امي حلقـ.ـت شعر مراتـ.ـي حكايات انجي الخطيب

دموعها نزلت، بس المرة دي كانت دموع الفرحة..
— أنت لسه فاكر حلمي يا ياسين؟
مسكت إيدها وبصيت في عينيها بثبات:
— أنا ما نسيتش ولا كلمة ولا حلم حلمناه سوا في الأربع سنين اللي فاتوا. الفلوس راحت وجت، بس أنتِ اللي باقية، وحلمك هو اللي هنبدأ بيه حياتنا بجد.

ح. ضنتني بكل قوتها.. ولأول مرة من يوم ما دخلت بوابات مصر، حسيت إن الغربة انتهت بجد، وأن المفاجأة اللي كنت ناوي أعملها زمان.. تمت النهاردة.
مرت سنتين كمان..

اليوم ده كان افتتاح “مخبز سارة”. المحل كان منور بالنور الأبيض الشيك، وريحة الفانيليا والغرفة والمخبوزات الطازة مالية الشارع كله. الناس كانت واقفة طابور بره منتظرة تشتري، وسارة واقفة ورا الفترينا الزجاجية لابسة المريلة البيضا، شعرها الناعم الطويل رجع لغايت نص ضهرها زي زمان وأحسن، وعلى وشها ضحكة صافية منسية من سنين.

كنت واقف بعيد شوية بتفرج عليها وبشرب قهوتي، وقلبي طاير من الفرحة إن الوش الهزيل اللي شفته جنب الغسالة زمان، بقى هو نفسه الوش اللي منور المحل النهاردة.
وفجأة.. شفت حركة غريبة قدام باب المحل.

واحدة ست كبيرة قاعدة على كرسي متحرك، لافة طرحة قديمة على رأسها، وجنبها بنت باين عليها الهم والتعب، لابسة عباية سودا دايبة، ومسكين كيس بلاستيك فيه شوية مناديل بيبيعوها للمشاة. كانت أمي.

. وداليا. داليا كانت بتزق الكرسي بخطوات مكسورة، وشها هربان منه الشباب، وبصات عينيها للأرض مش قادرة ترفعها في وش حد. أول ما وقفت قدام المحل ولمحت سارة من الزجاج، اتجمدت مكانها.
أمي رفعت رأسها ببطء، وعينيها جت في عين سارة.. وبعدين جت في عيني أنا وأنا واقف قريب.

الزمن وقف بيهم لحظة. أمي شفاهها اترعشت، ودمعة نازلة على خدها المجعد، كان فيها كل معاني الندم والكسرة والحسرة على العز اللي رموه بإيديهم عشان شوية طمع وزيوف. داليا سحبت الكرسي بسرعة لورا، ولفوا ضهرهم وبدأوا يمشوا في الزحمة وهما بيطأطؤوا رأسهم.

سارة بصتلي، وجت عيني في عينها. ما كانش في عينها أي غل ولا شتيمة.. كان في عينها بس “الحمد لله” على النعمة والستر والعدل اللي شافته بعينيها.
قربت منها، ومسكت إيدها قدام كل الناس، وقولتلها بصوت دافي:
— جاهزة للبداية الجديدة يا سارة؟

بصتلي وبصت للمحل وللناس اللي بيضحكوا، وهزت رأسها بابتسامة الملوك:
— أنا بدأت من اليوم اللي اخترتني فيه يا ياسين.. والنهارده، القصة اتقفلت صح.
وقفلنا باب الماضي ورا ضهرنا للأبد، ومشينا في طريقنا اللي اخترناه بضمير نقي وحب ما تكسرش.
تمت
حكايات انجى الخطيب

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *