حصون العاشق ج2 ريتان ويوسف منى السيد
الفصل الثالث والأخير
الهوا برة القصر كان قاطع، والمطر نازل يضرب في الأسفلت والرخام كأنه رصاص، لكن البرود اللي في عروق يوسف الرفاعي في اللحظة دي كان أشد بمراحل من برودة الجو. نظرة واحدة ألقاها على ريتان وابنها عمر قبل ما يقفل باب المكتب وراه بهدوء تام، قفل الباب بالمفتاح علشان يطمن إنهم في أمان كامل ومحدش يقدر يوصلهم مهما حصل.
الحاجة نوال كانت واقفة في الصالة الواسعة أيديها بتترعش على صدرها، وشها لونه أصفر زي الليمونة، وبتهمس بصوت مرعوب يا ابني بلاش تخرج ليهم كده، دول مش جايين يتكلموا في بيزنس ولا شراكة، دول رجالة طارق النمر… ومعاهم سلاح ومحدش فيهم قلبه فيه رحمة!
يوسف مشي بخطوات بطيئة، ملامحه كانت جامدة ومتحجرة كأنها منحوتة في صخر، زرر جاكيت بدلته الأسود بإيد واحدة وقال بنبرة هادية جدًا ترعب أكتر من أي صراخ البيت ده عتبته متداسش برجل غريب طول ما أنا عايش يا نوال. اطلعي فوق واقعدي في أوضتك، وسيبيلي أنا الحساب.
على البوابة الخارجية الكبيرة للفيلا، كانت الحراسة الخاصة بيوسف محاوطة المكان، لكن عربيتين دفع رباعي سودا بدون نمر كانوا كاسرين حاجز البوابة الحديدية وواقفين في نص المدخل، ومنهم نزل طارق النمر ومعاه خمس رجالة مفتولي العضلات، كل واحد فيهم ماسك سلاحه وظاهر الشرر من عينيه. طارق كان بيتنفس بغل وغضب سنين، بيحاول من شهور يكسر شوكة يوسف في السوق ويسيطر على مجموعة الأراضي الجديدة في الساحل والقاهرة الجديدة، ولما فشل بالقانون والبيزنس، قرر يلعب اللعبة بطريقته.
طارق أول ما شاف يوسف نازل درجات السلم الرخام الخارجية لوحده وراسه مرفوعة في المطر، ابتسم ابتسامة صفرا ومستفزة ورفع صوته فوق هدير الرعد أخيرًا اتكرمت وخرجت تقابلنا يا باشا؟ فاكر نفسك محمي ورا الحيطان دي كلها ومش هنعرف نوصلك؟ ورق الصفقة الجديدة يتسلم دلوقتي بالذوق، والفيلا دي بأراضيها تتنازل عنها قبل الصبح، وإلا مش هيطلع عليك نهار وسط أهلك وناسك!
يوسف وقف على آخر درجة سلم، المطر بينزل على شعره الأسود وملامحه الصارمة، حط إيديه في جيوبه وبص لطارق ببرود شديد، نظرة مليانة احتقار تليق بأسد بيبص لضبع تافه إنت فاكر نفسك جيت هنا بمزاجك يا طارق؟ إنت دخلت مصيدتك برجلك. فاكرني مكنتش عارف إنك باعت مراقبة على مداخل الفيلا بقالك تلات أسابيع ومستني لحظة تعبي وسخونيتي عشان تهجم زي التعالب؟
طارق وشه اتقلب، وعينيه بدأت تلمح يمين وشمال بارتباك، لكنه حاول يداري خوفه وصرخ في رجالته كتفوه وهاتوهولي راكع قدامي، علموه مين هو طارق النمر!
وقبل ما أول راجل يمد إيده أو يقرب شبر واحد من درجات السلم، صفر يوسف تصفيرة قصيرة وحادة قطعت صوت المطر. وفي ثانية واحدة، النور الكاشف في كل أركان سور الفيلا اشتغل فجأة بقوة عمت عيون كل اللي واقفين، وظهر من ورا الأشجار والمداخل رجالة أمن يوسف المتدربين، محاوطين العربيات ورجالة طارق بالكامل في كماشة محكمة مفيهاش مخرج.
طارق اتفزع وبص حواليه، وعرف إنه وقع في فخ متنظم بدقة إنت… إنت كنت عامل حسابك لكل ده؟!
يوسف نزل الخطوة الأخيرة وقرب من طارق وشه في وشه، وبحركة خاطفة وسريعة جدًا مخدتش جزء من الثانية، لوى دراع طارق اللي كان بيحاول يرفع سلاحه، ونزع السلاح منه بمهارة، وزقه للخلف لدرجة إنه وقع على الأرض في المية والوحل. يوسف بص له من فوق لتحت وقال بصوت تقيل أنا يوسف الرفاعي يا طارق. أنا عمري ما دخلت معركة وخسرتها، واللعب معايا تمنه عمرك كله. بس أنا مش هوسخ إيديا بيك… الشرطة على البوابة برة، وتاريخك الأسود كله والملفات اللي سرقتها من البنوك بقالها ساعة في إيد النائب العام.
في نفس اللحظة، صوت سرينات البوليس ملا الشارع برة، ودخلت قوات الأمن واقتحمت الفيلا، قبضوا على طارق ورجالته واحد ورا التاني، وكل ده تحت عيون يوسف الثابتة اللي موقفتش مراقبة المشهد بجمود وهيبة.
لكن وسط المعمعة دي، سمع يوسف صوت صرخة خفيفة جاية من جوة القصر. قلبه اللي فضل سنين مبيتهزش لأي خطر، حس برعشة خوف حقيقية لأول مرة في حياته… الخوف مش على نفسه، الخوف على ريتان وعمر!
يوسف جرى جوة القصر بخطوات سريعة ملهوفة، طلع السلالم خطوتين في خطوة، طلع المفتاح من جيبه وفتح باب المكتب وهو بينادي بصوت عالي ومخنوق ريتان! ريتان إنتي كويسة؟!
أول ما الباب اتفتح، كانت ريتان واقفة في ركن الأوضة، ضامة عمر لصدرها بكل قوتها، والطفل كان ساكت وحاطط راسه على كتفها. ريتان أول ما شافت يوسف داخل والمطر مبلل هدومه وشعره لكن سليم ومعافيه ومفهوش خدش، سابت كل الخوف اللي جواها وجريت عليه بلهفة وبكت من قلبها.
ارتمت بتلقائية تامة، ماسكة في جاكيته الأسود كأنها ماسكة في طوق نجاة وسط طوفان، وبتقول وصوتها متقطع بالدموع الحمد لله إنك كويس… كنت مرعوبة عليك، صوت الرصاص والخناق خلاني هموت من القلق… الحمد لله يا يوسف، الحمد لله!
يوسف اتفاجئ ، لكنه في نفس اللحظة لف دراعاته الاتنين حوالين عمر الصغير. لأول مرة يحس إن صدره مش مجرد قفص عضمي ناشف، لأ، حس إن جواه قلب بينبض بقوة وبيعيش من جديد. ، وهمس جنب ودنها بحنان فايض اهدي يا ريتان… متخافيش، كل حاجة خلصت، والكابوس انتهى خلاص. طول ما