حفل الترقيه محمد نور
والتصفيق يتجدد، والناس ترفع كاسات الشامبانيا احتفالًا بالترقية.
وفي وسط كل ده، كنت موجودة في نفس المكان، كأن محدش واخد باله إني أصلًا واحدة من أفراد العيلة.
أهلي ما كانوش بيعرّفوني على الضيوف من نفسهم.
ولو حد اضطر يسأل عني، كانوا يردوا بكلمتين سريعين عن شغلي، وبعدها يحوّلوا الكلام فورًا ناحية سلمى وإنجازاتها.
ولا مرة حد فيهم وقف وقال بفخر دي بنتي مريم.
ولا مرة سمعت منهم جملة واحدة تخليني أحس إن وجودي مهم زي وجود أختي.
كنت بالنسبة لهم مجرد شخص لازم يكون موجود عشان شكل العيلة يكتمل، لكن من غير ما ياخد مساحة أكبر من اللي هما محددينها له.
وبعدين، فجأة، حصلت حاجة غيّرت الجو كله.
أبواب القاعة اتفتحت.
الصوت ما كانش عالي، لكن رد فعل الموجودين كان كفيل يخلي كل اللي في المكان ياخد باله.
الضباط الكبار اللي كانوا واقفين جنب المسرح عدّلوا وقفتهم في نفس اللحظة، ووقفوا انتباه بشكل تلقائي، وكأن مجرد الشخص اللي دخل كان كافي إنه يغيّر نظام القاعة بالكامل.
دخل لواء بأربع نجوم.
كان حضوره قوي، وخطواته ثابتة، وملامحه جادة بشكل واضح.
ما كانش داخل كأنه ضيف جاي يحضر حفلة وخلاص، لكنه كان باين عليه إنه جاي لغرض محدد.
ابتسامة سلمى اتسعت أول ما شافته.
أما أمي، فكانت الفرحة واضحة على وشها لدرجة إنها كادت توقع كاس الشامبانيا من إيدها.
بالنسبة لهم، وصول لواء بالرتبة دي للحفلة كان فرصة استثنائية؛ فرصة إن اسم سلمى يلمع أكتر، وإن كل الموجودين يشوفوا بنفسهم حجم المكانة اللي وصلت لها.
اللواء بدأ يسلّم على عدد من الحاضرين، وتبادل معاهم التحيات بسرعة، من غير ما يطوّل في أي محادثة.
وبعدها، واحد من مساعديه قرب منه وسلّمه ملفًا.
اللواء أخد الملف وفتحه.
قرأ الصفحة الأولى.
وفي البداية، ملامحه ما اتغيرتش.
لكن بعد ثوانٍ قليلة، حصل تغيير واضح في وشه.
نظراته بقت أكثر تركيزًا، وملامحه فقدت أي أثر للود اللي كان ظاهر عليها من لحظة دخوله.
قلّب الصفحة الأولى، وبدأ يراجع الأوراق اللي بعدها بعناية.
وبعدين رفع عينيه ناحية سلمى.
وقال بصوت واضح، وصل لكل اللي كانوا واقفين قريب من المسرح
المقدم سلمى… تصريح الترقية ده عدى على مكتبي أنا الصبح بدري.
في اللحظة دي، القاعة سكتت تمامًا.
التصفيق انتهى.
والأحاديث الجانبية اختفت.
حتى الناس اللي كانوا بيتكلموا بعيد عن المسرح وقفوا كلامهم، وبصوا ناحية اللواء، مستنيين يعرفوا هو
يقصد إيه بالضبط.
سلمى فضلت واقفة مكانها، لكن ابتسامتها بدأت تهدى بالتدريج.
اللواء قلّب صفحة تانية من الملف، وراجعها بعناية.
وبعدين قلّب صفحة كمان.
كل ما كان بيقرأ، كانت ملامحه بتبقى أكثر جدية.
وأخيرًا، قفل الملف جزئيًا ورفع راسه.
بص ناحية سلمى، وبعدها وجّه نظره لبقية الموجودين، وقال بنبرة هادية، لكنها كانت كفاية إنها تخلّي التوتر ينتشر في القاعة
دي حاجة مٹيرة للاهتمام فعلًا.
ابتسامة سلمى بدأت تختفي واحدة واحدة.
أمي اللي كانت من شوية بتبتسم بفخر لكل ضيف، بقت واقفة من غير ما تتحرك، وعينيها بتتنقل بين اللواء وأختي، وكأنها بتحاول تفهم إيه اللي ممكن يكون حصل.
اللواء أخد لحظة، وبعدين لف بعينيه في القاعة كلها.
بص ناحية الترابيزات اللي كان قاعد عليها أعضاء مجلس الشيوخ ورجال الأعمال، وبعدها ناحية الضباط الكبار الواقفين جنب المسرح.
وبعدين رفع الملف شوية، وسأل السؤال اللي غيّر كل حاجة
مين اللي مضى على الملف ده الصبح؟
محدش رد.
ولا شخص واحد اتحرك أو حاول يتكلم.
اللواء استنى لحظات، وكأنه بيدي فرصة لأي حد يعرف الإجابة إنه يتقدم.
لكن الصمت فضل مسيطر على المكان.
وبدأ يحرك عينيه ببطء بين الموجودين.
بص ناحية أهلي.
وبعدين ناحية أعضاء مجلس الشيوخ.
وبعدها ناحية الضباط الكبار اللي كانوا واقفين جنب المسرح.
كلهم كانوا بيتابعوه بترقب، لكن محدش فيهم نطق بكلمة واحدة.
وأخيرًا، عينيه اتحركت ناحية آخر القاعة.
ناحية المكان البعيد اللي كنت واقفة فيه من بداية السهرة.
ناحية البنت اللي أمها طلبت منها تختفي جنب ممر الخدمة، وما تتكلمش عن شغلها قدام الضيوف.
وبعدين…
عينيه استقرت عليّ أنا بالظبط.
الجزء الثاني اللواء كان عارف اسمي… والسر اللي في ملف ترقية أختي كان على وشك يدمّر العيلة كلها!
اللواء علاء الهواري بصلي مباشرة، ولأول مرة من تلاتين سنة، أمي وقفت مش قادرة تنطق بكلمة.
مين اللي مضى على التصريح ده النهارده الصبح؟ كرر سؤاله.
ما رفعش صوته، لكنه ما كانش محتاج يعمل كده. اللواء علاء قاد قوات عسكرية في تلات قارات، واسمه كان معروف في التقارير السرية والمقرات العسكرية الكبيرة. وكان عنده مبدأ واحد عمره ما بيسأل سؤال إلا لو كان عارف إجابته.
سلمى فضلت واقفة جنب المسرح، بينما أبويا، العقيد المتقاعد رشاد الشرقاوي، تقدم خطوة بابتسامته الواثقة.
يا فندم، أنا رشاد الشرقاوي. الشرف لينا بوجودك معانا.
اللواء
بص له نظرة سريعة.
أنا عارف تاريخ خدمتك يا عقيد.
أبويا فرد ضهره بفخر، لكن اللواء كمل
بس أنا مكنتش بكلمك أنت.
الصمت انتشر في القاعة.
رفع اللواء الملف وقال
التصريح ده عليه إمضا أنا أعرفها كويس.
سلمى تدخلت بسرعة
يا فندم، أكيد القائد المسؤول يقدر يشرح لنا إجراءات الترقية.
قائدك ما لمسش الورق ده.
ابتسامتها اختفت.
يمكن شؤون الإدارة…
يا مقدم سلمى.
كلمتين بس خلّوها تسكت.
قلب اللواء صفحة من الملف وقال
التصريح اتراجع الساعة ستة وربع الصبح، والموافقة النهائية طلعت من مكتب المفروض مالوش علاقة بترقيات الجيش العادية.
أمي ضحكت بتوتر.
أصل ده يثبت قد إيه سلمى بنت استثنائية!
محدش ضحك معاها.
اللواء لف ناحيتها.
يا هانم، من فضلك سيبيني أخلص كلامي.
كاس الشامبانيا وقف في إيدها.
كنت واقفة عند ممر الخدمة، وإيديا بدأت تتلج من التوتر.
أنا كنت عارفة إيه اللي جوه الملف، وعارفة كمان إن ترقية سلمى مش هي السبب الحقيقي اللي خلّى اللواء ييجي الحفلة.
هو جه بسبب ورقة أنا مضيتها من ست ساعات، وكنت بتمنى ما اضطرش أتكلم عنها قدام عيلتي أبدًا.
فجأة، نادى
يا دكتورة مريم، ممكن تشرفينا؟
الكل لف ناحية سلمى، لكن اللواء كان باصص عليّ أنا.
أمي رفعت حواجبها پصدمة.
يا فندم، حضرتك أكيد اتلخبطت بين بناتي. سلمى هي الضابط، إنما مريم شغلها إداري ومكتبي.
ملامح اللواء اتغيرت.
أنا عارف كويس قوي مريم الشرقاوي بتشتغل فين.
كان ممكن أتجاهل كلامه وأفضل مكاني، لكني حطيت كوباية المية على أقرب ترابيزة، ومشيت ناحية المسرح.
صوت كعب الجزمة كان واضح على الرخام، وكل خطوة كنت باخدها كانت بتشد انتباه ناس أكتر.
سمعت همس ورايا
مين دي؟
ورد صوت تاني
يمكن أختها الكبيرة.
أبويا قرب مني وقال بصوت واطي وحاد
يا مريم، مهما كان اللي بيحصل، إياكي تفضحي أختك!
وقفت للحظة، ورجعت بذاكرتي لسن سبعتاشر سنة، لما كنت واقفة في مطبخ بيتنا وماسكة جواب منحة دراسية.
أبويا وقتها رفع عينه من الجورنال وسخر مني
استخبارات دفاع؟ يعني هتقعدي ورا مكتب زي الفأر، وأختك هي اللي هتخدم بلدها بجد؟
افتكرت ضحكة أمي، وابتسامة سلمى، وقررت وقتها إني مش هفضل طول عمري أبرر قيمتي لناس رافضين يشوفوها.
كملت طريقي لحد ما وقفت قدام اللواء، ووقفت انتباه.
مساء الخير يا فندم.
بصلي لحظات، وبعدها وقف انتباه هو كمان، في حركة خلت الضباط المتقاعدين اللي حوالينا يعملوا زيه.
أهلًا يا دكتورة
مريم.
كلمة دكتورة نزلت على القاعة زي طلقة.
مش موظفة إدارية، ولا سكرتيرة، ولا مجرد بنت بتشتغل في المكاتب.
دكتورة.
أمي همست