غدر تحت سقف واحد ج٢ منى السيد
الورقة وقعت على البلاط عند رجلي بصوت كأنه قنبلة انفجرت في البيت. المحضر نزل السلالم وسابني متيبسة، صوابعي مش قادرة تتني، وعيني متبتة في الختم الأحمر الكبير اللي مكتوب فيه محكمة شمال القاهرة الابتدائية إعلان دعوى طرد وإخلاء.
مديت إيدي وأنا بترعش، خطفت الظرف من على العتبة، ودخلت وقفلت الباب بالترباس وسندت عليه بضهري لحد ما اتزلقت وقعدت في الأرض، وبدأت أقرأ الكلام اللي يوقف الدم في الشرايين. إبراهيم… الأخ الكبير، اللي متغرب بقاله اتناشر سنة، مسوي كل ورقه مع محامي من ورا ضهر أخوه، ورافع قضية بيقول فيها إن الشقة دي ملكية خاصة بيه اشتراها بعقد ابتدائي من والده قبل ما يموت، وإن حامد قاعد فيها على سبيل الاستضافة، والمطلوب إخلائها وتسليمها خالية من الأشخاص والشواغل!
قعدت مكاني مش بنطق، الدموع كانت نشفت في عيني من هول المفاجأة، وبدأت أفتكر شريط السنين كله بيمر قدام عيني زي الدخان. افتكرت المرحوم حمايا لما قعد تلات سنين طريح الفراش، بيغير هدومه بالعافية، وحامد هو اللي كان بيشيله ويحميه ويديله العلاج بالملعقة. إبراهيم كان كل ست شهور يبعت خمسمية درهم ويقول دي مصاريفي
لأبويا ومش قادر أنزل عشان الإقامة، وساعتها حامد كان يبيع اليومية بيوميتها ويستلف عشان يجيب لأبوه بامبرز الكبار ودوا الجلطة!
الساعة دقاتها كانت زي الرصاص في دماغي. المغرب أذن، وبعدها العشا، والباب اتفتح ودخل حامد. كان شكله مهدود الحيل أكتر من العادة، وشايل في إيده كيس أسود صغير فيه شوية خضار ولقمة بسيطة للعشا، وأول ما بص في وشي، اتخض، رمى الكيس على الرخامة وقرب مني نادية! مالك يا ولية؟ وشك مخطوف كده ليه، إسلام تعبان؟ البت حصلها حاجة؟
مردتش عليه، شلت إيدي من على الترابيزة ومديتله الظرف الأبيض المقفول.
أخده مني وهو مستغرب، فتح الورقة وبدأ يقرأ. في الأول، شفت عينيه بتتحرك بسرعة بين السطور، وبعدين حركة عينه وقفت… وتجمدت ملامحه. شفايفه بدأت تترعش وهو بيعيد قراءة السطر التالت والرابع، وفجأة رمى الورقة في الأرض كأنها جمرة نار ده كدب! ده ورق مزور! إبراهيم ميعملش كده! إبراهيم أخويا الكبير، لحمي ودمي، ده أنا لسه الصبح شايل ابنه في طوارئ المستشفى ودافع دم قلبي عليه!
قومت وقفت ومسكت دراعه بقوة فوق بقى يا حامد! فوق من غيبوبة الأخ والأصل والواجب دي! الورقة دي عليها أختام المحكمة، وجاتلك من محامي واخد توكيل رسمي من السفارة في دبي! أخوك مش شايفك، أخوك عاوز يرميني أنا وعيالك في الشارع عشان مراته توسع على نفسها، وأمك تحت عارفة وراضية وبتقولي البيت ده بتاع الكبير!
حامد فضل باصص للورقة وعينيه مليانة دموع محبوسة رافضة تنزل، دموع الراجل لما بيتكسر من أقرب الناس ليه. مفيش ثانية إلا ولقيته فتح باب الشقة ونزل درجات السلم زي الطوفان، ونزلت وراه بجري عشان خفت يعمل في نفسه حاجة أو يتهور.
نزل خبط على باب شقة أمه برزع هز العمارة كلها افتحي يا أمي! افتحي يا حجة!
الباب اتفتح، وخرجت حماتي متفاجئة من المنظر، ووراها طلعت سلفتي من باب شقتها التانية متزوقة ولابسة إسدالها وبتبص باستعلاء.
حامد رفع الورقة في وش أمه، وصوته كان بيطلع مبحوح كأنه بيصرخ من بير غريق ده إيه يا أمي؟! ده إيه اللي جايلي على إيد محضر؟! إبراهيم باعت يطردني أنا وعيالي من بيت أبويا؟! بقى دي آخرتها بعد ما شلت أبويا تلات سنين على ضهري وهو مرمي في الغربة؟! ده جزاتي عشان شلت ابنه الفجر وجريت بيه في الشوارع وصرفت عليه من لحم الحي ولقمة عيالي؟!
حماتي وشها بهت شوية، بس بسرعة رسمت الجمود على ملامحها وبصت بعيد، وقالت بنبرة نشفة مفيهاش ذرة حنية اهدى يا حامد وبلاش فضايح في العمارة، الصوت عالي والجيران سامعين. إبراهيم مبيطردكش، إبراهيم بيتكلم في حقه! الشقة دي من يومها مكتوبة باسمه وأبوك الله يرحمه كتبهاله بيع وشرا لما سافر عشان فلوسه هي اللي حطت أساس البيت ده. وإنت قعدت واستريحت وخلفت وربيت عيالك ولا دفعت إيجار ولا سهمت في طوبة! هو عاوز حقه يستثمره، إيه الغلط في كده؟
الكلام نزل على حامد زي المرزبة، رجع خطوة لورا وسند على درابزين السلم، وبص لأمه بصة خلت قلبي يتقطع عليه، كأنه عيل صغير أمه اتخلت عنه في زحمة الشارع. وفي اللحظة دي، طلعت سلفتي تبتسم ابتسامة خبيثة وقالت ببرود يقهر هو مش حامد بيه كان بيسأل على ألف وخمسمية جنيه بتوع علاج الواد الصبح والست نادية جاية تعايرني بيهم؟ أهو البيه الكبير بيصفي الحسابات كلها مرة واحدة عشان محدش يبقى له جمايل على حد!
حامد رفع عينه وبصلهم الاتنين، وفجأة كل الضعف اللي كان فيه اتبخر، واتحول لبرود غريب ومخيف. مسح وشه بإيديه المليانة شقى، وقال بصوت واطي بس هادي جداً تمام… ده حقكم؟ وده أصلكم؟ تمام يا حجة، تمام يا مرات
لمحة نيوز