سجين الصمت ج٣ شروق خالد
. سحبني من إيدي بقوة ودفا، وقومني من على الأرض وهو ساندني بجسمه: “اجري معايا.. متخافيش، ماسكك!”جرينا في زقاق ضيق ورا الشارع الرئيسي، والدخان بيغطي أثرنا. صوت رجالة سليم وهم بيصرخوا في الضباب كان بيبعد بالتدريج.
دخلنا عمارة قديمة ومفتوحة، حمزة زق الباب الخشب التقيل وقَفَله بضبتين من جوة، وسند ضهره على الباب وهو بينهج بشدة وصدره بيطلع وينزل زي الحداد. سحب نفس عميق وبصلي بنظرة مليانة كمية عتاب وغضب وجنون تجنن:”هربتي؟!
” قالها بصوت واطي بس يرعب أكتر من صوت الرصاص: “خرجتي لسليم العطار برجليكي يا أمل؟! كنتِ فاكرة إنك بتهربي مني.. بس كنتِ رايحة للمـ,ـوت اللي هيحرمك من ابنك للابد!”أنا انهرت وقعدت على أول درجة في السلم وأنا بمسح دموعي وشهقاتي متتالية:”أنا خفت!
خفت منك ومن القفص اللي حبستني فيه! خفت ابني يكبر يشوف أمه سجينة وأبوه سفاح بيمـ,ـوت الناس في الشوارع!”حمزة قرب مني بخطوات ثقيلة، ونزل على ركبته قدامي على خرسانة السلم الساقعة. مسك إيديا الاثنين وحطهم على صدره عند قلبه اللي كان بيلطش بقوة، وبص في عينيا بنظرة مكسورة عمري ما شفتها في حياتي من زعيم عيلة الشاروني:”أنا سفاح عشان بخلي الشوارع دي تخاف تدوس عليكي!
أنا بملأ إيدي بالدم عشان القذرين اللي زي سليم العطار ما يوصلوش لشعرة منك أو من الواد ده!”سكت لثانية، ونزلت دمعة سخنة من عينه اختلطت بالدـ,ـم اللي على خده، وهمس بصوت مبحوح:”أنا مبعرفش أحب غير كده يا أمل.. بحمي ملكي بالقسوة لأن العالم ده مابيرحمش الضعفاء.
لو كنتِ عايزه تكرهيني اكرهيني.. بس محتاجة تفهمي حاجة واحدة: الهروب مني مش هيجيبلك الحرية، الهروب مني هيمـ,ـوتنا إحنا التلاتة.”فجأة، وبدون مقدمات، حسيت بصرخة مغص شديدة شقت بطني من جوة، وجع رهيب خرم ضهري وخليتني أصرخ بعالي صوتي وأنا بمسك في قميص حمزة بكل قوتي:”اااااااه!
حمزة!! الحقني يا حمزة.. الواد بيطلع!!”حمزة اتخض وشّه وبقى أبيض زي الملاية، وبص للدم اللي بدأ ينزل على رجليا تحت العباية..الخوف الصافي شل حركة أعتى مجرم في البلد، وهو باصصلي بذهول ورعب حقيقي: “أمل؟! لا.. مش وقتها! أنتِ في الشهر السابع!!”#حكايات_شروق_خالد”حـمزة! مش قادرة.. ااااه!
“صرخت صرخة شقت السكون المرعب اللي في السلم المظلم. الوجع كان زي سكاكين بتمزع بطني وضهري، ورجليا مابقتش شايالاني. مسكت في ياقة قميصه الأسود بكل قوتي، وضوافري غرزت في رقبة الراجل اللي هز إمبراطورية كاملة، بس دلوقتي واقف قدامي مرعوب ومكتوف الإيدين.