بنتي الحامل

في الطريق؟
أيوه.
الدكتورة هالة طلبت من الموجودين يوسّعوا المكان، وفضلت تتابع حالة مريم لحد ما وصلت سيارة الإسعاف.
وفي أقل من عشر دقايق، كانت بنتي على الترولي، وأنا راكبة معاها، وكريم واقف عند باب الفيلا مش عارف يعمل إيه.
قبل ما باب الإسعاف يتقفل، بصيت له وقلت
لو عايز تيجي، تعالى ورا العربية. لكن لو جاي عشان تبرر اللي عملته، خليك مكانك.
وبعدين قفلت الباب.
في المستشفى… بين حياة بنتي وحياة حفيدي
كانت الساعة قربت من عشرة بالليل لما وصلنا المستشفى.
فريق الطوارئ أخد مريم على طول، وأنا فضلت واقفة في الممر، إيدي بتترعش، وبدعي ربنا يحفظها هي وابنها.
بعد شوية، خرجت دكتورة من غرفة الكشف.
حضرتك والدة المريضة؟
أيوه يا دكتورة. بنتي عاملة إيه؟ والبيبي؟
قالت لي بهدوء
عندها علامات مقلقة جدًا لتسمم الحمل، وضغطها مرتفع، ولازم نتابعها لحظة بلحظة. هنحتاج نقيّم حالة الجنين ونحدد أسرع طريقة آمنة للتعامل مع الحالة.
حسيت إن رجلي مش شيلاني.
يعني ممكن يحصل لها حاجة؟
الدكتورة بصت لي مباشرة.
إحنا هنعمل كل اللي نقدر عليه عشان نحافظ عليها وعلى طفلها. لكن الحالة محتاجة تدخل عاجل، ومينفعش نضيّع وقت.
دخلت مريم غرفة المتابعة، وأنا قعدت على كرسي في الممر، حاطة إيدي على وشي.
بعد دقائق، وصل كريم.
كان بيجري، وقميصه متكرمش، وشعره منكوش، ولأول مرة أشوفه خايف بالشكل ده.
قرب مني وقال
خالتي… مريم فين؟
ما رديتش.
كرر السؤال، وصوته بدأ يتهز.
أرجوكي، قولي لي هي فين!
بصيت له وقلت
جوه، بين إيدين ربنا والدكاترة. وفي الوقت اللي إنت كنت خايف فيه من زعل أبوك، بنتك أو ابنك كان ممكن يخسر أمه قبل ما يشوف الدنيا.
كريم حط إيده على راسه وقعد جنبي.
أنا غلطت.
إنت مش غلطت النهارده بس يا كريم. إنت غلطت كل مرة خليت بنتي تحس إن وجعها أقل أهمية من رضا أهلك.
نزل راسه، وما حاولش يدافع عن نفسه.
وبعد لحظات، قال بصوت واطي
أنا طول عمري بخاف من أبويا. من وأنا صغير، لو اتأخرت خمس دقايق، كان يحرجني قدام الناس. لو اعترضت على حاجة، يقولي إني قليل الأصل. كنت فاكر إن لو نفذت كل كلامه، هيرضى عني.
بصيت له بمرارة.
فقررت تخلي مراتك تدفع تمن خوفك؟
ما ردش.
وبعد شوية، قال
أمي كانت بتقول لي إن أخويا مات وهي بتولده، وإن أبويا كان بيعمل المستحيل عشان ينقذها. عمري ما سمعت منها التفاصيل دي.
بصيت له، وافتكرت العلبة الخشب اللي كانت في الفيلا.
وقبل ما أسأله أي سؤال، خرجت الممرضة وقالت
أهل المريضة؟ الدكتور عايز حد منكم.
قمنا إحنا الاتنين بسرعة.
دخلنا غرفة جانبية، ولقينا الدكتورة بتراجع نتائج الفحوصات.
قالت
إحنا بدأنا العلاج اللازم لخفض الضغط، وهنفضل نراقب حالتها والجنين. لكن بسبب شدة الأعراض، الفريق الطبي شايف إن الولادة المبكرة قد تكون الخيار الأكثر أمانًا. هنشرح لكم الوضع بالتفصيل قبل اتخاذ القرار المناسب.
كريم وشه اصفر.
يعني الطفل ممكن يتولد دلوقتي؟
أيوه، وممكن يحتاج رعاية في حضانة حديثي الولادة. لكن الأولوية إننا نحافظ على حياة الأم، ونقيّم حالة الطفل باستمرار.
أنا ما قدرتش أتكلم.
كل اللي قدرت أعمله إني أمسك إيد كريم وأقول
ادعي ربنا.
ولأول مرة، شفت دموعه تنزل من غير ما يحاول يخبيها.
السر اللي رجع من الماضي
بعد حوالي ساعة، وأنا قاعدة في الممر، موبايل كريم رن.
كان أبوه.
رد عليه، وسمعته بيقول
أيوه يا بابا.
جاله صوت الحاج فؤاد غاضبًا من الطرف التاني
إنت فين؟! الضيوف مشيوا، والتورتة لسه متقطعتش، وإنت سايب أمك لوحدها في البيت!
كريم سكت ثواني، وبعدين قال
مريم في المستشفى يا بابا. حالتها خطيرة، وممكن تولد الليلة.
أبوه رد بحدة
وإنت بتقول لي الكلام ده كأنك بتتهمني! أنا ما أجبرتش حد على حاجة. وبعدين أمك كانت حامل قبل كده وعدّت عليها ظروف أصعب!
كريم بص لي، وبعدها قال
هو إنت فعلًا كنت عارف إن أمي كانت ممكن تموت لما أخويا مات؟
ساد صمت طويل.
وبعدين الحاج فؤاد قال
مين اللي فتح الكلام ده تاني؟
أمي. وأنا عايز أعرف الحقيقة.
الحقيقة إن أخوك مات، وأمك عاشت. دي كانت إرادة ربنا، ومفيش كلام تاني.
كريم صوته على لأول مرة.
طب ليه أمي محتفظة بتقرير الدكتور وشريط التسجيل؟!
سمعنا صوت نفس الحاج فؤاد بيتغير.
وبعدين قال
إنت ما تعرفش إنت بتتكلم في إيه. اقفل التليفون وتعالى البيت.
كريم رد
مش راجع غير لما أطمن على مراتي وابني.
وقفل المكالمة.
فضل ماسك الموبايل شوية، وبعدها قال لي
أنا لازم أرجع أسمع التسجيل ده.
قلت له
دلوقتي أهم حاجة مريم. لكن لما نطمن عليها، لازم كل واحد في العيلة يعرف الحقيقة كاملة.
الحقيقة اللي أخفاها الحاج فؤاد
قرب الفجر، خرجت الدكتورة من غرفة العمليات، ووشها مرهق، لكن ابتسامتها الصغيرة كانت كفاية تخليني أقف من مكاني.
الحمد لله، الأم مستقرة حاليًا. الولادة تمت، والطفل اتنقل للحضانة عشان يتابعوا تنفسه وحرارته، لأنه اتولد قبل ميعاده.
حطيت إيدي على صدري، وانهرت في العياط.
بنتي عايشة؟
أيوه، وهي تحت الملاحظة. محتاجين نتابع ضغطها ووظائف أعضائها، لكن حالتها مستقرة في الوقت الحالي.
كريم سند راسه على الحيطة، وفضل يعيط بصمت.
بعد شوية، سمحوا لنا نشوف مريم من بعيد.
كانت مرهقة جدًا، لكنها فتحت عينيها أول ما سمعت صوتي.
ماما…
مسكت إيدها وبستها.
أنا هنا يا قلب أمك.
همست
ابني عامل إيه؟
الحمد لله يا حبيبتي، في الحضانة، والدكاترة بيتابعوه. إنتِ أهم حاجة ترتاحي وتتعافي.
بصت ناحية كريم، اللي كان واقف بعيد شوية.
هو جه؟
قلت لها
أيوه، وهو مستنيكي.
كريم قرب، وركع جنب سريرها.
مريم، أنا آسف.
مريم بصت له طويلًا، وبعدين قالت
أنا مش قادرة أتكلم دلوقتي يا كريم. أنا تعبانة.
هز راسه.
مش هضغط عليكي. ارتاحي، وأنا هفضل هنا.
خرجنا من الغرفة عشان نسيبها ترتاح، لكن قبل ما أرجع أقعد، لقيت نوال جاية من آخر الممر.
كانت عينيها حمرا من العياط، وفي إيدها العلبة الخشب نفسها.
قعدت جنبي وقالت
مريم عاملة إيه؟
الحمد لله، ربنا نجاها هي وابنها.
نوال غمضت عينيها، ورفعت إيديها للسما.
الحمد لله… الحمد لله.
وبعدين بصت لكريم وقالت
لازم تسمع الحقيقة يا ابني. مش عشان تكره أبوك، لكن عشان ما تكررش اللي عمله.
فتحت العلبة، وطلعت التقرير الطبي القديم.
كان مكتوب فيه إن نوال عانت من مضاعفات خطيرة أثناء حملها السابق، وإنها كانت محتاجة نقلًا عاجلًا للمستشفى، وإن التأخير في تقديم الرعاية زوّد خطورة حالتها.
لكن اللي صدم كريم ما كانش التقرير وحده.
كان فيه جواب بخط الحاج فؤاد، مؤرخ من خمسة وتلاتين سنة.
نوال قالت
بعد ما خرجت من المستشفى، الدكتور سلّمني نسخة من التقرير. وبعدها بشهور، لقيت الجواب ده في درج مكتب أبوك.
كريم فتح الجواب وبدأ يقرأ.
كان مكتوب فيه إن الحاج فؤاد كان عارف بخطورة حالة مراته قبل نقلها للمستشفى، لكنه أصر على استكمال عزومة عائلية مهمة، معتقدًا إنهم يقدروا يتحركوا بعدها.
ولما وصلوا المستشفى، كان الطفل قد فارق الحياة.
نوال كانت فاكرة إن ده كل شيء، لحد ما اكتشفت في آخر الجواب سطرًا أصابها بالصدمة
لو عرفت إن التأخير هيخلّيها تخسر ابنها، كنت مشيت فورًا. لكني خفت من كلام الناس، وخفت أعترف إني فضّلت العزومة

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *