خمس سنين اعمى

عنده وعد.
وعد لنفسه.
إن أول شخص يشوفه لما نظره يتحسن
هيكون صوفيا.
بعد أسابيع، قدر يميز الوجوه من مسافة قريبة.
وفي يوم
دخلت صوفيا المكتبة.
وقفت قدامه.
أستاذ مالك؟
مالك ابتسم.
تعالي.
قربت.
بتشوف؟
شوية.
طيب شوفني.
مالك بص لها.
في البداية كانت مجرد ملامح صغيرة.
وبعدين
اتجمعت الصورة.
شعر بني.
عينين واسعين.
فستان أصفر.
وابتسامة كبيرة.
مالك سكت.
صوفيا سألت
إيه؟
مالك قال بصوت مبحوح
إنتِ صوفيا.
ضحكت.
أيوه.
شكلك
سكت.
شكلك صغير أوي.
صوفيا ضحكت.
ما أنا تسع سنين.
مالك ضحك لأول مرة بصدق.
صح.
بص للكشاف الصغير المعلق في إيدها.
لسه معاكي؟
طبعًا.
ليه؟
عشان هو اللي خلاك تشوف.
مالك هز راسه.
لأ.
لأ؟
إنتِ اللي خليتيني أشوف.
صوفيا بصت له باستغراب.
أنا؟
أيوه.
سلمى كانت واقفة عند الباب.
مالك بص لها.
وإنتِ كمان.
سلمى ابتسمت.
أنا عملت إيه؟
صدقتي بنتك.
سكت.
في وقت محدش صدقني أنا نفسي.
مرت شهور.
نظر مالك اتحسن بشكل كبير.
مش رجع كامل.
لكن بقى قادر يشوف الوجوه، ويمشي من غير مساعدة، ويقرأ بخط كبير.
والأهم
بقى قادر يشوف الشمس.
البحر.
الأشجار.
والقصر اللي عاش فيه خمس سنين وهو ما يعرفش لونه.
أما فريد
فتم فتح تحقيق رسمي في كل اللي حصل.
وائل اعترف بكل شيء.
واتكشف إن فريد كان بيحاول يستولي على جزء كبير من أموال الشركة، مستغلًا حالة مالك الصحية.
مالك خسر أخوه.
لكنه استعاد حياته.
وبعد سنة
وقف على نفس التراس.
الشمس قدامه.
البحر أزرق.
والسماء صافية.
سمع صوت صوفيا
أستاذ مالك!
لف.
كانت جاية تجري.
إيه؟
فاكر أول مرة شفتني؟
مالك ابتسم.
مستحيل أنساها.
أنا قلتلك وقتها إن عينك بتتحرك مع النور.
وكنتِ عندك حق.
يعني أنا دكتورة؟
لأ.
ليه؟
عشان الدكتور الحقيقي بيعمل فحوصات.
صوفيا زعلت.
يعني أنا ما عملتش حاجة؟
مالك ضحك.
عملتي أهم حاجة.
إيه؟
بص لها.
سألتي سؤال محدش فكر يسأله.
سلمى خرجت ووقفت جنبهم.
وهي أصلًا مبتبطلش أسئلة.
صوفيا ردت
عشان الأسئلة بتكشف الحاجات المستخبية.
مالك سكت.
وبص للبحر.
الجملة دي كانت أبسط من إنها تكون حكمة.
لكنها كانت حقيقية.
هو عاش خمس سنين في الضلمة
مش بس بسبب إصابته.
لكن بسبب كڈبة صدقها الجميع.
طبيب.
أخ.
تقارير.
ناس وثق فيهم.
كلهم أقنعوه إن مفيش أمل.
لحد ما طفلة عندها تسع سنين
دخلت مكتبة ممنوع تدخلها.
ورفعت كشاف صغير.
وسألت سؤالًا بسيطًا
ليه عينيك بتتحرك مع النور؟
السؤال اللي الكل اعتبره فضول طفلة
كان بداية رجوع مالك للحياة.
بعد فترة، اشترى مالك لصوفيا كشاف جديد.
لكن المرة دي
كان أكبر وأقوى.
صوفيا بصت له وقالت
هو أنا كده بقيت شريكتك؟
مالك ابتسم.
في إيه؟
في التحقيقات.
ضحك.
لا.
ليه؟
عشان آخر مرة سألتي سؤال، خلتيني أفتح ملف خمس سنين.
صوفيا ابتسمت.
يبقى المرة الجاية هسأل سؤالين.
سلمى حطت إيدها على رأسها.
يا ساتر.
مالك ضحك.
وبعدين بص للبحر.
الشمس كانت نازلة.
لونها برتقالي.
والسماء بدأت تتحول للوردي.
مالك وقف ساكت.
سلمى سألته
حلوة؟
مالك رد
إيه؟
الدنيا.
مالك أخذ نفسًا عميقًا.
أيوه.
وسكت لحظة.
بس الغريب إني اكتشفت حاجة.
إيه؟
بص لصوفيا.
أنا كنت فاكر إن أسوأ حاجة حصلت لي هي إني فقدت بصري.
وطلعت إيه؟
مالك ابتسم.
أسوأ حاجة كانت إني صدقت إن حياتي خلصت.
سلمى بصت له.
وأحسن حاجة؟
مالك بص للبنت الصغيرة اللي كانت السبب في كل شيء.
إن حد صغير جدًا فكر يسأل سؤال كبير.
صوفيا رفعت الكشاف.
عايز أجربه عليك؟
مالك ضحك.
لأ.
ليه؟
المرة دي أنا شايفك من غيره.
صوفيا ابتسمت.
ومالك بص قدامه.
لأول مرة منذ خمس سنين
ما كانش بيحاول يتذكر شكل الحياة.
كان بيشوفها.
بعيونه.
وبقلبه.
وعرف أخيرًا إن بعض الأبواب ما بتتفتحش بالقوة
ولا بالفلوس
ولا بالنفوذ.
أحيانًا
باب كامل للحياة بيتفتح بسؤال صغير من طفل.
وساعتها
الضلمة اللي عشت فيها سنين
ممكن تنتهي بكشاف أصفر صغير.
وبفضول طفلة عندها تسع سنين.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *