قصه صابرين محمد
بلغت السبعين من عمري ومع ذلك ما زلت أستيقظ قبل أن تشرق الشمس بدقائق ، كما اعتدت طوال حياتي. لم يكن أحد يوقظني ولم أكن أحتاج إلى منبّه ، فقد كانت رائحة الصباح وحدها كافية لتدفعني نحو المطبخ ، المكان الذي شعرت فيه دائمًا أنني أمتلك قيمة حقيقية.
لم أكن أطبخ لأن أحدًا أجبرني على ذلك ، بل لأن الطهي كان اللغة الوحيدة التي أجيد التعبير بها عن حبي. كنت أرى الفرح في عيون أولادي عندما أجلسهم حول المائدة ، فأشعر أن تعبي كله قد تحول إلى سعادة تسكن قلوبهم.
كانت موائد يوم الجمعة لا تكتمل إلا بيدي وفي الأعياد كانت رائحة الكعك تملأ البيت قبل أن يستيقظ الجميع وفي كل مناسبة عائلية كانوا يرددون الجملة نفسها
لا أحد يستطيع أن يطبخ مثل أمي.
حتى الجارات كن يطرقن باب منزلي ليسألنني عن سر نكهة الطعام ، فأبتسم وأقول إن السر ليس في البهارات ، بل في أن الإنسان حين يطبخ لمن يحب ، يضع في الطعام شيئًا لا يُشترى ولا يُباع.
كنت أعود إلى غرفتي كل ليلة وأنا أشعر بالرضا ، لأنني ما زلت نافعة وما زال لي مكان في هذا البيت.
لكن الزمن لا يستأذن أحدًا.
كبر الأولاد وتزوج معظمهم وأصبح كل واحد منشغلًا بأسرته وحياته ولم يبق في المنزل سوى زوجي وأنا وابننا الأصغر.
زوجي بلغ السبعين أيضًا وأصبحت آلام ركبته تمنعه من الحركة كثيرًا ، أما ابني فيخرج إلى عمله منذ الصباح ولا يعود إلا مع غروب الشمس.
ورغم ذلك ، لم تتغير حياتي.
أستيقظ باكرًا ، أعد القهوة ، أنظف المنزل وأسأل نفسي السؤال نفسه كل يوم
ماذا سأطبخ اليوم؟
كنت أشعر أن هذا السؤال هو الذي يمنح يومي معناه.
إلى أن بدأت ألاحظ أمورًا غريبة.
في البداية نسيت قدر الأرز فوق النار حتى امتلأ البيت برائحة الاحتراق.
ضحكت يومها وقلت في نفسي
يبدو أنني أصبحت كثيرة السهو.
لكن الأمر تكرر.
مرة نسيت الملح ومرة أخرى أكثرت منه حتى أصبح الطعام لا يُؤكل.
كنت أتذوق الحساء وأجده شهيًا ، ثم أجلس مع أسرتي فأرى في وجوههم دهشة صامتة.
لا أحد يشتكي.زوجي يشرب الماء بصمت إن كان الطعام مالحًا.
وابني يمد يده إلى المملحة قبل أن يتذوق وكأنه يعرف مسبقًا أنني نسيت. كنت أراقبه دون أن أقول شيئًا..أقنع نفسي أن الأمر مجرد تعب وأن الغد سيكون أفضل.
لكن الغد لم يكن أفضل أصبحت لا أستطيع تقدير وقت الطهي. مرة تخرج اللحم قاسية كأنها لم تُطهَ أصلًا ومرة أخرى تذوب تمامًا حتى تكاد تختفي.
والأغرب أنني كنت مقتنعة في كل مرة أن الطعام خرج كما ينبغي.بدأ الشك يتسلل إلى قلبي. صرت أفتح القدر مرات كثيرة.
أتذوق الطعام مرة بعد أخرى. أضيف قليلًا من الملح ، ثم أخاف أن أكون قد أكثرت ، فأضيف الماء ، ثم أظن أن النكهة خفت ، فأضيف البهارات من جديد.
كلما حاولت إصلاح الطعام ، ازداد سوءًا.
وفي إحدى الأمسيات ، خرجت لأرمي كيس القمامة.لم أكن أتوقع أن تتغير حياتي في تلك اللحظة
فتحت الغطاء ، فإذا بعيني تقعان على قطع الدجاج التي أعددتها في ذلك الصباح ، ملفوفة في المناديل داخل الكيس.
تجمدت في مكاني. عرفت الطعام من شكله.عرفت الصلصة التي صنعتها بيدي وعرفت أن أحدًا لم يأكله.لم يقل لي زوجي شيئًا ولم يشتكِ ابني.
اختارا أن يرميا الطعام بصمت حتى لا يجرحا مشاعري.لكن ذلك الصمت كان أشد قسوة من أي كلمة.عدت إلى البيت وأنا أشعر أن شيئًا انكسر داخلي
جلست على سريري طويلًا وأخذت أتذكر سنوات عمري كلها.
تذكرت أول مرة وقفت فيها أمام الموقد وأنا فتاة صغيرة أتعلم من أمي.
وتذكرت يوم قال لي زوجي بعد زواجنا طعامك جعل هذا البيت جنة.
وتذكرت ضحكات أولادي وهم يتسابقون إلى المائدة.
ثم نظرت إلى يدي.
هما اليدان نفسيهما.
لكن يبدو أن الزمن أخذ منهما ما كان يميزهما.
في تلك الليلة لم يغمض لي جفن.كنت أسأل نفسي سؤالًا واحدًا فقط…هل انتهت رحلتي مع المطبخ؟
وفي صباح اليوم التالي ، دخلت إليه كعادتي ، لكنني شعرت لأول مرة أنه لم يعد يستقبلني كما كان
وقفت أمام الموقد وحدقت طويلًا في القدور المعلقة ، ثم همست بصوت مرتجف
يا رب… إن كنت قد سلبت مني هذه النعمة ، فألهمني الصبر ولا تجعلني عبئًا على من أحب.
ولم أكن أعلم أن الكلمات التي سأسمعها بعد أيام من ابني ، ستكون أصعب بكثير مما تخيلت.
مرّت أيام قليلة بعد تلك الليلة وأنا أدخل المطبخ وأخرج منه وكأنني غريبة عنه. كنت أضع يدي على مقابض القدور ، ثم أتراجع وكأنني أخشى أن أخيب ظن نفسي مرة أخرى.
وفي مساء أحد الأيام ، عاد ابني من عمله على غير عادته. لم يدخل غرفته أولًا ولم يبدّل ثيابه ، بل اتجه إلى المطبخ حيث كنت أجلس أحدق في الموقد الصامت.
سحب كرسيًا وجلس أمامي ، ثم قال بصوت هادئ يخفي وراءه كثيرًا من التردد
ـ أمي… أريد أن أحدثك في أمر.
ابتسمت وأنا أظن أنه سيطلب مني إعداد طعام يحبه كما كان يفعل دائمًا.
لكن ابتسامتي اختفت عندما قال
ـ أريدك… أن تتوقفي عن الطهي.
شعرت وكأن الكلمات سقطت فوق صدري كالصخرة.
حدقت فيه طويلًا ولم أستطع الرد.
أكمل وهو يخفض بصره
ـ لم أعد أحتمل أن أراك تقفين ساعات طويلة ، ثم ينتهي بك الأمر متعبة وحزينة لأن الطعام لم يعد كما كان. سنطلب الغداء من الخارج ، أو سأتعلم أنا الطهي في عطلة نهاية الأسبوع.
همست بصوت بالكاد خرج
ـ وإذا لم أطبخ… ماذا سأفعل طوال اليوم؟
رفع رأسه وقال بحنان
ـ سترتاحين يا أمي.
ابتسمت ابتسامة باهتة ، لكن قلبي كان يبكي.
الناس يظنون أن الراحة نعمة.
أما من بلغ السبعين ، فقد تكون الراحة أحيانًا أشبه بالإعلان بأن دوره في الحياة قد انتهى.
لم أكن أحب غسل الصحون ولا الوقوف الطويل أمام النار ، لكنني كنت أحب ذلك الشعور الذي يخبرني أن هناك من ينتظر ما تصنعه يداي.
كنت أخاف أن أصبح امرأة تعيش في البيت ولا ينتظرها أحد.
وفي اليوم التالي ، جاء زوجي وجلس بجانبي.
أمسك بيدي وقال
ـ أتذكرين أول يوم دخلتِ فيه بيتنا عروسًا؟
ابتسمت رغم حزني.
قلت
ـ وكيف أنساه؟
قال وهو يضحك
ـ يومها أحرقتِ الأرز كله ومع ذلك قلت لك إنه لذيذ حتى لا تبكي.
نظرت إليه بدهشة.
لم أكن أتذكر ذلك.
قال
ـ ثم تعلمتِ وأصبحتِ أفضل طاهية عرفتها في حياتي. فهل تظنين أن الله خلقك لتكوني مجرد امرأة تطبخ؟
ظللت صامتة.
فأكمل
ـ أنتِ ربيت أبناء صالحين وربيت بيتًا قائمًا على المودة وكنتِ نعم الزوجة والأم. الطهي كان وسيلة ، لكنه لم يكن قيمتك كلها.
كانت كلماته تدخل إلى قلبي ببطء.
ثم قال
ـ أتدرين ما أكثر شيء أخافه؟
هززت رأسي.
قال
ـ أن تظني أن الله إذا أخذ منك نعمة ، فإنه لم يترك لك نعمًا أخرى.
خفضت رأسي وشعرت بالدموع تنساب على وجنتي.
وفي تلك الليلة ، فتحت المصحف بعد صلاة العشاء.
وقرأت قوله تعالى
﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾.
توقفت طويلًا عند الآية.
أدركت أن ضعف الجسد سنة من سنن الله وأن المؤمن لا تُقاس قيمته بما يستطيع فعله بيديه وإنما بما يحمله قلبه من إيمان وصبر ورضا.
بعد أيام ، عاد ابني يحمل مجموعة من الدفاتر والأقلام.
وضعها أمامي وقال مبتسمًا
ـ لدي فكرة.
سألته باستغراب
ـ ما هي؟
قال
ـ طوال حياتنا ونحن نأكل من وصفاتك ، لكنك لم تكتبي واحدة منها. لماذا لا تكتبينها الآن؟
نظرت إليه في دهشة.
قال
ـ اكتبي كل شيء. كيف كنت تعدين الطعام وما النصائح التي تعلمتها من جدتي وما الأخطاء التي يجب تجنبها. أريد أن تبقى وصفاتك لأولادي وأحفادي من بعدي.
شعرت بشيء يتحرك في داخلي.
أمسكت القلم ، لكن يدي ارتجفت.
ابتسم ابني وقال
ـ لا يهم إن كتبتِ ببطء… المهم أن يبقى أثرك.
ومنذ ذلك اليوم ، أصبح صباحي مختلفًا.
أعد القهوة لزوجي ، ثم أجلس قرب النافذة وأبدأ في كتابة وصفة جديدة كل يوم.
ولم أكتفِ بالمقادير فقط.
كنت أكتب معها الحكايات.
أكتب كيف كانت أمي توقظني قبل الفجر في رمضان.
وكيف كنا نجتمع حول مائدة العيد.
وكيف كان أبي يحمد الله بعد كل وجبة ويقول
الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا من المسلمين.
وبعد أسابيع ، جاء أحفادي في زيارة.
ركضت حفيدتي الصغيرة نحوي وهي تقول
ـ جدتي… أبي يقول إنك ستعلمينني صنع الكعك.
ابتسمت وقلت
ـ سأعلمك ، لكنك أنتِ التي ستعجنين.
ضحكت الصغيرة وأمسكت بيدي.
في ذلك اليوم ، لم أكن أنا من يطهو.
كنت أنا من يعلّم.
وفهمت أخيرًا أن الإنسان قد يتوقف عن أداء عمل اعتاده ، لكنه لا يتوقف عن العطاء ما دام قلبه ينبض بالإيمان والمحبة.
وقفت بعد أن غادر الجميع ونظرت إلى المطبخ الذي شهد أجمل سنوات عمري.
ثم رفعت يدي إلى السماء وقلت
اللهم كما رزقتني القوة في شبابي ، فارزقني الرضا في شيخوختي واجعل ما بقي من عمري عامرًا بطاعتك وبارك لي في أهلي وذريتي واجعل أثري فيهم خيرًا لا ينقطع.
وفي تلك اللحظة ، أدركت حقيقة كنت أجهلها طويلًا…
لم أفقد مكاني في هذه الأسرة يوم ضعفت يداي ، بل كنت سأفقده فقط لو فقدت أملي في رحمة الله.
فالإنسان لا تنتهي قيمته حين يعجز عن القيام بما كان يفعله وإنما تبدأ مرحلة جديدة ، يكون فيها أثره في القلوب أعظم من أثره في الأعمال ومن أحسن استقبال ما كتبه الله له وجد في كل مرحلة من العمر نعمة تستحق الحمد.
الكاتبة #صابرين_محمد
تمت