القصه كامله محمد عبده
الجزء الرابع
توقف الطرق على الباب للحظات ثم عاد أقوى. نظر سامح إليّ:
—لا تفتح.
—من هؤلاء؟
—لا أعرف، لكنهم عرفوا أنك هنا بسرعة مستحيلة.
اقتربنا من النافذة بحذر؛ كانت سيارة سوداء متوقفة وبداخلها رجلان، ونزل أحدهما متوجها نحو الباب.
وفي تلك اللحظة رن هاتفي وكان المتصل يوسف بصوت متوتر:
—حسن، لا تتحرك من مكانك.
—ماذا حدث؟
—اكتشفنا شيئًا في ملف الحساب؛ اسمك لم يكن مجرد اسم، أنت كنت الضامن القانوني لشخص آخر في الصورة التي أعطتك إياها نادية.
نظرت إلى سامح:
—من هذا الرجل؟
تغير وجهه وقال:
—اسمه كمال الشاذلي.
—هل تعرفه؟
لم يجب، وفهمت من صمته أنه يعرف أكثر مما يقول. وقبل أن أطرح سؤالًا آخر، سمعنا صوت زجاج يتحطم في الطابق السفلي.
قال سامح:
—يجب أن نخرج من الباب الخلفي.
لكنني لم أتحرك:
—أريد الحقيقة.
—الحقيقة ستقتلك إن بقيت هنا!
—لن أهرب قبل أن أعرف ماذا فعلت أنت.
قال سامح بعد تردد:
—أنا لم أخن نادية، طلبت مني مساعدتها في حماية المال، لكنني لم أعرف أنها وضعت كل شيء باسمك.
خرجنا من الباب الخلفي إلى سيارته، وأثناء القيادة قلت:
—خذني إلى المكتبة.
—أنت متأكد؟
—هذا ما أرادته نادية.
بعد عشرين دققة وصلنا إلى المبنى القديم في وسط القاهرة، فتحت الباب بالمفتاح ودخلنا. كانت رائحة الكتب القديمة كما هي، وهنا قضت زوجتي سنوات حياتها تخفي وراء هذه الجدران سرًا كبيرًا.
أخرجت المفتاح ووجدنا الخزانة خلف رف قديم؛ أدخلت المفتاح فانفتح الباب عن صندوق معدني بداخلها عشرات الوثائق والصور.
فوق كل شيء كانت هناك رسالة باسمي:
“حسن، إذا وصلت إلى هنا، فقد فشلوا في الوصول إلى الحساب. المال ليس أهم شيء، الوثائق أهم.”
وتابعت القراءة لكتشف أن مجموعة من رجال الأعمال كانت تستولي على أموال مستثمرين من خلال شركات وهمية، وقد جمعت نادية الأدلة بنفسها. وفي إحدى الصور ظهر رامي يقف بجانب رجل أعمال معروف وإلى جوارهما سامح!
نظرت إلى أخي:
—كنت تعرف!
—لم أكن شريكًا لهم.
—لكن صورتك معهم!
—كنت أعمل معهم ثم اكتشفت حقيقتهم وابتعدت، ونادية طلبت مني ألا أخبرك حتى لا يراقبوك.
فجأة سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام المكتبة، ثم فُتح الباب بعنف ودخل رامي وخلفه مريم التي كانت تبكي.
قلت:
—مريم؟
اقتربت مني:
—أبي، اسمعني.
قاطعها رامي:
—انتهى الأمر يا حسن. الصندوق لي.
—لن تحصل عليه.
ابتسم وقال:
—هذه الوثائق تدين عمك أيضًا.
صرخت مريم:
—كاذب! —وقفت أمامي وقالت—: أبي، أنا لم آتِ لأسرق شيئًا، لقد اكتشفت أن رامي كان يتواصل مع شخص آخر منذ وفاة أمي.
صاح رامي بغضب:
—مريم، اخرسي!
لكنها فتحت هاتفها وأرتني الرسائل التي يتكرر فيها اسم كمال الشاذلي (الرجل الموجود في الصورة)، وفي آخر رسالة جملة قصيرة:
“دعهم يفتحون الصندوق. عندما يقرأ حسن الصفحة الأخيرة، سيعرف أن نادية لم تمت بسبب المرض وحده.”
شعر برعشة تسري في جسدي، وظهر رجل من خلف الباب قال بهدوء:
—تعني أن زوجتك كانت تعرف أنها في خطر، وأنني كمال الشاذلي، ولن تكن تعرف أنني سأصل إليك قبل أن تصل إلى الحقيقة. حان الوقت لتعرف ماذا حدث في الليلة الأخيرة من حياة نادية.
الجزء الخامس
ساد الصمت داخل المكتبة، وقلت لكمال:
—أنت قلت إن نادية كانت في خطر. ماذا حدث لها؟
—قبل أن تسألني عن موتها، عليك أن تعرف لماذا كانت تجمع هذه الوثائق. افتح الملف الأخير.
أخرجت ملفًا أسود وفتحت الصفحة الأولى لأجد تقارير مالية وتحويلات، وبين الأوراق وجدت تقريرًا طبيًا باسم نادية مؤرخًا قبل وفاتها بأيام.
قلت بدهشة:
—كانت مريضة؟
قال كمال:
—نعم، لكنها كانت تخضع للعلاج وتحت السيطرة.
التفت إلى مريم الباكية:
—أنت كنت تعرفين؟
—لا يا أبي، أمي أخبرتني أنها متعبة فقط.
ثم نظرت إلى رامي:
—هو كان يعرف، أنت أخذت تقارير أمي من درجها.
صمت رامي، فسألته:
—لماذا؟
تقدم كمال وقال:
—لأن رامي كان يريد أن يجعل موتها يبدو طبيعيًا ليتمكن من الوصول إلى المستندات والأموال.
—هل تتهمه بقتل زوجتي؟
رفع كمال يديه:
—أنا لا أتهم أحدًا، لكن اسمع هذا التسجيل.
شغّل تسجيلًا لصوت رامي يقول فيه: “إذا اختفت الأوراق قبل أن تحدث، فلن يستطيع أحد إثبات شيء… بعد وفاة نادية سيكون حسن ضعيفًا ومريم ستقنعه بتوقيع كل شيء.”
وضعت مريم يدها على فمها بذهول ونظرت إلى رامي:
—كنت تريد استخدامي؟!
ثم أخرج سامح هاتفه وقال:
—هناك تسجيل آخر أعطتني إياه نادية قبل وفاتها.
شغّل التسجيل بصوت نادية الضعيف لكن الواضح:
“حسن، المال الموجود في الحساب ليس ثروتي وحدي؛ جزء منه يعود إلى أشخاص خسروا أموالهم بسبب شبكة الاحتيال التي اكتشفتها، ولهذا كنت أخشى كمال، لكنني اكتشفت لاحقًا أنه كان يحاول جمع الأدلة مثلي. أما الشخص الذي يجب أن تحذر منه يا حسن، فهو الشخص الذي تثق به أكثر من الجميع… رامي.”
قلت لرامي:
—هل قتلت نادية؟
—لا.
—هل حاولت الوصول إلى حسابها؟
صمت.
—هل حاولت السيطرة على أموالي؟
—كنت أريد المال لأنني غارق في الديون.
ضحكت مريم بمرارة:
—ولهذا تزوجتني؟!
لكن كمال قاطعنا قائلًا:
—هناك مشكلة أكبر، انظر إلى آخر ورقة في الصندوق.
أخذتها وكانت قائمة بأسماء وتحويلات، وفي أسفلها اسم سامح.
التفت إلى أخي:
—أنت أيضًا؟
قال بسرعة:
—اسمعني…
لكن الباب الخارجي انفتح فجأة ودخل عدد من رجال الشرطة، وتقدم ضابط نحونا ليقول:
—لدينا أمر بالقبض على رامي بتهمة محاولات الوصول غير القانوني للحسابات وتزوير المستندات، ولدينا أسئلة لسامح أيضا.
وعندما غادر الضابط، وضع ورقة في يدي وصلت للقسم صباح اليوم بخط نادية، والتاريخ كان بعد وفاتها بيومين!
قلت مذهولًا:
—هذا مستحيل!
قال الضابط:
—وهذا ما نريد أن نفهمه، وفي أسفل الرسالة جملة واحدة: “إذا وصلت هذه الرسالة إلى حسن، فهذا يعني أن الشخص الذي ظنناه ميتًا… لا يزال على قيد الحياة.”