جوزها رماها في المحطه ج١ صافي هاني

​ست عجوزة، ملامحها هادية جداً ولابسة نظارة شمس سودا عريضة، قربت بخطوات بطيئة وموزونة، وبتتحسس طريقها بعصاية بيضا. جت لحد عندي وقعدت جنبي على الدكة بكل هدوء وثقة، وكأنها عارفة المكان وعارفة مين اللي قاعد فيه.

​سكتت لحظة، وبعدين قالتلي بحنية أموية هزت قلبي: “أنتِ بتعيطي من بدري أوي يا بنتي.. دموعك دي حرقت قلبي وأنا ماشية”.

مسحت وشي بسرعة بكم كمومي وحاولت أجمع شتات نفسي وقلت بصوت مبحوح: “أنا.. أنا كويسة يا طنط.. مفيش حاجة”.

ابتسمت ابتسامة خفيفة ومطمنة وقالت: “يمكن عيني مش بتشوف يا بنتي، بس ربنا عوضني بسمع وقلب شغالين كويس جدًا.. قوليلي مالك؟”

​ومعرفش إزاي، السد اللي جوايا انهار تمامًا وانفجرت في العياط وحكيتلها كل حاجة وأنا بشهق. همستلها والوجع بياكل في صدري: “جوزي رماني هنا من كام ساعة.. وأخد فلوسي وكروتي وتليفوني وسابني في الضلمة لوحدي”.

ملامح وشها الطيب اتغيرت فجأة، مش لعلامات شفقة وصعبانية، لكن لغضب مكتوم قوي وواضح جداً في حواجبها اللي اتعقدت. سألتني بنبرة حازمة: “قاصد يعمل كده؟ يعني رماكي كعقاب؟”

هزيت رأسي بـ اه وأنا بنشج.

​فتحت قلبي للست الغريبة دي وحكيتلها عن عيشتي كلها مع طارق: كشف حساب الفيزا اللي بيمسكهولي كل أول شهر، المحاضرات والتهزيء اللي بيدهملي على كل قرش بطلعه، الطريقة المقرفة اللي بيتحكم بيها في كل مليم حتى مرتبى الصغير من شغل المكتبة اللي كان بينزل في حسابنا المشترك اللي هو عامله ومستولى عليه، أصحابي وأهلي اللي بعدهم عني بالتدريج عشان أبقى بطولي، والأسف والذل اللي كنت بدوقهم كل يوم وبقبلهم لمجرد إن المركب تسير والبيت يهدى ومطلقش.

​لما خلصت كلامي وأنا بنهج، بصت ناحيتي وسألتني سؤال غريب: “هتعملي إيه لو رجعتي البيت دلوقتي؟”

الإجابة طلعت مني تلقائي ومن غير تفكير، إجابة الست المكسورة المبرمجة على الإهانة: “هتبوس إيده ورجله وأتأسفله على غلط مش جريمته.. وأحاول أتحمل طبع الخناق أكتر عشان ميرمنيش تاني”.

​هنا الست رفعت راسها لفوق بكل كبرياء وقالت بصوت قوي يهز جبال: “علا، اسمعيني كويس واوعي تنسي الكلام ده طول عمرك. إنك تشتري أكل لبيتك وهدية لأمك العيانة دي مش قلة مسؤولية ولا سفه. لكن إنه ياخد شقاكي وفلوسك، ويعزلك عن الدنيا كلها، ويرميكي في مقطعة بالليل عشان يعلمك الأدب ويكسر عينك.. ده مش حب ولا تربية، ده اسمه تحكم مريض وفرض سيطرة، وعايز يحولك لخدامة مكسورة الجناح”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *