ظللت جالسًا أمام يوسف وأنا أحاول أن أبدو متماسكًا وأفهم ما يحدث. كان يضغط على أرقام الهاتف بسرعة، ثم يتوقف للحظات وكأنه ينتظر ردًا من شخص ما. قلت له: —يوسف، أخبرني بالحقيقة. كم يوجد في هذا الحساب؟ رفع عينيه نحوي. —المشكلة ليست في المبلغ وحده يا حسن. —إذن ما المشكلة؟ أخرج ملفًا قديمًا من خزانة خلف مكتبه، ووضعه أمامي. —هذا الحساب تم فتحه منذ أكثر من عشرين عامًا، لكنه لم يكن مسجلًا باسم نادية بالطريقة المعتادة. فتحت الملف بسرعة. كانت هناك أوراق قديمة وتوقيعات وعقود لم أرها من قبل. ثم رأيت شيئًا جعل قلبي يتوقف للحظة. اسمي كان موجودًا في إحدى الأوراق. لكن توقيعي لم يكن موجودًا. قلت بحدة: —هذا ليس توقيعي. أومأ يوسف. —أعرف. —إذن من وضع اسمي هنا؟ لم يجب. بدلًا من ذلك، فتح شاشة الكمبيوتر وبدأ يبحث في سجلات الحساب. بعد دقائق قال: —الحساب مرتبط بشركة استثمارية تأسست قبل سنوات طويلة، والشخص الذي كان يديرها اختفى من السجلات منذ فترة. —ومن هو؟ تردد يوسف قليلًا. ثم قال: —نادية. جلست في مكاني مذهولًا. زوجتي التي كنت أعتقد أنها قضت حياتها في ترميم الكتب القديمة، كانت تدير استثمارات سرية دون علمي. قلت: —هل أنت متأكد؟ —هناك شيء آخر. فتح يوسف مستندًا آخر. —قبل وفاتها بثلاثة أيام، حاول شخص الدخول إلى الحساب وتحويل جزء من الأموال إلى حساب خارجي. تجمدت في مكاني. —من حاول؟ —العملية فشلت لأن الحساب كان يحتاج إلى موافقة إضافية. ثم نظر إليّ وقال: —لكن اسم الشخص الذي قدم الطلب موجود هنا. شعرت ببرودة تسري في جسدي. —من؟ أدار الشاشة نحوي. رامي.. زوج ابنتي. لم أستطع الكلام. تذكرت حديثه معي قبل ساعات: “مكتبي يمكنه إدارة كل شيء نيابة عنك.” لم يكن يريد مساعدتي، بل كان يعرف شيئًا عن الحساب، وربما كان يعرف أكثر مما كنت أتخيل. قلت ليوسف: —هل تستطيع معرفة قيمة الأموال؟ تنهد وقال: —القيمة الحالية تقارب ثمانية ملايين جنيه مصري، لكن هناك أصول أخرى مرتبطة بالحساب، وقد تكون قيمتها أكبر بكثير. ثمانية ملايين! بقيت صامتًا. لم يكن المال هو ما صدمني، بل السؤال الذي لم أستطع التخلص منه: لماذا كانت نادية تخفي كل هذا عني؟ أخرجت هاتفي واتصلت بمريم. ردت بعد رنينتين: —أين أنت يا أبي؟ —في البنك. ساد الصمت للحظات، ثم قالت: —لماذا؟ —وجدت دفتر أمك. سمعت تغيرًا واضحًا في صوتها: —وماذا تريد من دفتر قديم؟ قلت بهدوء: —لا شيء مهم. فقط أردت التأكد من بعض الأمور. ثم أغلقت الهاتف. نظر إليّ يوسف: —لا تخبرهم بما عرفته. —لماذا؟ —لأن الشخص الذي حاول تحويل الأموال قبل وفاة نادية قد يكرر المحاولة. عدت إلى المنزل بعد ساعة تقريبا، ووجدت مريم ورامي ينتظرانني. كانت مريم تجلس في الصالة، بينما كان رامي يتحدث عبر الهاتف، وبمجرد أن دخلت أنهى المكالمة بسرعة. ابتسمت مريم وقالت: —أين كنت يا أبي؟ —ذهبت لأتمشى قليلًا. نظر رامي إلى سترتي وقال: —هل أخذت معك دفتر أمي؟ توقفت للحظة، لم يكن يعلم أنني أخذته معي. قلت: —أي دفتر؟ ارتبك، ثم قال بسرعة: —أقصد… دفتر ملاحظاتها القديم. ابتسمت: —لا أعرف ماذا تقصد. اقتربت مريم مني وقالت: —أبي، أنت تحتاج إلى الراحة. لا تجعل نفسك منشغلًا بأشياء قديمة تخص أمي. نظرت إليها طويلًا، ثم قلت: —بالمناسبة، لماذا كنتِ تضحكين عندما رأيتِ الدفتر؟ خفضت عينيها وقالت: —لأنني كنت أعرف أن أمي لم تكن تملك شيئًا. —هل كنتِ متأكدة؟ —طبعًا. —وكيف؟ لم تجب. تدخل رامي بسرعة: —حسن، مريم حزينة، وأنت أيضًا. لا داعي لهذه الأسئلة الآن. ابتسمت: —معك حق. ثم صعدت إلى غرفتي، أغلقت الباب، وأخرجت دفتر نادية من جيبي. هذه المرة فتحته ببطء؛ كانت الصفحات الأولى مليئة بأرقام وتواريخ وأسماء شركات، لكن في الصفحة الأخيرة وجدت شيئًا مختلفًا. كانت هناك جملة كتبتها نادية بخط يدها: “إذا كنت تقرأ هذه الكلمات يا حسن، فهذا يعني أنني لم أعد موجودة لأخبرك الحقيقة بنفسي.” توقفت أنفاسي وتابعت القراءة: “سامحني لأنني أخفيت عنك بعض الأمور. لم أفعل ذلك طمعًا في المال، بل لأنني كنت أحاول حمايتك.” ثم وجدت اسمًا جعلني أشعر أن الأرض تحتي تتحرك: رامي. كتبت نادية: “لا تثق بزوج ابنتنا. لقد بدأ منذ سنوات في البحث عن أموالك، ولم يكن زواجه من مريم صدفة كما كنت تظن.” وضعت يدي على فمي غير مصدق لما أقرأه، ثم قلبت الصفحة لأجد جملة أخيرة: “لكن رامي ليس أخطر شخص في هذه القصة… الأخطر هو الشخص الذي سيحاول الوصول إليك بعد وفاتي.” وفي أسفل الصفحة كتبت نادية اسمًا واحدًا فقط.. اسم أخي الأصغر، سامح. في تلك اللحظة سمعت طرقًا خفيفًا على باب غرفتي، فأغلقت الدفتر بسرعة وسألت: —من؟ جاءني صوت مريم: —أنا يا أبي. فتحت الباب وكانت تقف ووجهها شاحب، وقالت بصوت منخفض: —أبي… أريد أن أخبرك بشيء عن رامي. أظن أن أمي كانت تعرف أنه يخدعني منذ سنوات. ثم بدأت الدموع تنزل من عينيها: —وأنا… اكتشفت شيئًا اليوم. —ماذا اكتشفتِ؟ —وجدت في هاتفه رسالة أرسلها قبل وفاة أمي بيوم واحد. —ماذا كانت تقول؟ أخرجت هاتفها وفتحت الرسالة، فقرأتها وكانت عبارة قصيرة: “بعد رحيلها، كل شيء سيكون لنا.” رفع عيني إليها: —هل تعرفين لمن أرسلها؟ هزت رأسها وقالت: —أرسلها إلى خالي سامح. في تلك اللحظة أدركت أن الأمر لم يعد مجرد حساب سري، بل كان هناك تحالف كامل داخل عائلتي، وأن نادية ربما كانت تعرف كل شيء قبل وفاتها وتترك لي الأدلة واحدًا تلو الآخر. وفي صباح اليوم التالي، وصلتني رسالة من البنك: “السيد حسن، نرجو حضوركم فورًا. حدثت محاولة جديدة للوصول إلى الحساب.” لكن هذه المرة… لم تكن المحاولة من رامي، بل كان اسم الشخص الذي حاول الدخول إلى الحساب هو مريم، ابنتي نفسها. الجزء الثالث حدقت في الرسالة طويلًا. مريم حاولت الدخول إلى الحساب! كانت ابنتي الوحيدة هي نفسها التي بدأت الآن تبحث عن المال الذي أخفته والدتها. ارتديت ملابسي وغادرت المنزل دون أن أخبر أحدًا، وعندما وصلت إلى البنك كان يوسف ينتظرني، فأغلق باب مكتبه وقال: —حسن، علينا أن نتحدث بعيدًا عن أي شخص آخر. —قل لي ماذا حدث. فتح ملفًا على جهاز الكمبيوتر وقال: —الساعة الثانية وسبع عشرة دقيقة فجرًا، حاول شخص استخدام بيانات قديمة مرتبطة بالحساب. —وكانت مريم؟ —الاسم المستخدم للوصول كان اسمها، نعم. شعرت بصدمة جديدة: —هل يمكن أن يكون شخص آخر استخدم بياناتها؟ —هذا احتمال وارد، لكن هناك أمرًا أخطر. أدار الشاشة نحوي وأضاف: —الشخص الذي حاول الدخول لم يكن يبحث عن الرصيد فقط. كان يبحث عن ملف إلكتروني محدد اسمه “الأمانة”. —وما هذا الملف؟ هز يوسف رأسه: —لا أعرف، لكنه مرتبط بالحساب منذ أكثر من عشرين عامًا. —هل تستطيع فتحه؟ —ليس من خلال النظام المصرفي العادي. ثم أخرج ظرفًا بنيًا قديمًا وقال: —هذا وصل إلى البنك قبل أسبوع من وفاة نادية، واسمي كان مكتوبًا عليه بخط زوجتي: “إلى حسن… لا يُفتح إلا بعد وفاتي.” قال يوسف: —هناك تعليمات من نادية بأن يُفتح بحضورك فقط، ومع وجود شاهد من البنك. —افتحه. فتحه يوسف، وفي داخله كانت ثلاثة أشياء: مفتاح صغير، صورة قديمة، ورسالة من صفحتين. أمسكت بالصورة أولًا؛ كانت نادية تقف أمام مبنى قديم وإلى جوارها رجل لم أره من قبل، وخلف الصورة تاريخ يعود لأكثر من عشرين عامًا. سألني يوسف: —هل تعرف الرجل؟ حدقت في وجهه وقلت: —لا. فتحت الرسالة وبدأت أقرأ: “حسن، إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فاعلم أنني لم أخفِ المال عنك لأنني لم أثق بك. أخفيته لأنني كنت أعرف أن هناك من سيحاول استخدام اسمك للوصول إلى كل ما بنيته.” وتابعت القراءة: “قبل زواج مريم من رامي، اكتشفت أن عائلته مرتبطة بمجموعة من الأشخاص الذين كانوا يبحثون عن مستثمرين أثرياء يمكن السيطرة عليهم. لم أكن أملك دليلًا كافيًا، وأنشأت حسابًا مستقلًا أودعت فيه أموالًا من مشروع قديم أنقذته قبل سنوات من الإفلاس.” ثم كتبت: “أما المفتاح، فهو لا يفتح صندوقًا في البنك، إنه يفتح خزانة في مكتبة نادية القديمة في وسط القاهرة.” قال يوسف: —هل تريد أن نذهب إلى هناك؟ —ليس الآن. —لماذا؟ أخرجت هاتفي؛ كان لدي شعور قوي بأن أحدًا يراقب تحركاتي، فقلت: —لأنني أريد أن أعرف أولًا لماذا حاولت مريم الدخول إلى الحساب. اتصلت بابنتي وردت بسرعة: —أبي؟ —أين أنت؟ —في المنزل. —هل حاولتِ الدخول إلى حساب والدتك؟ ساد صمت طويل ثم قالت: —من أخبرك؟ أغلقت عيني وقلت: —إذن أنت فعلتِها؟ بدأ صوتها يرتجف: —أبي، الأمر ليس كما تظن، رامي طلب مني ذلك. —لماذا؟ —قال إن أمي تركت وثائق مهمة، وإنه يريد التأكد من أن أموال العائلة لن تضيع. ضحكت بسخرية: —أموال العائلة؟! قالت بسرعة: —لم أكن أعرف شيئًا عن الحساب السري، أقسم لك. —وماذا كان رامي يعرف؟ صمتت طويلًا قبل أن تقول: —كان يعرف أن أمي كانت تخفي شيئًا.. لكن هناك شيء لم أخبرك به. —ماذا؟ —قبل وفاة أمي بيومين، دخلت غرفتها وسمعتها تتحدث عبر الهاتف وتقول: “إذا حدث لي شيء، حسن سيعرف الحقيقة من المفتاح.” تجمدت في مكاني؛ نفس المفتاح الذي كان في جيبي الآن. سألتها: —هل رأيتِ المفتاح؟ —لا. —هل يعرف رامي عنه؟ —لا أعرف. أغلقت الهاتف وتوجهت مباشرة إلى منزل أخي سامح. عندما فتحت لي زوجته الباب ارتبكت، وما إن ظهر سامح حتى نظر إليّ طويلًا وقال: —لم أتوقع أن تأتي بهذه السرعة. كنت أعرف فورًا أنني وقعت في فخ. قلت: —ماذا كنت تتوقع؟ نظر إلى جيبي، إلى المكان الذي وضعت فيه المفتاح، وقال: —هل وجدته؟ —وجدت ماذا؟ ابتسم سامح ابتسامة صغيرة: —لا فائدة من التظاهر يا حسن، نادية كانت تعرف أنني سأصل إليه في النهاية. أخرجت هاتفي سرًا وبدأت تسجيل الحديث وقلت: —ماذا يوجد في الخزانة؟ —شيء لو خرج إلى النور، لن يخسر رامي وحده. —من أيضًا؟ —أنت يا حسن. وقبل أن أرد، رن هاتف سامح وتغير وجهه: —لقد عرفوا أنك جئت إليّ. —من؟ —الأشخاص الذين كانت نادية تحاول حمايتك منهم. وفي اللحظة نفسها، سمعت صوت سيارة تتوقف أمام المنزل وطرقًا قويًا على الباب. الجزء الرابع توقف الطرق على الباب للحظات ثم عاد أقوى. نظر سامح إليّ: —لا تفتح. —من هؤلاء؟ —لا أعرف، لكنهم عرفوا أنك هنا بسرعة مستحيلة. اقتربنا من النافذة بحذر؛ كانت سيارة سوداء متوقفة وبداخلها رجلان، ونزل أحدهما متوجها نحو الباب. وفي تلك اللحظة رن هاتفي وكان المتصل يوسف بصوت متوتر: —حسن، لا تتحرك من مكانك. —ماذا حدث؟ —اكتشفنا شيئًا في ملف الحساب؛ اسمك لم يكن مجرد اسم، أنت كنت الضامن القانوني لشخص آخر في الصورة التي أعطتك إياها نادية. نظرت إلى سامح: —من هذا الرجل؟ تغير وجهه وقال: —اسمه كمال الشاذلي. —هل تعرفه؟ لم يجب، وفهمت من صمته أنه يعرف أكثر مما يقول. وقبل أن أطرح سؤالًا آخر، سمعنا صوت زجاج يتحطم في الطابق السفلي. قال سامح: —يجب أن نخرج من الباب الخلفي. لكنني لم أتحرك: —أريد الحقيقة. —الحقيقة ستقتلك إن بقيت هنا! —لن أهرب قبل أن أعرف ماذا فعلت أنت. قال سامح بعد تردد: —أنا لم أخن نادية، طلبت مني مساعدتها في حماية المال، لكنني لم أعرف أنها وضعت كل شيء باسمك. خرجنا من الباب الخلفي إلى سيارته، وأثناء القيادة قلت: —خذني إلى المكتبة. —أنت متأكد؟ —هذا ما أرادته نادية. بعد عشرين دققة وصلنا إلى المبنى القديم في وسط القاهرة، فتحت الباب بالمفتاح ودخلنا. كانت رائحة الكتب القديمة كما هي، وهنا قضت زوجتي سنوات حياتها تخفي وراء هذه الجدران سرًا كبيرًا. أخرجت المفتاح ووجدنا الخزانة خلف رف قديم؛ أدخلت المفتاح فانفتح الباب عن صندوق معدني بداخلها عشرات الوثائق والصور. فوق كل شيء كانت هناك رسالة باسمي: “حسن، إذا وصلت إلى هنا، فقد فشلوا في الوصول إلى الحساب. المال ليس أهم شيء، الوثائق أهم.” وتابعت القراءة لكتشف أن مجموعة من رجال الأعمال كانت تستولي على أموال مستثمرين من خلال شركات وهمية، وقد جمعت نادية الأدلة بنفسها. وفي إحدى الصور ظهر رامي يقف بجانب رجل أعمال معروف وإلى جوارهما سامح! نظرت إلى أخي: —كنت تعرف! —لم أكن شريكًا لهم. —لكن صورتك معهم! —كنت أعمل معهم ثم اكتشفت حقيقتهم وابتعدت، ونادية طلبت مني ألا أخبرك حتى لا يراقبوك. فجأة سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام المكتبة، ثم فُتح الباب بعنف ودخل رامي وخلفه مريم التي كانت تبكي. قلت: —مريم؟ اقتربت مني: —أبي، اسمعني. قاطعها رامي: —انتهى الأمر يا حسن. الصندوق لي. —لن تحصل عليه. ابتسم وقال: —هذه الوثائق تدين عمك أيضًا. صرخت مريم: —كاذب! —وقفت أمامي وقالت—: أبي، أنا لم آتِ لأسرق شيئًا، لقد اكتشفت أن رامي كان يتواصل مع شخص آخر منذ وفاة أمي. صاح رامي بغضب: —مريم، اخرسي! لكنها فتحت هاتفها وأرتني الرسائل التي يتكرر فيها اسم كمال الشاذلي (الرجل الموجود في الصورة)، وفي آخر رسالة جملة قصيرة: “دعهم يفتحون الصندوق. عندما يقرأ حسن الصفحة الأخيرة، سيعرف أن نادية لم تمت بسبب المرض وحده.” شعر برعشة تسري في جسدي، وظهر رجل من خلف الباب قال بهدوء: —تعني أن زوجتك كانت تعرف أنها في خطر، وأنني كمال الشاذلي، ولن تكن تعرف أنني سأصل إليك قبل أن تصل إلى الحقيقة. حان الوقت لتعرف ماذا حدث في الليلة الأخيرة من حياة نادية. الجزء الخامس ساد الصمت داخل المكتبة، وقلت لكمال: —أنت قلت إن نادية كانت في خطر. ماذا حدث لها؟ —قبل أن تسألني عن موتها، عليك أن تعرف لماذا كانت تجمع هذه الوثائق. افتح الملف الأخير. أخرجت ملفًا أسود وفتحت الصفحة الأولى لأجد تقارير مالية وتحويلات، وبين الأوراق وجدت تقريرًا طبيًا باسم نادية مؤرخًا قبل وفاتها بأيام. قلت بدهشة: —كانت مريضة؟ قال كمال: —نعم، لكنها كانت تخضع للعلاج وتحت السيطرة. التفت إلى مريم الباكية: —أنت كنت تعرفين؟ —لا يا أبي، أمي أخبرتني أنها متعبة فقط. ثم نظرت إلى رامي: —هو كان يعرف، أنت أخذت تقارير أمي من درجها. صمت رامي، فسألته: —لماذا؟ تقدم كمال وقال: —لأن رامي كان يريد أن يجعل موتها يبدو طبيعيًا ليتمكن من الوصول إلى المستندات والأموال. —هل تتهمه بقتل زوجتي؟ رفع كمال يديه: —أنا لا أتهم أحدًا، لكن اسمع هذا التسجيل. شغّل تسجيلًا لصوت رامي يقول فيه: “إذا اختفت الأوراق قبل أن تحدث، فلن يستطيع أحد إثبات شيء… بعد وفاة نادية سيكون حسن ضعيفًا ومريم ستقنعه بتوقيع كل شيء.” وضعت مريم يدها على فمها بذهول ونظرت إلى رامي: —كنت تريد استخدامي؟! ثم أخرج سامح هاتفه وقال: —هناك تسجيل آخر أعطتني إياه نادية قبل وفاتها. شغّل التسجيل بصوت نادية الضعيف لكن الواضح: “حسن، المال الموجود في الحساب ليس ثروتي وحدي؛ جزء منه يعود إلى أشخاص خسروا أموالهم بسبب شبكة الاحتيال التي اكتشفتها، ولهذا كنت أخشى كمال، لكنني اكتشفت لاحقًا أنه كان يحاول جمع الأدلة مثلي. أما الشخص الذي يجب أن تحذر منه يا حسن، فهو الشخص الذي تثق به أكثر من الجميع… رامي.” قلت لرامي: —هل قتلت نادية؟ —لا. —هل حاولت الوصول إلى حسابها؟ صمت. —هل حاولت السيطرة على أموالي؟ —كنت أريد المال لأنني غارق في الديون. ضحكت مريم بمرارة: —ولهذا تزوجتني؟! لكن كمال قاطعنا قائلًا: —هناك مشكلة أكبر، انظر إلى آخر ورقة في الصندوق. أخذتها وكانت قائمة بأسماء وتحويلات، وفي أسفلها اسم سامح. التفت إلى أخي: —أنت أيضًا؟ قال بسرعة: —اسمعني… لكن الباب الخارجي انفتح فجأة ودخل عدد من رجال الشرطة، وتقدم ضابط نحونا ليقول: —لدينا أمر بالقبض على رامي بتهمة محاولات الوصول غير القانوني للحسابات وتزوير المستندات، ولدينا أسئلة لسامح أيضا. وعندما غادر الضابط، وضع ورقة في يدي وصلت للقسم صباح اليوم بخط نادية، والتاريخ كان بعد وفاتها بيومين! قلت مذهولًا: —هذا مستحيل! قال الضابط: —وهذا ما نريد أن نفهمه، وفي أسفل الرسالة جملة واحدة: “إذا وصلت هذه الرسالة إلى حسن، فهذا يعني أن الشخص الذي ظنناه ميتًا… لا يزال على قيد الحياة.” الجزء السادس لم أستطع رفع عيني عن الرسالة، وقلت للضابط: —من تقصد نادية؟ أما كمال فتغير وجهه، فقلت له: —ماذا كانت نادية تقصد؟ قال أخيرًا: —كانت تتحدث عن شقيقها. —شقيقها؟ لكنها أخبرتني أنه مات منذ أكثر من خمسة عشر عامًا! —هذا ما كانت تريدك أن تصدقه، اسمه عادل. شع وكأنني أعيش في كابوس: —إذن هو حي؟ واسمه عادل؟ أين هو؟ —لا أعرف. ثم أخرج صورة قديمة لعادل تقف أمام مبنى في الإسكندرية قبل ثلاثة أشهر، فقالت مريم: —أبي، قبل وفاة أمي بأسبوع، وجدت رسالة في هاتفها فيها عنوان بالإسكندرية وموعد محدد باسم عادل. قلت: —سنذهب إلى هناك. وبعد ساعات كنا في الإسكندرية مع الشرطة، وصلنا إلى مبنى قديم بالقرب من البحر، وطرقنا الباب ليفتحه رجل في أواخر الستينيات يشبه نادية، فقال: —تأخرت يا حسن، كنت أعرف أن نادية سترسل إليك في النهاية. دخلنا وقال عادل: —أختي لم تمت كما تعتقد؛ في أسبوعها الأخير اكتشفت أن شخصًا قريبًا منها كان يسرّب معلومات عنها. —رامي؟ —لا، الشخص الذي كان ينقل المعلومات لم يكن رامي. أخرج ورقة وضعها أمامي عليها اسم واحد.. سامح. قال عادل: —سامح لم يكن يعمل وحده، ونادية تركت لي ظرفًا فيه رسالة: “حسن، لا تثق بأي شخص يحمل اسمي أمامك. الحقيقة ليست فيمن سرق المال، بل فيمن كان يحاول حمايته… والشخص الذي وثقت به طوال حياتي ليس سامح، بل الشخص الذي ظنته بعيدًا عن كل شيء.” قلت: —من تقصد؟ —أنت يا حسن، نادية لم تكن تخفي الحقيقة عنك لأنك ضعيف، بل لأنها كانت تعرف أنك الوحيد الذي يستطيع إنهاء كل شيء. وقفز هاتف الشرطي برنين، وقال: —لدينا مشكلة، رامي خرج من الحجز بكفالة وأوراق مزورة… والشخص الذي وقع على الإفراج هو سامح! الجزء السابع — النهاية عدنا إلى القاهرة، ولم يعد يشغلني المال بل الدليل الأخير الذي تركته نادية. صعدت إلى غرفتها وفتحت درجًا جانبيا بجانب السرير وجدت فيه كتابًا قديمًا وبداخله ظرف كُتب عليه: “إلى حسن وحده.” فتحته لأجد بطاقة ذاكرة صغيرة، وصلتها بجهاز الكمبيوتر ليظهر ملف فيديو لنادية وهي تقول: —حسن، إذا كنت تشاهد هذا، فهذا يعني أنني لم أستطع إخبارك بالحقيقة. الحساب الذي وجدته ليس لإخفاء ثروتي، بل لحماية أموال أشخاص تعرضوا للاحتيال عبر شركات وهمية. وعادل لم يمت، بل طلب منه الاختفاء لأن حياته كانت في خطر. أما سامح، فلم يكن عدوًا في البداية، لكنه عندما عرف قيمة الأموال تغير وحاول استخدام رامي للوصول إلى الحساب، ورامي حاول استخدام مريم. ولهذا وضعت خطتي لتعود الأموال إلى أصحابها، وما يحق لك الاحتفاظ به وضعته في صندوق باسمك. سامحني لأنني تركت لك حياة لا تحتاج فيها للخوف، وأرجوك ألا تجعل المال يفرق بينك وبين مريم. توقفت الصورة وبدأت مريم تبكي، فاقتربت مني وقالت: —أبي، أنا آسفة. ضممتها إلى صدري، بينما واجه رامي وسامح العدالة والمحاكمة بتهمة التلاعب والتزوير. بعد أشهر، أدركت أن نادية كانت أقوى وأكثر شجاعة مما عرفت طوال ثلاثة وأربعين عامًا من زواجنا، وتركت لي درسًا لن أنساه: ليس كل من يبتسم لك يحبك، وأحيانًا يكون الصمت هو الطريقة الوحيدة التي يحاول بها شخص ما حمايتك. وبعد عام من وفاتها، عدت إلى مكتبتها في وسط القاهرة وأعدت افتتاحها كمركز صغير لترميم الكتب القديمة، ووضعت صورتها فوق المكتب وبجانبها دفتر التوفير الأزرق القديم. كلما سألني أحد عن سببه أبتسم وأقول: —لأنني في اليوم الذي ظنت ابنتي أننا نتخلص فيه من شيء بلا قيمة، تركت لي نادية ثروة أكبر من المال… تركت لي الحقيقة. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”