القصه كامله محمد عبده

الجزء السادس
لم أستطع رفع عيني عن الرسالة، وقلت للضابط:
—من تقصد نادية؟
أما كمال فتغير وجهه، فقلت له:
—ماذا كانت نادية تقصد؟
قال أخيرًا:
—كانت تتحدث عن شقيقها.
—شقيقها؟ لكنها أخبرتني أنه مات منذ أكثر من خمسة عشر عامًا!
—هذا ما كانت تريدك أن تصدقه، اسمه عادل.
شع وكأنني أعيش في كابوس:
—إذن هو حي؟ واسمه عادل؟ أين هو؟
—لا أعرف.
ثم أخرج صورة قديمة لعادل تقف أمام مبنى في الإسكندرية قبل ثلاثة أشهر، فقالت مريم:
—أبي، قبل وفاة أمي بأسبوع، وجدت رسالة في هاتفها فيها عنوان بالإسكندرية وموعد محدد باسم عادل.
قلت:
—سنذهب إلى هناك.
وبعد ساعات كنا في الإسكندرية مع الشرطة، وصلنا إلى مبنى قديم بالقرب من البحر، وطرقنا الباب ليفتحه رجل في أواخر الستينيات يشبه نادية، فقال:
—تأخرت يا حسن، كنت أعرف أن نادية سترسل إليك في النهاية.
دخلنا وقال عادل:
—أختي لم تمت كما تعتقد؛ في أسبوعها الأخير اكتشفت أن شخصًا قريبًا منها كان يسرّب معلومات عنها.
—رامي؟
—لا، الشخص الذي كان ينقل المعلومات لم يكن رامي.
أخرج ورقة وضعها أمامي عليها اسم واحد.. سامح.
قال عادل:
—سامح لم يكن يعمل وحده، ونادية تركت لي ظرفًا فيه رسالة: “حسن، لا تثق بأي شخص يحمل اسمي أمامك. الحقيقة ليست فيمن سرق المال، بل فيمن كان يحاول حمايته… والشخص الذي وثقت به طوال حياتي ليس سامح، بل الشخص الذي ظنته بعيدًا عن كل شيء.”
قلت:
—من تقصد؟
—أنت يا حسن، نادية لم تكن تخفي الحقيقة عنك لأنك ضعيف، بل لأنها كانت تعرف أنك الوحيد الذي يستطيع إنهاء كل شيء.
وقفز هاتف الشرطي برنين، وقال:
—لدينا مشكلة، رامي خرج من الحجز بكفالة وأوراق مزورة… والشخص الذي وقع على الإفراج هو سامح!

الجزء السابع — النهاية
عدنا إلى القاهرة، ولم يعد يشغلني المال بل الدليل الأخير الذي تركته نادية. صعدت إلى غرفتها وفتحت درجًا جانبيا بجانب السرير وجدت فيه كتابًا قديمًا وبداخله ظرف كُتب عليه: “إلى حسن وحده.”
فتحته لأجد بطاقة ذاكرة صغيرة، وصلتها بجهاز الكمبيوتر ليظهر ملف فيديو لنادية وهي تقول:
—حسن، إذا كنت تشاهد هذا، فهذا يعني أنني لم أستطع إخبارك بالحقيقة. الحساب الذي وجدته ليس لإخفاء ثروتي، بل لحماية أموال أشخاص تعرضوا للاحتيال عبر شركات وهمية. وعادل لم يمت، بل طلب منه الاختفاء لأن حياته كانت في خطر. أما سامح، فلم يكن عدوًا في البداية، لكنه عندما عرف قيمة الأموال تغير وحاول استخدام رامي للوصول إلى الحساب، ورامي حاول استخدام مريم. ولهذا وضعت خطتي لتعود الأموال إلى أصحابها، وما يحق لك الاحتفاظ به وضعته في صندوق باسمك. سامحني لأنني تركت لك حياة لا تحتاج فيها للخوف، وأرجوك ألا تجعل المال يفرق بينك وبين مريم.
توقفت الصورة وبدأت مريم تبكي، فاقتربت مني وقالت:
—أبي، أنا آسفة.
ضممتها إلى صدري، بينما واجه رامي وسامح العدالة والمحاكمة بتهمة التلاعب والتزوير.
بعد أشهر، أدركت أن نادية كانت أقوى وأكثر شجاعة مما عرفت طوال ثلاثة وأربعين عامًا من زواجنا، وتركت لي درسًا لن أنساه: ليس كل من يبتسم لك يحبك، وأحيانًا يكون الصمت هو الطريقة الوحيدة التي يحاول بها شخص ما حمايتك.
وبعد عام من وفاتها، عدت إلى مكتبتها في وسط القاهرة وأعدت افتتاحها كمركز صغير لترميم الكتب القديمة، ووضعت صورتها فوق المكتب وبجانبها دفتر التوفير الأزرق القديم. كلما سألني أحد عن سببه أبتسم وأقول:
—لأنني في اليوم الذي ظنت ابنتي أننا نتخلص فيه من شيء بلا قيمة، تركت لي نادية ثروة أكبر من المال… تركت لي الحقيقة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *