اخويا اتجوز ومعزمنيش ج٢

​سحبت أوراقي من الكلية الأسبوع اللي بعده على طول. الكلية قالتلي ممكن تؤجلي، بس أنا كنت عارفة إني عمر ما هرجع تاني. بعت كتبي، وسيبت خطيبي، وأخدت يوسف وعزلنا من شقتنا الغالية لشقة إيجار صغيرة أوضتين وحمام في شبرا حيطانها بتشف الصوت.
​ونزللت اشتغلت. اشتغلت جرسونة في مطعم فول وطعمية من 6 الصبح لحد 2 الضهر. وبعدها أطلع على شغلانة حسابات لسباك في المنطقة من 3 العصر لحد 9 بالليل. كنت برجع البيت رجليا بتتخلع وريحة هدومي طالعة زيت وطعمية وقهوة، وبرضه أعد مع يوسف أراجعله واجبه.
​—ذاكرت لاختبار الرياضة؟ —أسأله.
​—أه، أي كلام خلاص، —يرد وهو متنح في الفيديو جيمز.
​—ما تقوليش أي كلام يا يوسف! وريني كشكولك!
​يتنهد تنهيدة درامية من بتاعة المراهقين دي، ويقولي إني زننانة وبضايقه، ويقولي إني مش أمه. وكان عنده حق.. أنا ما كنتش أمه. أمي كانت حنينة وصبورة، لكن أنا كنت تعبانة.. بنت عندها 23 سنة وحاسة إني عندي 50 سنة. أنا ما كنتش بربي أخ، أنا كنت بربي ابن وبطريقة غلط، بس أنا كنت كل حاجة فاضلاله في الدنيا.
​قطعت عهد وسر بيني وبين نفسي لروح أمي: “أنا مش هسيبه يضيع.. هخليه يعيش الحياة اللي كنتِ بتحلمي بيها عشانه.”
​فشديت على نفسي. دفعت ثمن أكله، هدومه، أدواته المدرسية. لما حب يشترك في نادي الكورة دفعت الاشتراكات. لما جاله قطع في الرباط الصليبي دفعت مصاريف المستشفى والعملية. اشتغلت في الويك إند، وفي الأعياد. ما خرجتش، ما اتعرفتش على حد.
​عشريناتي اختفت واتفرطت في شيفتات ورا بعض، وفواتير كهربا ومية، واجتماعات أولياء الأمور اللي كنت دايماً أصغر حد قاعد فيها.
​يوسف كبر، وكان ذكي وشاطر ودمه خفيف، واتعود على الوضع ده.. اتعود إني أنا شبكة الأمان بتاعته. عمره ما شال هم فلوس، ولا شال هم الأكل هييجي منين. هو كان بيعيش ويطلب بس، وأنا اللي بأمّن وبوفر.

​جاله قبول في هندسة عين شمس، وكانت غالية ومصاريف سكن وملازم. فاكرة لما شفت الفاتورة الحقيقية مش التقديرية.. كانت فلوس أكثر من اللي شفتها في حياتي كلها.
​بعت شقة أمي.. الشقة اللي كبرنا واتولدنا فيها. كنت مأجراها عشان أحافظ عليها، بس ما كانش كفاية. بعتها، وبعت دهب أمي، دبلتها، وحلقها الألماظ، وحطيت كل جنيه في تعليمه.
​كان بيبقى حنين ولطيف لما يعوز حاجة. كان يكلمني من السكن في الجامعة ويقولي: “أنتِ أحسن أخت في الدنيا يا مي، أنا ما كنتش هعرف أعمل أي حاجة من غيرك.”
​الكلمتين دول كانوا البنزين بتاعي.. كنت عايشة عليهم. كنت باكل أردأ نوع مكرونة ولابسة جزمة مقطوعة ونعلها دايب، بس أخويا هيركب ويبقى مهندس قد الدنيا.. وأنا نجحت في ده.
​اتعرف على ندى في أخر سنة ليه في الكلية. كانت “مبهرجة”.. دي الكلمة الوحيدة اللي توصفها. كانت بتدرس تجارة وعايزة تبقى بلوجر وإنفلونسر. تنزل صور لكل حاجة: أكلها، هدومها، طريقة حياتها. كانت تبصلي وأنا لابسة بلوزتي المنسولة بقالها 5 سنين وتبتسم.. ما كانتش ابتسامة طيبة، كانت ابتسامة تقليل وتقييم صفراء.
​يوسف اتغير. بدأ يتكلم عن الـ “براند” والمنظرة. بقى عايز عربية أنضف، وشقة أشيك. اتخرج واشتغل شغلانة كويسة، بس الفلوس ما كانتش بتيجي بسرعة كفاية عشان تعجب ندى. كانوا عايزين يعيشوا عيشة ملوكي.. عايزين شقة تمليك في التجمع.
​أنا كنت بشيل القرش على القرش بقالي 15 سنة، محوشة كل جنيه زيادات. الفلوس دي كان المفروض تكون لمستقبلي ولتحويشة العمر.. مقدم لحياة أنا ما سمحتش لنفسي أعيشها لسة.
​—ساعدينا بس في مقدم الشقة يا مي، —يوسف قالها لي—. والله هنردلك كل قرش، أوعدك.
​فأديتهم الفلوس، بس كريدت بنكهم كان زبالة. ندى كان عليها أقساط وقروض متأخرة كتير، فالبنك رفض يديها أي قرض.
​—مش راضيين يدونا القرض، —يوسف قالها وصوته مكسور، وندى كانت بتعيط وتتسهوك في الخلفية.
​فعملتها.. واشتريت الشقة. مليون ونص. اسمي على العقد، واسمي في البنك.
​—دي بس لحد ما تقفوا على رجلكم، —قلت لهم—. أدفعوا لي إيجار رمزي ونقول خلاص كده.
​ده كان من 3 سنين. كانوا بيدفعوا الإيجار ده شهر وشهر لأ.. دايماً ناقصين، بس أنا كنت بكمل تحويش. يوسف كان دايماً نفسه يسافر أوروبا، أمي كانت وعدته إنها هتسفره، وده كان الوعد الوحيد اللي أنا ما حققتوش لسة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *