اخويا اتجوز ومعزمنيش ج٢
ما كنتش عارفة أتنفس.. كنت بدور على كلام أقوله بس مفيش كلام طالع:
—أنا كنت بحاول أساعد بس..
—أنتِ ما كنتيش بتساعدي! —صوت يوسف دخل في الكلام، وكان المرة دي أقوى وأحد—. أنتِ فعلاً خنقاني يا مي طول الوقت!
—أنا عندي 38 سنة، وأنت عندك 29 سنة يا يوسف، —وشوشتله.
—أنا راجل كبييير! —زعق فيه—. مش محتاجك تسألي عليا وتراقبيني كل يوم! ندى عندها حق.. أنا محتاج أعيش حياتي، محتاجين نعيش حياتنا!
سمعت صوت “تك” خفيفة كأنه إشعار، وبعدين صوت ندى اتغير وبقى أطرى.. سهوكة وكدب ينقط من كل كلمة:
—مي، أحنا بس عايزين اللي فيه الخير لينا كعيلة جديدة. أحنا كنا عارفين إنك هتخليها دراما، وعارفين إنك بتحاولي تخلي كل حاجة عنك أنتِ وعايشة دور الضحية.
فهمت الصوت ده كان إيه.. كانت بتسجل المكالمة! دي ما كانتش مكالمة تليفون.. ده كان “محتوى”! كانت بتسجل انهياري عشان معجبيها والمتابعين بتوعها يتفرجوا ويشوفوا قد إيه أنا شخصية سامة.
—أنتِ بتسجلي الكلام ده، —قلتها وما كانتش سؤال.
—وبمناسبة بقى اللي فيه الخير لينا يا حبيبي، —ندى كملت وكأنها مش شايفاني أصلاً—. قولها على فلوس حساب السفر!
يوسف برطم بكلام مش مفهوم، وندى طلعت تنهيدة مسرحية عالية:
—هو طيب زيادة عن اللزوم بصراحة.. الـ 300 ألف اللي محوشاهم عشان السفرية بتاعته دي، أحنا هناخدهم ونفكهم.
دمي اتجمد في عروقي:
—إيه؟ يوسف لا.. ما تعملش كده! دي لمستقبلك! دي بتاعة أمك!
—أحنا هناخدها نطلع بيها شهر عسل! —ندى أعلنت بتبجح—. شهر عسل حقيقي في المالديف! واللي يتبقى هندفع بيه القروض والأقساط المتأخرة عليا.. ده عدل ربنا، اعتبريها نقطتك ولديتك لينا في الفرح!
—ما تقدرواش تعملوا كده، —قلت بصوت ميت—. ده حساب تحويش مقفول للتعلّم والسفر.. هتتدفعوا غرامة كبيرة لو سحبتوها!
ندى ضحكت.. ضحكة عالية وحادة وقذرة:
—أحنا هنتصرف! أنتِ فاكرة نفسك ناصحة وذكية، بس أنتِ مش كده خالص.. نسيتي إنك سبتي الكلية عشان تشتغلي في محل طعمية؟
بس.. استخدمت الحاجة الوحيدة اللي اتخليت عنها وجيت على نفسي فيها عشانه، كس/لاح تضربني بيه. وسمعت أخويا.. الولد اللي ربيته على إيدي، ما نطقش بكلمة! ما دافعش عني، ما وقفهاش، ما قالهاش “كده زادت أوي”. كان شريك ساكت في إعدامي.
—أحنا هنعمل بلوك للنمرة دي دلوقتي، —ندى قالتها بفرحة مستفزة—. هنروح بقى نستمتع بجوازنا.. عيشي حياتك يا مي، أو باللي فاضل منها يعني!
السكة اتقفلت. قعدت على الأرض فترة طويلة. ما بقيتش بعيط خلاص.. كنت ساكنة. حاسة إني برة جسمي وببص على واحدة غريبة. قالت عليا “تصعب على الكافر”، وهو قال عليا خنقاه.. سرقوا فلوسي، سرقوا ماضيّ، سرقوا عيلتي.. وكانوا بيسجلوا ده، وكانوا فخورين بيه!
قمت وقفت.. رجليا كانت متخدرة. مشيت لحد الشماعة اللي جنب الباب وأخدت مفاتيح عربيتي. كان لازم أشوف وشهم.. كان لازم أشوف الولد اللي ربيته وبص في عينه وأسأله إزاي يعمل كده؟
السواقة لشقة التجمع أخدت 40 دقيقة.. مش فاكرة منها أي حاجة. مش فاكرة الزحمة ولا الراديو.. فاكرة بس إن صوابعي كانت بيضا من كتر ما كنت ضاغطة على دركسيون العربية. ما كنتش زعلانة.. مش دلوقتي. كنت فاضية.. ماشية على الـ Autopilot. كان لازم أصلح ده.. دي غلطة، سوء فهم! لو بس شفته واتكلمت معاه من غير ما هي تكون على الخط، هخليه يفهم.. هصلحها، أنا طول عمري بصلح كل حاجة!
ركزت عربيتي في مكاني.. المكان اللي أنا بدفع مصاريف صيانته. مشيت في الطرقة وعديت على الجنينة الصغيرة اللي ندى دايماً بتنزل صورها وما بتسقيهاش أبداً. مفتاحي كان لسة معايا.. المفتاح اللي اشتريته وأديتهم نسخة منه.
إيدي كانت بترتعش وأنا بحط المفتاح في الباب. قبل ما ألحق ألوفه، الباب اتفتح على آخره. ندى كانت واقفة.. ما كانتش متفاجأة، كانت مستنياني، وموبايلها مرفوع بالطول وبيسجل!
—أوه شوفوا مين جه! —قالت بصوت كله سم ومعجون برحمة مزيفة—. الست هانم وصلت اهي.. قلتلك هتجي يا حبيبي، ما بتعرفش تسيبنا في حالنا!
بصيت وراها.. الشقة.. شقتي أنا! متغرقة حاجات.. علب بيضا بشرايط بيضا كبيرة، مكنة إسبريسو جديدة على الرخامة، شاشة تلفزيون 80 بوصة جديدة متعلّقة على الحيطة، ورد، أزايز شربات، هدايا فرح من أهلها ومن أصحابهم.. حياة أنا ماليش أي وجود فيها!