القصه كامله محمد عبده

الجزء الثالث
حدقت في الرسالة طويلًا. مريم حاولت الدخول إلى الحساب!
كانت ابنتي الوحيدة هي نفسها التي بدأت الآن تبحث عن المال الذي أخفته والدتها.
ارتديت ملابسي وغادرت المنزل دون أن أخبر أحدًا، وعندما وصلت إلى البنك كان يوسف ينتظرني، فأغلق باب مكتبه وقال:
—حسن، علينا أن نتحدث بعيدًا عن أي شخص آخر.
—قل لي ماذا حدث.
فتح ملفًا على جهاز الكمبيوتر وقال:
—الساعة الثانية وسبع عشرة دقيقة فجرًا، حاول شخص استخدام بيانات قديمة مرتبطة بالحساب.
—وكانت مريم؟
—الاسم المستخدم للوصول كان اسمها، نعم.
شعرت بصدمة جديدة:
—هل يمكن أن يكون شخص آخر استخدم بياناتها؟
—هذا احتمال وارد، لكن هناك أمرًا أخطر.
أدار الشاشة نحوي وأضاف:
—الشخص الذي حاول الدخول لم يكن يبحث عن الرصيد فقط. كان يبحث عن ملف إلكتروني محدد اسمه “الأمانة”.
—وما هذا الملف؟
هز يوسف رأسه:
—لا أعرف، لكنه مرتبط بالحساب منذ أكثر من عشرين عامًا.
—هل تستطيع فتحه؟
—ليس من خلال النظام المصرفي العادي.
ثم أخرج ظرفًا بنيًا قديمًا وقال:
—هذا وصل إلى البنك قبل أسبوع من وفاة نادية، واسمي كان مكتوبًا عليه بخط زوجتي: “إلى حسن… لا يُفتح إلا بعد وفاتي.”
قال يوسف:
—هناك تعليمات من نادية بأن يُفتح بحضورك فقط، ومع وجود شاهد من البنك.
—افتحه.
فتحه يوسف، وفي داخله كانت ثلاثة أشياء: مفتاح صغير، صورة قديمة، ورسالة من صفحتين.
أمسكت بالصورة أولًا؛ كانت نادية تقف أمام مبنى قديم وإلى جوارها رجل لم أره من قبل، وخلف الصورة تاريخ يعود لأكثر من عشرين عامًا.
سألني يوسف:
—هل تعرف الرجل؟
حدقت في وجهه وقلت:
—لا.
فتحت الرسالة وبدأت أقرأ:
“حسن، إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فاعلم أنني لم أخفِ المال عنك لأنني لم أثق بك. أخفيته لأنني كنت أعرف أن هناك من سيحاول استخدام اسمك للوصول إلى كل ما بنيته.”
وتابعت القراءة:
“قبل زواج مريم من رامي، اكتشفت أن عائلته مرتبطة بمجموعة من الأشخاص الذين كانوا يبحثون عن مستثمرين أثرياء يمكن السيطرة عليهم. لم أكن أملك دليلًا كافيًا، وأنشأت حسابًا مستقلًا أودعت فيه أموالًا من مشروع قديم أنقذته قبل سنوات من الإفلاس.”
ثم كتبت:
“أما المفتاح، فهو لا يفتح صندوقًا في البنك، إنه يفتح خزانة في مكتبة نادية القديمة في وسط القاهرة.”
قال يوسف:
—هل تريد أن نذهب إلى هناك؟
—ليس الآن.
—لماذا؟
أخرجت هاتفي؛ كان لدي شعور قوي بأن أحدًا يراقب تحركاتي، فقلت:
—لأنني أريد أن أعرف أولًا لماذا حاولت مريم الدخول إلى الحساب.
اتصلت بابنتي وردت بسرعة:
—أبي؟
—أين أنت؟
—في المنزل.
—هل حاولتِ الدخول إلى حساب والدتك؟
ساد صمت طويل ثم قالت:
—من أخبرك؟
أغلقت عيني وقلت:
—إذن أنت فعلتِها؟
بدأ صوتها يرتجف:
—أبي، الأمر ليس كما تظن، رامي طلب مني ذلك.
—لماذا؟
—قال إن أمي تركت وثائق مهمة، وإنه يريد التأكد من أن أموال العائلة لن تضيع.
ضحكت بسخرية:
—أموال العائلة؟!
قالت بسرعة:
—لم أكن أعرف شيئًا عن الحساب السري، أقسم لك.
—وماذا كان رامي يعرف؟
صمتت طويلًا قبل أن تقول:
—كان يعرف أن أمي كانت تخفي شيئًا.. لكن هناك شيء لم أخبرك به.
—ماذا؟
—قبل وفاة أمي بيومين، دخلت غرفتها وسمعتها تتحدث عبر الهاتف وتقول: “إذا حدث لي شيء، حسن سيعرف الحقيقة من المفتاح.”
تجمدت في مكاني؛ نفس المفتاح الذي كان في جيبي الآن. سألتها:
—هل رأيتِ المفتاح؟
—لا.
—هل يعرف رامي عنه؟
—لا أعرف.
أغلقت الهاتف وتوجهت مباشرة إلى منزل أخي سامح.
عندما فتحت لي زوجته الباب ارتبكت، وما إن ظهر سامح حتى نظر إليّ طويلًا وقال:
—لم أتوقع أن تأتي بهذه السرعة.
كنت أعرف فورًا أنني وقعت في فخ. قلت:
—ماذا كنت تتوقع؟
نظر إلى جيبي، إلى المكان الذي وضعت فيه المفتاح، وقال:
—هل وجدته؟
—وجدت ماذا؟
ابتسم سامح ابتسامة صغيرة:
—لا فائدة من التظاهر يا حسن، نادية كانت تعرف أنني سأصل إليه في النهاية.
أخرجت هاتفي سرًا وبدأت تسجيل الحديث وقلت:
—ماذا يوجد في الخزانة؟
—شيء لو خرج إلى النور، لن يخسر رامي وحده.
—من أيضًا؟
—أنت يا حسن.
وقبل أن أرد، رن هاتف سامح وتغير وجهه:
—لقد عرفوا أنك جئت إليّ.
—من؟
—الأشخاص الذين كانت نادية تحاول حمايتك منهم.
وفي اللحظة نفسها، سمعت صوت سيارة تتوقف أمام المنزل وطرقًا قويًا على الباب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *