بنتي الحامل

لمحة نيوز

في حملي، وما كنتش بعمل كل الدوشة دي. ستات زمان كانت أقوى من دلوقتي، مش كل شوية واحدة تقول تعبانة وتوقف الدنيا!
مريم نزلت راسها، وشفايفها بدأت ترتعش.
مسكت إيديها، وساعدتها تقعد على الكنبة، وأنا من جوايا كنت بغلي.
إزاي أم تقدر تبص لواحدة حامل في شهرها التامن، وشها أصفر وعينيها وارمة، وتتهمها بالدلع؟!
لكن قبل ما أفتح بقي، موبايل مريم اهتز.
كانت رسالة من الممرضة سعاد.
فتحت مريم الرسالة، وقرتها بسرعة، وبعدها وشها اتغيّر تمامًا.
مدت لي الموبايل من غير ما تتكلم.
كانت الرسالة بتقول إن الطبيب المناوب، بعد ما عرف قراءة الضغط والأعراض، طلب إنها تتوجه للطوارئ فورًا، وإن التأخير ممكن يعرّضها هي والجنين لمضاعفات خطيرة.
وقفت في مكاني وقلت
مريم لازم تروح المستشفى حالًا. إحنا مش هنستنى دقيقة كمان.
لكن بنتي فجأة حطت إيدها تحت ضلوعها، وانكمشت من الوجع.
ماما… الحقيني. أنا حاسة بوجع شديد هنا.
جريت عليها، وركعت قدامها.
مريم! بصي لي يا حبيبتي. الوجع عامل إزاي؟!
كانت بتتنفس بسرعة، ووشها بقى أبيض بشكل يخوّف.
وقفت وقلت بصوت عالي
حد يطلب الإسعاف! بسرعة!
لكن الحاج فؤاد خبط بإيده على السفرة، لدرجة إن الكوبايات اتهزت.
إيه اللي بيحصل ده؟! هو مفيش يوم يعدّي من غير ما مريم تعمل لنا مصيبة؟! محدش هيمشي من هنا قبل ما نقطع التورتة!
بصيت له وأنا مش مصدقة اللي بسمعه.
إنت بتتكلم عن إيه يا حاج؟ دي ممكن تكون بتموت قدام عينينا!
صرخ كريم
ماما، اهدي! إنتِ كمان مش لازم تكبّري الموضوع!
لفّيت له ببطء، وكنت على وشك أرد عليه رد عمره ما هينساه.
لكن قبل ما أتكلم، حصلت حاجة محدش في البيت كان متوقعها.
الحاجة نوال، اللي كانت من شوية بتتهم مريم بالدلع، قامت واقفة فجأة، ووشها بقى أبيض زي الورق.
كانت بتبص لجوزها الحاج فؤاد، وعينيها مليانة رعب، كأنها شافت شبح قديم رجع يطاردها بعد سنين طويلة.
إيديها بدأت تترعش، والكوباية اللي كانت ماسكاها وقعت من إيدها واتكسرت على الأرض.
الحاج فؤاد بص لها بحدة وقال
مالك إنتِ كمان؟! اقعدي مكانك!
لكنها ما قعدتش.
بصت له، وصوتها خرج مخنوق وهي بتقول
فاكر يا فؤاد؟ من خمسة وتلاتين سنة، أنا كمان كنت حامل، وكنت بتألم وبترجاك تاخدني المستشفى…
الحاج فؤاد اتجمّد مكانه.
نوال كملت، ودموعها بدأت تنزل على خدودها
وإنت قلت لي وقتها إن مفيش حاجة تستاهل نسيب الضيوف ونمشي عشانها…
سكتت لحظة، وبصت له نظرة عمري ما هقدر أنساها.
وبعدين قالت الجملة اللي خلت الحاج فؤاد يفلت الكوباية من إيده، وتتكسّر على الأرض
لحد النهارده، إنت ما قلتليش الحقيقة… ابننا مات قبل ما نوصل المستشفى، ولا إنت كنت عارف إن حالتي كانت أخطر بكتير من اللي كنت بتقوله لي؟
النهاية السر اللي اتدفن خمسة وتلاتين سنة… والليلة اللي قلبت عيلة فؤاد كلها!
لحد النهارده، إنت ما قلتليش الحقيقة… ابننا مات قبل ما نوصل المستشفى، ولا إنت كنت عارف إن حالتي كانت أخطر بكتير من اللي كنت بتقوله لي؟
صوت الحاجة نوال كان بيرتعش، لكن كل كلمة خرجت من بقها وقعت على الحاج فؤاد زي الطوب.
الصالون كله سكت.
حتى كريم، اللي كان من شوية بيزعق في مراته عشان ما تتأخرش على عيد ميلاد أبوه، وقف مش عارف ينطق.
الحاج فؤاد حاول يلمّ الموقف، فمسح بقه بالمنديل وقال بعصبية
إنتِ هتفتحي الكلام ده دلوقتي؟ قدام الناس كلها؟! إحنا اتكلمنا في الموضوع ده من زمان، وخلص!
نوال ضحكت ضحكة قصيرة، مليانة وجع.
خلص؟! إنت شايف إن الموضوع خلص عشان عدّى عليه خمسة وتلاتين سنة؟! أنا كل ليلة بنام وأنا بسأل نفسي لو كنت وصلت المستشفى بدري، كان ابني هيعيش؟ ولو كنت عشت معاه، كان زمان عندي كام حفيد دلوقتي؟
وبصت ناحية مريم، اللي كانت قاعدة على الكنبة وبتتلوى من الوجع.
وها هو التاريخ بيعيد نفسه! مرات ابنك بتصرخ من الألم، وإنت واقف بتزعق عشان عيد ميلادك ما يبوظش!
الحاج فؤاد خبط بعصايته على الأرض.
كفاية! محدش هيتكلم في الموضوع ده تاني!
لكن المرة دي، محدش سمع كلامه.
لأني كنت واقفة جنب بنتي، وإيدي على كتفها، وعيني على وشها اللي لونه كان بيتغير كل دقيقة.
مريم، حبيبتي، بصي لي. تقدري تقفي؟
حاولت تقوم، لكن صرخت فجأة وحطت إيديها على بطنها.
ماما! مش قادرة… الوجع زاد!
في اللحظة دي، كل الكلام عن عيد الميلاد والضيوف والفضايح بقى مالوش أي قيمة.
طلعت موبايلي واتصلت بالإسعاف، وقلت لهم عنوان الفيلا بالتفصيل، وإن عندي حالة حامل في الشهر التامن، ضغطها عالي وعندها صداع وزغللة وألم شديد تحت الضلوع.
الموظف طلب مني أفضل جنبها، وما أحاولش أخليها تمشي.
قعدت على الأرض جنب الكنبة، مسكت إيد بنتي، وبدأت أكلمها بهدوء رغم إن قلبي كان بيتقطع.
أنا معاكي يا حبيبتي. سامعاني؟ إنتِ مش لوحدك. المساعدة جاية، ومش هسيبك.
مريم فتحت عينيها بالعافية، وبصت ناحية كريم.
كريم… أنا كنت بقولك إني تعبانة من بدري.
كريم قرب منها، ووشه بدأ يتغير.
مريم، معلش… أنا ما كنتش أعرف إن الموضوع وصل لكده.
بصت له بصدمة، وقالت
ما كنتش تعرف؟! وأنا بقولك من أول الطريق إني مش قادرة، وإنت كنت بتزعق لي عشان أبوك مستنيك!
ما ردش.
لأول مرة من أول ما عرفته، ما لقيش حجة جاهزة يدافع بيها عن نفسه.
أول صدمة تسجيل صوتي من سنة 1991
بينما كنا مستنيين الإسعاف، الحاجة نوال دخلت أوضة صغيرة جنب الصالون، ورجعت بعد دقايق وهي ماسكة علبة خشب قديمة.
حطتها على الترابيزة قدام جوزها.
طالما إنت مصر إن الماضي انتهى، يبقى لازم تعرف إن فيه حاجات أنا عمري ما قدرت أرميها.
الحاج فؤاد بص للعلبة، ووشه اتغير.
إنتِ لسه محتفظة بيها؟!
أيوه. محتفظة بكل حاجة إنت كنت فاكر إني نسيتها.
فتحت العلبة، وطلعت منها جواب قديم، وصورة أبيض وأسود، وشريط كاسيت صغير.
كريم قرب منها باستغراب.
إيه ده يا ماما؟
نوال بصت له، ودموعها نازلة.
ده جواب الدكتور اللي تابعني وقت ولادتك، ودي صورة ابننا اللي مات، وده تسجيل كنت سجلته في المستشفى بعد اللي حصل.
الحاج فؤاد حاول ياخد الشريط من إيدها.
هاتي الحاجات دي، إنتِ مش في وعيك!
لكن نوال بعدت إيدها.
لأ يا فؤاد. المرة دي مش هتسكتني.
أنا كنت سامعة الكلام، لكن عيني ما فارقتش مريم.
وفجأة، سمعنا صوتها وهي بتهمس
ماما… أنا مش شايفة كويس.
لفيت ناحيتها بسرعة.
وشها كان شاحب، وعرق بارد على جبينها، وإيديها بتترعش.
ما استنيتش لحظة.
الإسعاف اتأخر ليه؟!
وفي نفس اللحظة، رن جرس الباب.
لكن اللي دخل ما كانش المسعفين.
كانت ست في أواخر الخمسينات، لابسة بالطو طبي، ومعاها شنطة إسعافات.
نوال جريت ناحيتها وقالت
دكتورة هالة! كويس إنك جيتي.
الدكتورة هالة كانت واحدة من ضيوف عيد الميلاد، وهي طبيبة نساء وتوليد، وجت بعد ما سمعت إن فيه حالة طارئة.
أول ما شافت مريم، نزلت لمستواها وبدأت تسألها عن الأعراض، من غير ما تضيع وقت.
قاست ضغطها، وبصت في الساعة، وبعدها قالت بحزم
لازم المستشفى حالًا. الضغط مرتفع جدًا، والأعراض دي ممكن تكون تسمم حمل شديد. محتاجين نتصرف بسرعة.
بصت لي وقالت
حضرتك والدتها؟ خليكي جنبها، لكن ما تحاوليش تخليها تقوم أو تمشي. الإسعاف

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *