حمايا حذرتني احمد عمار
كانوش يعرفوا إن أكتر شخص كانوا مستهينين بيه
هو أنا.
أنا اللي غيرت كلمات السر.
أنا اللي احتفظت بالنسخ.
أنا اللي طلبت مساعدة.
أنا اللي رفضت أمضي.
وأنا اللي لما سمعت التسجيل
ما رجعتش البيت.
بعدها بأيام، بعتلي جوزي رسالة.
كتب
لو رجع الزمن، كنت هقولك كل حاجة.
قريتها.
وبعدين قفلت الموبايل.
لأن في حاجات لو عرفتها بدري، كان ممكن تنقذ علاقة.
وفي حاجات لو عرفتها بدري، كان لازم تهرب.
وأنا للأسف
عرفت متأخر.
لكن مش متأخر لدرجة إني أخسر نفسي.
بعد سنتين من اللي حصل، كنت في المركز التعليمي.
واحدة من الموظفات دخلت عليّ.
قالت
في ست بره عايزة تقابلك.
مين؟
بتقول إنها قريبة من جوزك.
خرجت.
لقيت حماتي.
كانت واقفة لوحدها.
شكلها اتغير جدًا.
قالت
ممكن نتكلم؟
قلت
اتفضلي.
قعدت.
سكتت شوية.
وبعدين قالت
أنا كنت غلطانة.
ما رديتش.
كنت فاكرة إني لما أحمي ابني، أبقى أم كويسة.
سكت.
بس أنا ما كنتش بحميه.
دموعها نزلت.
كنت بعلمه إنه كل ما يغلط، حد تاني يدفع الثمن.
فضلت ساكتة.
قالت
الشقة مش كانت تستاهل كل ده.
قلت
الموضوع عمره ما كان الشقة.
بصتلي.
عارفة.
كان إنكم قررتوا إن من حقكم تتحكموا في حاجة تخصني.
هزت راسها.
عارفة.
قامت.
وقبل ما تمشي، قالت
ابني دفع تمن اللي عمله.
قلت
وأنا كمان دفعت.
بس إنتِ خرجتي.
بصيت لها.
أيوه.
وأنا خسړت ابني.
قلت
هو اللي اختار الطريق.
مشيت.
وأنا لأول مرة ما حسيتش پغضب.
حسيت براحة.
لأن القصة أخيرًا اتقفلت.
لكن لسه في حاجة واحدة كانت ناقصة.
حمايا.
اتصلت به.
قلت
بابا، أنا عايزة أشوفك.
قابلته.
كان أهدى من الأول.
قعدنا في مكان بسيط.
قلت له
ليه دخلت الحمام يومها؟
ضحك.
كنت خاېف ما تخرجش.
ضحكت.
وكنت حاطط الفلوس في إيدك عشان ما تفتكريش.
تفتكر إيه؟
قال
تفتكري إن الموضوع مجرد خلاف عائلي.
سكت.
كنت عايزك تفهمي إن لازم تمشي فورًا.
قلت
وإنت كنت عارف إن في خطړ؟
قال
أيوه.
ولو ما خرجتش؟
بص بعيد.
كان ممكن الموضوع يوصل لمرحلة أسوأ.
قلت
ليه؟
قال
لأن الراجل اللي كان بيضغط على ابني كان عارف إنك آخر ورقة.
سكت.
وبعدين قال
بس هو ما كانش يعرف إنك أقوى من الورقة اللي شايفها.
ابتسمت.
وقلت
ولا أنا كنت أعرف.
بعد كل اللي حصل، احتفظت بالموبايل القديم.
مش عشان التسجيل.
لكن عشان يفضل فاكرني بالليلة اللي فهمت فيها إن الخطړ مش دايمًا بييجي في شكل شخص پيصرخ.
أحيانًا الخطړ بييجي في شكل ابتسامة.
أحيانًا في شكل أم تقول
أنا بس بسأل.
أحيانًا في شكل زوج يقول
إنتِ مش فاهمة شغلي.
وأحيانًا في شكل ورقة بسيطة جدًا
تطلب منك توقيع.
لكن أكبر درس اتعلمته كان جملة حمايا
ما تمضيش على أي ورقة من غير ما تقريها.
وقتها كنت فاكرة إنه بيتكلم عن الشقة.
بعدها فهمت إنه كان بيتكلم عن حياتي كلها.
أما الشقة
ما بعتهاش.
ولا رهنتها.
ولا خليت حد يقرب منها.
فضلت باسمي.
وبعد فترة، بطلت أعتبرها مجرد فلوس.
بقت بالنسبة لي رمز لحاجة واحدة
إن الإنسان لازم يكون عنده مساحة تخصه.
مش بس شقة.
لكن قرار.
وصوت.
وحياة.
والأغرب
إن بعد مرور وقت طويل، لقيت في صندوق قديم عندي ورقة صغيرة جدًا.
كانت مكتوبة بخط حمايا.
واضح إنه كتبها قبل ما ييجيلي يوم الهروب.
كان مكتوب فيها
لو اضطريت تختار بين رضا الناس وسلامتك اختار سلامتك.
احتفظت بالورقة.
وحطيتها جنب مفتاح الشقة.
كل ما أشوفها، أفتكر الليلة دي.
ليلة خرجت فيها من بيت عشت فيه ٩ سنين.
من غير شنطة.
من غير هدوم.
من غير ما أعرف رايحة فين.
وفي إيدي ٥ آلاف جنيه.
لكن كان معايا حاجة أهم من الفلوس كلها.
الحقيقة.
وبعد كل اللي حصل، بقيت أعرف إن في سؤال لازم يتسأل قبل أي حاجة
ليه؟
ليه عايزني أمضي؟
ليه عايزني أبيع؟
ليه أخبي؟
ليه آخد صورة بطاقتي؟
ليه أرجع البيت؟
ليه ما أعرفش؟
لأن الشخص اللي بيطلب منك حاجة من غير ما يسمح لك تعرف السبب
غالبًا عنده سبب ما يحبش تعرفه.
أما جوزي، فآخر مرة شفته فيها كانت بعد انتهاء جزء كبير من الإجراءات.
وقف قدامي.
وقال
كنتِ ممكن تنقذيني.
بصيت له.
وقلت
لأ.
استغرب.
ليه؟
قلت
أنا حاولت أنقذك من نفسك قبل كده.
إمتى؟
كل مرة سألتك فيها في إيه؟
سكت.
كل مرة كنت بقولك قول الحقيقة.
وأنا كذبت.
بالضبط.
قلت
أنا ما سبتكش عشان الديون.
أمال؟
سبتك لما فهمت إنك كنت مستعد تعرضني للخطړ عشان تهرب من نتائج اختياراتك.
ما ردش.
قلت
الفلوس كانت مشكلة.
والخېانة؟
سكت.
الخېانة كانت إنك عرفت إن في خطړ وسكت.
مشي.
وأنا ما ناديتش عليه.
بعدها بفترة، بدأت حياة جديدة.
مش حياة مثالية.
لكن حياة هادية.
اشتغلت أكتر.
وسعت المركز.
اشتريت أجهزة جديدة.
وظفت ناس.
وبقيت أعيش في شقتي.
كل شهر لما الإيجار يدخل، كنت أفتكر إن في وقت كنت ممكن أخسرها.
مش بسبب البيع فقط.
لكن بسبب إني كنت مصدقة إن بيتي هو المكان اللي المفروض أكون فيه بأمان.
واتعلمت إن الأمان مش عنوان.
الأمان هو إنك تكون قادر تقول لأ.
من غير ما تخاف.
وفي آخر مرة سمعت فيها التسجيل
سمعت صوت الراجل وهو بيقول
الشقة مش الهدف الحقيقي.
وقتها فهمت حاجة.
هم كانوا عايزين الشقة.
لكنهم كانوا عايزين كمان حاجة تانية
إنهم يخلوني أشك في نفسي.
إنهم يخلوني أحس إن رفضي أنانية.
إن خۏفي مبالغة.
إن أسئلتي تدخل.
إن ملكيتي حق مشترك.
وإن جوازى معناه إن كل حاجة عندي بقت حق لغيري.
لكنهم فشلوا.
لأن في اللحظة اللي بدأت أشك فيها
بدأت أدور.
وفي اللحظة اللي دورت فيها
الحقيقة ظهرت.
وأحيانًا
النجاة مش بتكون إنك تعرف كل حاجة.
النجاة إنك تعرف إمتى تمشي.
حتى لو مش فاهم.
حتى لو كل الناس بتقولك
إنتِ بتكبري الموضوع.
حتى لو الشخص اللي بيحذرك هو آخر شخص كنت متوقع إنه ينقذك.
لأن في اللحظة اللي حمايا حط فيها ٥ آلاف جنيه في إيدي، أنا ما كنتش فاهمة حاجة.
كنت فاكرة إني بهرب من مشكلة عائلية.
لكن لما وصلت لمكان آمن وسمعت التسجيل
فهمت.
إنهم ما كانوش بيحاولوا ياخدوا شقتي بس.
كانوا بيحاولوا يخفوا حقيقة ممكن تدمر حياة أكتر من شخص.
وإن حمايا، رغم سكوته الطويل، كان الشخص الوحيد اللي قرر في النهاية يكسر الصمت.
دلوقتي، لما حد يسألني
إنتِ ندمانة إنك خرجتي؟
بقول
لأ.
أبدًا.
ولو رجع بيا الزمن لنفس اللحظة
نفس الحمام.
نفس الباب.
نفس الخۏف.
نفس الخمسة آلاف جنيه.
ونفس الصوت اللي بيقول
لو عايزة تنجي بنفسك اخرجي من البيت دلوقتي.
كنت هخرج.
من غير ما أسأل.
لأن في بعض اللحظات
السؤال ممكن يستنى.
لكن النجاة
لأ.
النهاية.