأسئلة دي، لكنه رجع لنبرته المتعالية وقال بصي، أنا مش فاضي للجدال ده، قدامك حل واحد تدفعي الفلوس ونقفل الموضوع. ولو مدفعتِيش؟ قلت إيه؟ ضحك هتعرفي. وبعدين قال جملة غريبة عندي معارف في الشرطة، ومش هيبقى صعب أوي نخليكي تقضي كام سنة ورا القضبان.
سكت.. المفروض إن أي واحدة تسمع تهديد زي ده تخاف، لكن أنا؟ كنت حاسة بحاجة تانية.. كنت حاسة إنهم مستعجلين جدًا، مستعجلين لدرجة إنهم حتى ما استنوش الشرطة تحقق، ولا استنوا تقرير فني، ولا استنوا أي جهة تحدد المسؤول. هم بالفعل حكموا، وأصدروا الحكم، وحددوا المبلغ.. والأغرب إنهم عايزين الفلوس دلوقتي.
قلت له تمام.. أنا مستنياك. سألني باستغراب مستنياني فين؟ قلت في المحكمة. وسكت لحظة، وبعدين كملت أو في النيابة، أو حتى عند الشرطة زي ما حضرتك بتحب.. اختار المكان اللي يناسبك. وقبل ما يرد، قفلت المكالمة.
حطيت الموبايل على المكتب، لكن بدل ما أرجع لشغلي، فضلت أبص للشاشة. الموضوع مش طبيعي أبدًا.. لو كانت حادثة فعلًا، كان الطبيعي إن إدارة الكومبوند تتصل بيا وتقول حصل حادث ونشوف المسؤول مين، لكن إنهم يتصلوا بيا من أول دقيقة ويقولوا إنتِ هتدفعي تسعة مليون، وبعدين واحد غريب يهددني بالحبس… يبقى الموضوع أكبر من مجرد شباك وقع.
فتحت سجل المكالمات، ولحسن حظي كان تسجيل المكالمات شغال، كل كلمة اتقالت كانت متسجلة. حفظت التسجيل في أكتر من مكان، وبعدين اتصلت بصاحبتي ندى. ندى كانت محامية، ومش أي محامية.. كانت متخصصة في القضايا الجنائية والاقتصادية، ومعروفة إنها ما بتسيبش تفصيلة صغيرة تعدي.
أول ما ردت، قلت ندى، محتاجة أشوفك. في إيه؟ عندي قضية تسعة مليون جنيه. سكتت لحظة إنتِ بتتكلمي جد؟ جدًا.
حكيت لها اللي حصل.. في البداية ضحكت، لكن لما قلت لها إن الشقة أصلًا مفيهاش شبابيك، صوتها اتغير استني.. إنتِ بتقولي إن الشقة مفيهاش شبابيك؟ أيوه. يعني حتى إطارات الشبابيك مش موجودة؟ ولا إطار واحد. سكتت، وبعدين قالت مريم، متتحركيش خطوة واحدة قبل ما أوصل.. ابعتيلي تسجيل المكالمة، وصوري لي كل أوراق الشقة والعقد ومحضر الاستلام، ولو عندك أي صور قديمة للشقة وهي على الطوب ابعتيها لي. قلت حاضر. وبعدين سألتها إنتِ شايفة إيه؟ ردت بعد لحظة شايفة إن فيه حد بيحاول يحط حادثة متعمدة فوق دماغك.. ولازم نعرف مين.
قفلت المكالمة، وفي نفس اللحظة جالي إشعار على موبايلي؛ رسالة من رقم مجهول.. فتحتها، كانت عبارة عن صورة.. صورة للعربيات اللي اتكسرت قدام العمارة؛ تمن عربيات فارهة مصطفين تحت المبنى، والزجاج محطم في كل مكان، وفي منتصف الصورة كان فيه شباك ضخم واقع على الأرض. قربت الصورة وبصيت للشباك، وبعدين كبرت الصورة أكتر، وفجأة اتجمدت مكاني.. لأن على طرف إطار الشباك كان فيه شيء واضح جدًا، شيء أنا متأكدة مية في المية إنه مستحيل يكون موجود في شقتي!
فضلت ماسكة الموبايل وببص للصورة.. في الأول افتكرت إني يمكن شايفة حاجة غلط، كبرت الصورة مرة تانية وبعدين مرة تالتة. إطار الشباك كان متكسر والزجاج متناثر حوالينه، لكن في الجزء السفلي من الإطار كان فيه شريط معدني صغير، شريط لونه فضي وعليه علامة محفورة. أنا أعرف العلامة دي كويس لأنها كانت علامة شركة المقاولات اللي بنت العمارة، لكن المشكلة مش هنا.. المشكلة إن العلامة دي كانت محفورة على الإطارات الأصلية اللي الشركة ركبتها في الشقق الجاهزة، أما شقتي أنا؟ ما كانش فيها أي إطار أصلًا.
قعدت أبص للصورة وأنا حاسة إن كل حاجة بدأت تركب في دماغي. اتصلت بندى تاني، ردت بسرعة لقيتي حاجة؟ قلت أيوه. إيه؟ الشباك اللي وقع مش بتاعي. سكتت متأكدة؟ مية في المية. ليه؟ بعتلها الصورة، وبعد أقل من دقيقة ردت مريم، إنتِ متأكدة إن الصورة أصلية؟ أيوه. طب استني، متعمليش أي حاجة، أنا جاية عندك. قلت أنا أصلاً راجعة النهارده، أول ما أوصل هروح الكومبوند. قالت بجدية لأ، متروحيش لوحدك، استنيني أنا هقابلك هناك. وافقت وقفلت معاها.
بعدين فتحت ملف الشقة على اللابتوب. أنا من النوع اللي بيحتفظ بكل ورقة عقد الشراء، محضر الاستلام، رسومات الوحدة، تقارير المعاينة، حتى الصور اللي كنت مصوراها يوم استلمت الشقة. فتحت الصور القديمة؛ الصورة الأولى كانت من الصالة حيطان خرسانة، أرضية أسمنت، وفي الخلف فتحة شباك ضخمة من غير أي إطار. الصورة التانية من غرفة النوم نفس الكلام، فتحة في الحائط ولا شباك. الصورة التالتة كانت أوضح أنا واقفة قدام الواجهة الخارجية، وفي الخلف باين إن كل الشقق اللي تحت مركب فيها شبابيك بالفعل، أما شقتي في آخر دور فكانت الواجهة مفتوحة لأنها كانت لسه مستلمة خام.
فتحت محضر الاستلام وقريت البند الخاص بالواجهات تم استلام الوحدة بحالتها الإنشائية، دون أعمال التشطيب الداخلي، ودون تركيب الأبواب والشبابيك الداخلية والخارجية الخاصة بالوحدة. وقفت عند الجملة دي.. صورة للمحضر، صورة للشقة، تسجيل المكالمة.. كل حاجة كانت في صالحي.
لكن السؤال الأهم كان لو الشباك مش بتاعي.. فهو جه منين؟
وبعدين افتكرت حاجة؛ مدير الإدارة قال إن الشباك وقع من الدور الأخير، لكن البنتهاوس بتاعي كان في جزء من المبنى أعلى من باقي الشقق، يعني لو شباك وقع فعلًا من فوق، لازم يكون مساره واضح، وكمان لازم يكون فيه أثر على واجهة المبنى. دخلت على صور الحادث اللي بعتوهالي، كبرت الصورة وفعلًا.. فيه خدش طويل جدًا على واجهة المبنى، لكن الخدش ما كانش تحت شقتي مباشرة، كان على بعد حوالي ستة أمتار ناحية اليمين! يعني الشباك لو وقع من شقتي مستحيل ياخد المسار ده إلا لو حد رماه من مكان تاني.
حسيت بقشعريرة في جسمي.. فتحت تسجيل المكالمة، رجعت لصوت صاحب البنتلي الشباك وقع من بيتك.. عندي معارف في الشرطة.. لو مدفعتِيش…. وقفت التسجيل، الجملة دي بالذات بدأت تضايقني، لأن الشخص اللي واثق من موقفه قانونيًا مش محتاج يهددني بالسجن، كان ممكن ببساطة يعمل محضر، لكن هو كان عايز حاجة واحدة إني أخاف وأدفع قبل ما أي حد يحقق.
وصلت محطة القطار، لقيت ندى مستنياني في العربية. أول ما ركبت ما سلمتش حتى، قالت وريني كل حاجة. طلعت اللابتوب وريتهالها الصور، قعدت تقلب في المستندات، وبعد حوالي عشر دقايق قالت أنا عندي رأيين. أول واحد؟ إن حد ركب شباك في شقتك من غير علمك. بصيت لها مستحيل. أو إن الشباك أصلاً مش من شقتك، وحد بيحاول ينسبه ليكي. قلت وأنا أميل للتاني. هزت راسها وأنا كمان.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *