بنتي الحامل
بنتي اللي في الشهر التامن من الحمل، ترجّتني أركن على جنب عشان تدخل الحمّام وإحنا في طريقنا نتعشّى عند أهل جوزها. لكنه زعق فيها وقال مش هنتأخر على أهلي عشان دلعك ده! شغّلت الإشارة وركنت بالعربية. وبعد عشر دقايق، ممرضة اكتشفت حاجة خطيرة لدرجة إن العشا العائلي ده كان ممكن يتحوّل لكارثة محدش يتخيلها!
الجزء الأول
إوعي تفكّري توقفي يا حماتي! أبويا عامل عيد ميلاده السبعين، ومش هسمح إن مريم تكسفنا قدامه للمرة اللي مش عارف كام دي! صرخ جوز بنتي، في الوقت اللي بنتي الحامل في الشهر التامن كانت بتترجّاني من الكنبة اللي ورا.
في الليلة دي، فهمت إن فيه عائلات ممكن تهتم إنها توصل معاد حفلة أكتر ما تهتم بحياة ست حامل والطفل اللي في بطنها.
أنا اسمي أمينة، عندي 65 سنة، واشتغلت أكتر من تلاتين سنة مدرّبة سواقة في القاهرة. شوفت سواقين بيتوتروا من أقل حاجة، وحوادث صعبة، وناس مقتنعة إن التأخير خمس دقايق مصيبة ملهاش حل.
لكن عمري ما تخيلت إن قرار بسيط زي إني أركن بالعربية على جنب الطريق، هيكون السبب في كشف سر عائلي مدفون بقاله خمسة وتلاتين سنة!
كان يوم سبت، والمطر بينزل بغزارة وبيخبط في إزاز عربيتي النيسان الصني القديمة الفضي.
كنت موصّلة بنتي مريم، عندها 32 سنة وفي الأسبوع التالت والتلاتين من الحمل، هي وجوزها كريم، عند أهل جوزها في الفيلا بتاعتهم في أطراف مدينة طنطا، عشان عيد ميلاد حمايا الحاج فؤاد، اللي بيكمل سبعين سنة.
كريم طول الطريق عينه في الموبايل، وكل شوية يبص في الساعة ويتنهد بضيق.
قال بعصبية
بابا قال إن العشا هيبدأ الساعة تمانية بالظبط. وإنتِ عارفة إنه بيتقلب لما حد يتأخر عليه.
رديت عليه وأنا مركزة في الطريق
قوله إننا ماشيين براحتنا. الطريق زلق والمطر مش مخلّي الرؤية واضحة.
من الكنبة اللي ورا، مريم طلبت مني أوطّي صوت الراديو.
وبعدها طلبت مني أقلّل نور التابلوه.
بصيت لها في المراية، ولاحظت إن عينيها وارمة، وإنها كل شوية تحط صوابعها على صدغها وتضغط عليه كأن راسها بتوجعها جامد.
قلبي اتقبض.
مالك يا حبيبتي؟ راسك بتوجعك؟
حاولت تبتسم وقالت
وجع بسيط يا ماما، أكيد من الحمل. متقلقيش.
لكن أنا أمها، وعارفة إمتى بتكون كويسة وإمتى بتخبي وجعها عشان ما تقلقنيش.
بعد حوالي عشرين دقيقة، وإحنا في طريق مظلم على أطراف الطريق الزراعي، مريم اعتدلت في قعدتها فجأة وقالت بصوت مرتعش
ماما، والنبي اركني عند أول بنزينة. لازم أدخل الحمّام.
كريم لفّ لها بسرعة، وملامحه اتغيّرت من الغضب.
إحنا خلاص قربنا نوصل! هو كل شوية هنقف عشان طلباتك دي؟
مريم حطت إيدها على بطنها وقالت بصوت ضعيف
يا كريم، أرجوك… أنا مش قادرة، وحاسة إني تعبانة.
خبط كريم بإيده على التابلوه وقال
هو أنا ناقص وجع دماغ؟! أبويا مستنينا، ومش هنتأخر عليه عشان دلع مالوش لازمة!
بصيت له من المراية، وقلت بنبرة حاسمة
دي بنتي، مش هسيبها تتعذب عشان حضرتك خايف من زعل أبوك.
يا حماتي، إنتِ كده بتكبّري الموضوع!
ما رديتش عليه.
شغّلت الإشارة، وركنت عند أول بنزينة قابلتنا.
فضل يزعق ويتأفف، لكن أنا ما اهتمتش.
كان فيه حاجة في صوت بنتي فكّرتني بأيام طفولتها، لما كانت تصحى من كابوس وتناديني وهي مرعوبة. كنت بعرف من نبرة صوتها إنها محتاجة لي، حتى لو مش قادرة تشرح السبب.
نزلت مريم من العربية بالعافية، وكانت بتسند نفسها على الحيطة وهي ماشية ناحية الحمّام.
قلبي ما ارتاحش، فبعد شوية نزلت وراها.
ولما دخلت، لقيتها قاعدة جنب الحوض، وشها شاحب ودموعها نازلة.
وكانت فيه ست غريبة لابسة يونيفورم تمريض، وبتقيس لها الضغط.
الست رفعت عينيها أول ما شافتني وقالت بسرعة
حضرتك والدتها؟
أيوه، خير؟ بنتي مالها؟
أنا سعاد، ممرضة متخصصة في متابعة الحمل والولادة. كنت معدّية من هنا، ولما سمعتها بتتكلم عن الصداع والزغللة، قلقت عليها. قالت لي إنها بقالها كذا يوم بتشتكي من الصداع، وإنها ساعات بتشوف وميض قدام عينيها.
بصيت لبنتي بصدمة.
إنتِ ما قولتيليش الكلام ده يا مريم!
مريم نزلت عينيها في الأرض، ومقدرتش ترد.
سعاد بصّت لجهاز الضغط، وفجأة ملامحها اتغيّرت تمامًا.
الضغط عندها 160 على 100!
حسّيت إن الأرض بتلف بيا.
سعاد بصّت لمريم، وبعدها بصّت لي بجدية شديدة، وقالت
الأعراض دي ممكن تكون علامة على تسمم الحمل. دي حالة خطيرة، وممكن تهدد حياة الأم والجنين لو ما اتلحقتش بسرعة. لازم تروح المستشفى حالًا، وممنوع تكملوا طريقكم على أي مناسبة!
حسّيت برجلي بتترعش.
تسمم حمل؟! يعني بنتي في خطر؟
أنا مش هقدر أشخّص حالتها بشكل نهائي هنا، لكن العلامات اللي قدامي مقلقة جدًا، ومينفعش نضيّع دقيقة. لازم طوارئ مستشفى فيها قسم نسا وتوليد فورًا.
سعاد اتصلت بطبيب الطوارئ المناوب، وبإذن مريم صوّرت قراءة الضغط عشان تبعتها له وتبلّغه بالأعراض.
كنت خلاص باخد بنتي من إيدها عشان نتحرك على أقرب مستشفى، لكن مريم مسكت إيدي بقوة.
ماما، استني… أرجوكي.
بصيت لها بعدم تصديق.
أستنى إيه يا بنتي؟ إنتِ سمعتي الست بتقول إيه!
انفجرت مريم في العياط، وقالت بصوت مكسور
لو رجعنا دلوقتي، حماتي هتقول إني بتدلع وبعمل حركات عشان أهرب من عيد ميلاد أبو جوزي. وهتفضل تعايرني إني من ساعة ما حملت وأنا عاملة نفسي تعبانة، وإن كل حاجة لازم تمشي على مزاجي.
سكتت لحظة، ومسحت دموعها، وبعدين كملت
وكريم هيقف في صفي قدامك دلوقتي، وبعد ما نرجع هيتخانق معايا ويقولي إني فضحته قدام أهله. أنا تعبت يا ماما… تعبت من إني كل مرة لازم أثبت إني فعلًا موجوعة عشان يصدقوني.
حسّيت بغضب عمره ما دخل قلبي بالشكل ده.
بنتي اللي ربيتها واتمنيت أشوفها أسعد واحدة في الدنيا، بقت خايفة على زعل أهل جوزها أكتر من خوفها على صحتها وصحة ابنها!
بصيت لسعاد، لقيتها بتحاول تهدي مريم، وبعدها قالت لي بصوت واطي
اسمعيني، أنا مقدّرة ظروفكم، بس الموضوع مش بسيط. لو الأعراض دي موجودة، مينفعش نعتبر إنها اتحسنت لمجرد إنها قدرت تقف أو تتكلم. لازم تتكشف فورًا.
وافقت إني أرجع بالعربية ناحية المستشفى، لكن مريم فضلت تترجاني إني ما أعملش مشكلة قدام جوزها، وإنها هتكون كويسة لحد ما نوصل.
وللأسف، ارتكبت غلطة عمري لما وافقت أكمّل معاهم لبيت أهل جوزها، على أمل إني أقدر أسيطر على الموقف وأرجّعها المستشفى أول ما تظهر عليها أي علامة تعب جديدة.
ركبنا العربية تاني.
طول الطريق، كنت ببص عليها في المراية كل شوية، وهي بتحاول تقنعني بابتسامة باهتة إنها كويسة.
أما كريم، فرجع يمسك موبايله وكأن مفيش أي حاجة حصلت.
وصلنا بعد تأخير ستاشر دقيقة.
أول ما دخلنا الفيلا، لقينا الحاج فؤاد واقف عند باب الصالون، لابس بدلة غالية وساعة دهب، وباصص في ساعته بضيق.
قال ببرود
الالتزام بالمواعيد دليل على احترام الواحد لعيلته. اللي بيحترم الناس، ما يسيبهمش مستنيينه.
حاولت أرد بهدوء
معلش يا حاج فؤاد، الطريق كان صعب والمطر…
قاطعني وهو بيشاور بإيده
كل واحد عنده حجة جاهزة!
قبل ما أتكلم، ظهرت حماتي بنتي، الحاجة نوال، من جوه الصالون، وبصّت لمريم من فوق لتحت.
قالت وهي بتعدل طرحتها
أنا كنت بشيل وأشتغل لحد آخر يوم