بنتي الحامل
على حياتهم.
كريم رفع عينيه عن الورقة.
يعني بابا كان عارف إن أمي في خطر، وبرضه استنى؟
نوال هزت راسها والدموع في عينيها.
أيوه. لكنه عمره ما اعترف لي بده. كان دايمًا يقول لي إن ده نصيب، وإن مفيش حاجة كانت هتغيّر اللي حصل.
كريم حط الجواب على رجله، وفضل ساكت.
وبعدين قال
طول عمري كنت فاكر إن أبويا راجل قوي، وإن لازم أسمع كلامه مهما حصل. ما كنتش أعرف إنه هو نفسه كان بيهرب من غلطته، وإننا كلنا بندفع تمنها.
نوال مسكت إيده.
أبوك مش شيطان يا كريم، لكنه عمل غلطة كبيرة، وبدل ما يواجهها، قضى عمره بيهرب منها. وإنت لازم تختار هتكرر غلطته، ولا هتكون أحسن منه؟
كريم ما ردش.
لكن من نظرة عينيه، عرفت إن حاجة جواه اتكسرت، وحاجة تانية بدأت تتبني.
مواجهة تانية… المرة دي من غير خوف
بعد يومين، مريم كانت لسه في المستشفى، لكن حالتها اتحسنت تدريجيًا، والطفل بدأ يستجيب للعلاج في الحضانة.
في اليوم التالت، قرر كريم يرجع الفيلا عشان يجيب شوية حاجات لمريم.
طلب مني أروح معاه، لكن نوال كانت مستنيانا هناك.
أول ما دخلنا، لقينا الحاج فؤاد قاعد في مكتبه، كأنه مستني اللحظة دي.
قال ببرود
أخيرًا افتكرت إن ليك بيت وأب.
كريم حط العلبة الخشب على المكتب.
أنا جاي أتكلم معاك في موضوع واحد.
الحاج فؤاد بص للعلبة، وشه اتغير، لكنه حاول يحافظ على هدوئه.
أمك لسه مصممة تفتح القديم؟
كريم رد
لأ. المرة دي أنا اللي عايز أسمع منك.
طلع الجواب وحطه قدامه.
إنت كنت عارف إن أمي في خطر، ومع ذلك أخّرت نقلها للمستشفى عشان عزومة؟
الحاج فؤاد اتنحنح، وبعدها قال
إنت ما كنتش موجود وقتها، وما تعرفش الظروف اللي كنت فيها.
طب اشرحها لي.
كنت مسؤول عن عيلة كبيرة، وكان فيه ناس مهمة مستنيانا. كنت فاكر إننا هنلحق، وما كنتش متخيل إن الأمور هتوصل لكده.
كريم بص له بوجع.
ولما مات ابنك، ليه ما اعترفتش بالحقيقة لأمي؟
الحاج فؤاد سكت.
وبعد لحظات، قال
كنت خايف أخسرها هي كمان. كنت عارف إنها لو عرفت إني كنت فاهم خطورة الموقف، عمرها ما هتبص لي بنفس الطريقة.
نوال، اللي كانت واقفة عند الباب، قالت
وبدل ما تديني فرصة أختار بنفسي، سيبتني خمسة وتلاتين سنة أعيش وأنا بلوم نفسي!
الحاج فؤاد بص لها، وعينيه بدأت تلمع.
أنا كنت جبان يا نوال. كنت خايف من الحقيقة، وخايف من نفسي.
نوال ردت بصوت هادي لكنه موجع
وأنا كنت محتاجة جوزي، مش محتاجة واحد يقرر عني إيه اللي أقدر أتحمله وإيه اللي ما أقدرش أتحمله.
فضل الصمت مالي المكان.
وبعدين كريم قال
أنا مش جاي أطلب منك فلوس، ولا جاي أفضحك قدام العيلة. أنا جاي أقول لك إن اللي حصل مع أمي ما كانش لازم يتكرر مع مريم.
الحاج فؤاد رفع عينيه.
أنا ما كنتش عايز أضر مراتك.
لكنك كنت شايفها بتتألم، وبرضه أصريت إنها تفضل عشان عيد ميلادك. الفرق بينك وبين اللي حصل زمان إن مريم لحقت المستشفى. ولو كنت اتأخرت عشر دقايق كمان، ما حدش كان يقدر يضمن النتيجة.
كريم قرب خطوة.
من النهارده، مراتي وابني مش هيعيشوا تحت ضغط رضاك عني. أنا بحترمك كأبويا، لكن مش هسمح لك تتحكم في حياتي على حسابهم.
الحاج فؤاد حاول يقاطعه
إنت بتختار مراتك على أبوك؟
كريم رد بهدوء
أنا باختار إني أكون زوج وأب مسؤول. وده ما يمنعنيش إني أكون ابنك. لكن مش هبقى ابنك بالطريقة اللي تخليني أظلم أهل بيتي.
لأول مرة، الحاج فؤاد ما لاقاش رد.
نوال قربت من المكتب، وشالت صورة ابنها المتوفى من العلبة، وحطتها قدامه.
أنا مش عايزاك تعيش عمرك تعاقب نفسك. أنا عايزاك تعترف باللي حصل، وتبطل تكرر نفس الغلط مع ابنك ومراته.
الحاج فؤاد مسك الصورة بإيد مرتعشة، وبدأ يعيط.
ما كانش عياط يقدر يمسح اللي حصل، ولا يرجّع الطفل اللي مات، لكنه كان أول اعتراف حقيقي منه بعد خمسة وتلاتين سنة.
المفاجأة اللي محدش كان متوقعها
بعد أسبوع، مريم خرجت من المستشفى، والطفل لسه محتاج متابعة طبية، لكنه كان بيتحسن يوم بعد يوم.
سمّيناه آدم.
ولما شلته لأول مرة بين إيديا، حسيت إن ربنا إداني فرصة أشوف حفيدي، وإن الليلة اللي بدأت بخوف ودموع انتهت بأمل جديد.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعد شهر.
كنا قاعدين في بيت مريم، لما كريم دخل ومعاه ظرف كبير.
مريم بصت له باستغراب.
إيه ده؟
قعد قدامها وقال
أنا عايز أوريكي حاجة، بس قبلها لازم أقول لك إنك مش مطالبة تسامحيني لمجرد إني اعتذرت.
فتح الظرف، وطلع منه ورق رسمي.
كان أول ورقة طلبًا لحجز جلسات استشارات زوجية، والتانية اتفاقًا مكتوبًا بينه وبين مريم لتنظيم مسؤوليات البيت ورعاية آدم، وحدود تدخل العيلتين في حياتهم.
مريم رفعت عينيها له.
إنت عامل كل ده ليه؟
قال
عشان فهمت إن الاعتذار لوحده مش كفاية. أنا محتاج أثبت لك إني اتغيرت، وإنك مش هتفضلي طول عمرك خايفة من رد فعلي أو من زعل أبويا.
سكت شوية، وبعدين كمل
أنا كمان بدأت أروح لمعالج نفسي عشان أتعلم أواجه خوفي من أبويا، بدل ما أطلعه عليكي. ومش هطلب منك ترجعي تثقي فيا بسرعة. أنا اللي لازم أستحق ثقتك من جديد.
مريم فضلت ساكتة، وبعدين قالت
أنا مش عايزة بيتنا يتحول لساحة خناقات بينك وبين أهلك. أنا عايزة أحس بالأمان. لو تعبت، تصدقني. لو قلت لأ، تحترم كلامي. ولو حصلت مشكلة، ما تسيبنيش لوحدي قدام أي حد.
كريم هز راسه.
عندك حق.
مريم بصت له طويلًا.
أنا هدي علاقتنا فرصة، بس مش هرجع أعيش زي الأول. ولو رجعنا لنفس الدائرة، أنا هختار نفسي وابني.
كريم وافق من غير اعتراض.
ما كانش فيه حضن سينمائي، ولا اعتذار خلّى كل الجروح تختفي في ثانية.
كان فيه قرار صعب إنهم يحاولوا من جديد، بشروط واضحة، وبمسؤولية حقيقية.
وده كان أهم من أي كلام جميل.
بعد ستة شهور… عيد ميلاد مختلف تمامًا
عدّت ست شهور.
آدم كبر، وبقى بيبتسم لما يسمع صوت جدته، ومريم بدأت تستعيد صحتها وقوتها بالتدريج.
أما نوال، فكانت بتزور حفيدها كل أسبوع، وتقعد مع مريم بالساعات، تحكيلها عن حياتها، وتسمع منها من غير ما تحكم عليها.
والحاج فؤاد؟
اتغير، لكن مش بين يوم وليلة.
بدأ يعتذر لنوال عن سنين الصمت، ووافق يروح معاها لمختص يساعدهم يتعاملوا مع الحزن القديم اللي فضّل مدفون جواهم.
وفي عيد ميلاده اللي بعد كده، أصرّ إنه يعمل عزومة صغيرة في بيته.
لكن المرة دي، قبل ما الضيوف يوصلوا، اتصل بمريم بنفسه.
يا بنتي، إنتِ وكريم وآدم تنورونا لو حابين تيجوا. ولو آدم تعبان أو إنتِ مش قادرة، ما تتعبيش نفسك. صحتكم أهم من أي عزومة.
مريم بصت لي وهي بتتكلم في التليفون، وابتسمت ابتسامة صغيرة.
بعد ما قفلت، سألتها
هتروحي؟
قالت
أيوه يا ماما. بس المرة دي أنا رايحة وأنا عارفة إن من حقي أمشي في أي وقت، ومن حقي أرفض أي حاجة مش مناسبة ليا أو لابني.
رحنا العزومة، وكانت بسيطة وهادية.
في نص القعدة، الحاج فؤاد قام، وطلب من الموجودين يسمعوه.
بص لنوال، وبعدين بص لكريم ومريم.
وقال