القصه كامله محمد عبده

ظللت جالسًا أمام يوسف وأنا أحاول أن أبدو متماسكًا وأفهم ما يحدث. كان يضغط على أرقام الهاتف بسرعة، ثم يتوقف للحظات وكأنه ينتظر ردًا من شخص ما. قلت له: —يوسف، أخبرني بالحقيقة. كم يوجد في هذا الحساب؟ رفع عينيه نحوي. —المشكلة ليست في المبلغ وحده يا حسن.

—إذن ما المشكلة؟
أخرج ملفًا قديمًا من خزانة خلف مكتبه، ووضعه أمامي.
—هذا الحساب تم فتحه منذ أكثر من عشرين عامًا، لكنه لم يكن مسجلًا باسم نادية بالطريقة المعتادة.
فتحت الملف بسرعة.
كانت هناك أوراق قديمة وتوقيعات وعقود لم أرها من قبل.
ثم رأيت شيئًا جعل قلبي يتوقف للحظة.
اسمي كان موجودًا في إحدى الأوراق.
لكن توقيعي لم يكن موجودًا.
قلت بحدة:
—هذا ليس توقيعي.
أومأ يوسف.
—أعرف.
—إذن من وضع اسمي هنا؟
لم يجب.
بدلًا من ذلك، فتح شاشة الكمبيوتر وبدأ يبحث في سجلات الحساب.
بعد دقائق قال:
—الحساب مرتبط بشركة استثمارية تأسست قبل سنوات طويلة، والشخص الذي كان يديرها اختفى من السجلات منذ فترة.
—ومن هو؟
تردد يوسف قليلًا.
ثم قال:
—نادية.
جلست في مكاني مذهولًا.
زوجتي التي كنت أعتقد أنها قضت حياتها في ترميم الكتب القديمة، كانت تدير استثمارات سرية دون علمي.
قلت:
—هل أنت متأكد؟
—هناك شيء آخر.
فتح يوسف مستندًا آخر.
—قبل وفاتها بثلاثة أيام، حاول شخص الدخول إلى الحساب وتحويل جزء من الأموال إلى حساب خارجي.
تجمدت في مكاني.
—من حاول؟
—العملية فشلت لأن الحساب كان يحتاج إلى موافقة إضافية.
ثم نظر إليّ وقال:
—لكن اسم الشخص الذي قدم الطلب موجود هنا.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
—من؟
أدار الشاشة نحوي.
رامي.. زوج ابنتي.
لم أستطع الكلام.
تذكرت حديثه معي قبل ساعات: “مكتبي يمكنه إدارة كل شيء نيابة عنك.”
لم يكن يريد مساعدتي، بل كان يعرف شيئًا عن الحساب، وربما كان يعرف أكثر مما كنت أتخيل.
قلت ليوسف:
—هل تستطيع معرفة قيمة الأموال؟
تنهد وقال:
—القيمة الحالية تقارب ثمانية ملايين جنيه مصري، لكن هناك أصول أخرى مرتبطة بالحساب، وقد تكون قيمتها أكبر بكثير.
ثمانية ملايين!
بقيت صامتًا.
لم يكن المال هو ما صدمني، بل السؤال الذي لم أستطع التخلص منه: لماذا كانت نادية تخفي كل هذا عني؟
أخرجت هاتفي واتصلت بمريم.
ردت بعد رنينتين:
—أين أنت يا أبي؟
—في البنك.
ساد الصمت للحظات، ثم قالت:
—لماذا؟
—وجدت دفتر أمك.
سمعت تغيرًا واضحًا في صوتها:
—وماذا تريد من دفتر قديم؟
قلت بهدوء:
—لا شيء مهم. فقط أردت التأكد من بعض الأمور.
ثم أغلقت الهاتف.
نظر إليّ يوسف:
—لا تخبرهم بما عرفته.
—لماذا؟
—لأن الشخص الذي حاول تحويل الأموال قبل وفاة نادية قد يكرر المحاولة.
عدت إلى المنزل بعد ساعة تقريبا، ووجدت مريم ورامي ينتظرانني.
كانت مريم تجلس في الصالة، بينما كان رامي يتحدث عبر الهاتف، وبمجرد أن دخلت أنهى المكالمة بسرعة.
ابتسمت مريم وقالت:
—أين كنت يا أبي؟
—ذهبت لأتمشى قليلًا.
نظر رامي إلى سترتي وقال:
—هل أخذت معك دفتر أمي؟
توقفت للحظة، لم يكن يعلم أنني أخذته معي.
قلت:
—أي دفتر؟
ارتبك، ثم قال بسرعة:
—أقصد… دفتر ملاحظاتها القديم.
ابتسمت:
—لا أعرف ماذا تقصد.
اقتربت مريم مني وقالت:
—أبي، أنت تحتاج إلى الراحة. لا تجعل نفسك منشغلًا بأشياء قديمة تخص أمي.
نظرت إليها طويلًا، ثم قلت:
—بالمناسبة، لماذا كنتِ تضحكين عندما رأيتِ الدفتر؟
خفضت عينيها وقالت:
—لأنني كنت أعرف أن أمي لم تكن تملك شيئًا.
—هل كنتِ متأكدة؟
—طبعًا.
—وكيف؟
لم تجب.
تدخل رامي بسرعة:
—حسن، مريم حزينة، وأنت أيضًا. لا داعي لهذه الأسئلة الآن.
ابتسمت:
—معك حق.
ثم صعدت إلى غرفتي، أغلقت الباب، وأخرجت دفتر نادية من جيبي.
هذه المرة فتحته ببطء؛ كانت الصفحات الأولى مليئة بأرقام وتواريخ وأسماء شركات، لكن في الصفحة الأخيرة وجدت شيئًا مختلفًا.
كانت هناك جملة كتبتها نادية بخط يدها:
“إذا كنت تقرأ هذه الكلمات يا حسن، فهذا يعني أنني لم أعد موجودة لأخبرك الحقيقة بنفسي.”
توقفت أنفاسي وتابعت القراءة:
“سامحني لأنني أخفيت عنك بعض الأمور. لم أفعل ذلك طمعًا في المال، بل لأنني كنت أحاول حمايتك.”
ثم وجدت اسمًا جعلني أشعر أن الأرض تحتي تتحرك: رامي.
كتبت نادية: “لا تثق بزوج ابنتنا. لقد بدأ منذ سنوات في البحث عن أموالك، ولم يكن زواجه من مريم صدفة كما كنت تظن.”
وضعت يدي على فمي غير مصدق لما أقرأه، ثم قلبت الصفحة لأجد جملة أخيرة:
“لكن رامي ليس أخطر شخص في هذه القصة… الأخطر هو الشخص الذي سيحاول الوصول إليك بعد وفاتي.”
وفي أسفل الصفحة كتبت نادية اسمًا واحدًا فقط.. اسم أخي الأصغر، سامح.
في تلك اللحظة سمعت طرقًا خفيفًا على باب غرفتي، فأغلقت الدفتر بسرعة وسألت:
—من؟
جاءني صوت مريم:
—أنا يا أبي.
فتحت الباب وكانت تقف ووجهها شاحب، وقالت بصوت منخفض:
—أبي… أريد أن أخبرك بشيء عن رامي. أظن أن أمي كانت تعرف أنه يخدعني منذ سنوات.
ثم بدأت الدموع تنزل من عينيها:
—وأنا… اكتشفت شيئًا اليوم.
—ماذا اكتشفتِ؟
—وجدت في هاتفه رسالة أرسلها قبل وفاة أمي بيوم واحد.
—ماذا كانت تقول؟
أخرجت هاتفها وفتحت الرسالة، فقرأتها وكانت عبارة قصيرة: “بعد رحيلها، كل شيء سيكون لنا.”
رفع عيني إليها:
—هل تعرفين لمن أرسلها؟
هزت رأسها وقالت:
—أرسلها إلى خالي سامح.
في تلك اللحظة أدركت أن الأمر لم يعد مجرد حساب سري، بل كان هناك تحالف كامل داخل عائلتي، وأن نادية ربما كانت تعرف كل شيء قبل وفاتها وتترك لي الأدلة واحدًا تلو الآخر.
وفي صباح اليوم التالي، وصلتني رسالة من البنك:
“السيد حسن، نرجو حضوركم فورًا. حدثت محاولة جديدة للوصول إلى الحساب.”
لكن هذه المرة… لم تكن المحاولة من رامي، بل كان اسم الشخص الذي حاول الدخول إلى الحساب هو مريم، ابنتي نفسها.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *