نوايا مسمومه ج٣ منى السيد
الجزء الرابع
نزلنا من السلم زي الإعصار. محمد كان بيجري قدامي بخطوات واسعة، وعينيه مفيهاش غير الغضب العمى. أنا وراه، بلم عبايتي بإيد، والإيد التانية ماسكة موبايلي.. قلبي كان بيدق في صدري زي طبول الحرب. أمي وقفت على باب الشقة وهي بتدعي لنا ربنا ينصركم يا بنتي، ويكفيكم شر ولاد الحرام، روح يا محمد يا بني ربنا يجعلك سند ليها ويرد كيدهم في نحرهم.
الدعوة دي رنت في ودني وإحنا بنركب عربية محمد. أول ما قعد ورا الدريكسيون، دَوّر العربية وطلع بيها بأقصى سرعة، الكاوتش عمل صوت صريخ في شارع شبرا الكاحل بالضلمة. محمد كان بيخبط بإيده على الدريكسيون وبيقفل سنانه على بعضها لدرجة إن عروق رقبته كانت هتنفجر.
محمد، إنت رايح فين بالظبط؟ أمك فين دلوقتي؟ قُلتها وأنا بنهج من الخوف والتوتر.
أمي في النادي يا فاطمة. كلمتها وقالت لي إنها قاعدة مع أصحابها في نادي هليوبوليس في مصر الجديدة. رايحة تتمنظر وتعيش عيشة الهوانم، وهي بتبعت بلطجية يولعوا في بيوت الناس! أنا مش هسكت، المرة دي لو سكتت أبقى مش راجل، وأبقى مستاهلش اللقمة اللي أكلتها من إيد أمك الطيبة.
بصيت له ولقيت نفسي لأول مرة من يوم ما اتجوزنا حاسة بنوع من الأمان ناحيته. محمد الصغير، ابن أمه، اللي كان بيخاف من
نظرة عينيها، كان بيتولد من جديد قدامي، بس الولادة دي كانت معمدة بالنار والمواجهة.
طول الطريق من شبرا لمصر الجديدة، مفيش حد فينا نطق بكلمة. الشوارع كانت زحمة، بس محمد كان بيعدي بين العربيات بغِل، كأنه بيسابق الزمن عشان يلحق المصيبة قبل ما تقع. كنت ببص من الشباك وأفكر في كلام أم أحمد. يا رب استرها، يا رب بيتنا ميتأذاش ولا أمي يجرالها حاجة. البيت ده مش مجرد جدران وطوب، ده ريحة أبويا، وشقا أمي، وسهر الليالي وهي بتعمل أكل وتبيعه عشان تطلعني دكتورة أو تجهزني ست بيت محترمة.
وصلنا مصر الجديدة، الشوارع هناك واسعة ونظيفة، تختلف تماماً عن زحمة شبرا ودوشتها، بس في اللحظة دي، النظافة دي كانت شكلها كئيب ومريب في عيني. محمد ركن العربية قدام بوابة النادي بمنتهى العنف. نزل ونزلني وراه، ومسك إيدي بقوة ودخلنا من البوابة. أمن النادي كان عارفه، فمحدش وقفه.
مشينا وسط الجناين والخضرة، لحد ما وصلنا لمنطقة الكافيهات المفتوحة. الجو كان رايق، والناس قاعدة لابسة أشيك لبس، بيضحكوا بصوت واطي وبيشربوا عصير. وفي وسط القعدة دي، كانت قاعدة حماتي، أم محمد، لابسة الطقم البيج الشيك ونظارتها الشمسية الماركة محطوطة على شعرها، وقاعدة وسط ثلاث ستات من أصحابها الهوانم، بتضحك وتتكلم بإيدها وتتمنظر كالعادة. وندى أخته كانت قاعدة جنبها، ماسكة موبايلها وبتبص فيه بملل.
أول ما محمد شافها، اتجه ناحيتها بخطوات ثابتة وسريعة. أنا كنت ماشية جنبه، حاسة إن كل الأنظار بدأت تتلفت علينا بسبب شكلنا المندفع.
ماما! محمد زعق بالصوت كله وهو بيقف قدام الترابيزة.
الضحكة هربت من وش حماتي فجأة. أصحابها سكتوا وبصوا لمحمد باستغراب. حماتي اتعدلت في قعدتها وحاولت ترسم الابتسامة الكدابة وقالت بصوت واطي
محمد؟ إيه يا حبيبي؟ جاي من غير ما تقول ليه؟ وأهلاً يا فاطمة.. إيه دا، إنتوا جايين كدا ليه في إيه؟
سيبك من التمثيل ده كله يا سعاد هانم! محمد قالها وهو بيناديها باسمها من غير ماما، الكلمة دي نزلت على حماتي زي الكرباج، ووشها احمر من الكسوف قدام أصحابها.
محمد! إنت اتجننت؟ إزاي تناديني كدا قدام طنط ميرفت وطنط شهيرة؟ إيه قلة الأدب دي؟ دي التربية اللي البت دي علمتهالك في يومين؟! حماتي زعقت وهي بتقوم تقف.
البت دي ضافرها برقبتنا كلنا! محمد صرخ بصوته كله، لدرجة إن الناس في الترابيزات اللي جنبنا سكتوا وبدأوا يتفرجوا البت دي وأمها استقبلوني في بيتهم وأكلوني وعاملوني كأني ابنهم، في الوقت اللي إنتِ كنتِ بتبعتي بلطجي من ورا المحطة في شبرا عشان يبهدلها ويولع في بيتها!
الستات أصحاب حماتي شهقوا وحطوا إيديهم على بوقهم. ندى وقفت بسرعة ووشها بقى أبيض زي الورقة، وبصت لأمها بذهول.
حماتي حاولت تتماسك، وقالت بصوت متهدج وهي بتبص لأصحابها
كدب! الكلام ده كدب! البت دي بتتبلى عليا وعايزة تخرب علاقتي بابني! أنا أعمل كدا؟ أنا سليل عيلة هانم أعمل كدا يا محمد؟
قربت أنا خطوة، ووقفت في وشها مباشرة، وعيني في عينها
لاء عملتِ يا طنط. والواد الصايع اللي اسمه سيد كابو اللي ورا المحطة، جارتنا أم أحمد سمعتك بالملي وإنتِ بتديله صورتي وصورة البيت وبتتفقوا على السعر! تحبي بقا نطلب البوليس دلوقتي ونروح كلنا على القسم، ونخلي المباحث تجيب الواد ده من قفاه وتواجهكم ببعض؟ ونشوف بقا برستيج مصر الجديدة وهوانم النادي هيحصل فيه إيه لما اسمك ينزل في المحاضر بتهمة التحريض على القتل والحرق؟
حماتي رجعت خطوة لورا، ورجليها مكنتش شايلاها. قعدت على الكرسي تاني وهي بترتعش. أصحابها بدأوا يلموا شنطهم بسرعة. طنط ميرفت وقفت وقالت بنبرة متعالية ومقروصة
معلش يا سعاد.. إحنا شكلنا جينا في وقت مش مناسب. إحنا هنمشي ونبقى نكلمك في التليفون.
استنوا بس يا ميرفت.. استني يا شهيرة! حماتي كانت بتنادي عليهم وصوتها مخنوق، بس هما مشيوا بسرعة كأنهم بيهربوا من مصيبة.
المكان فضي
لمحة نيوز