حفل الترقيه محمد نور
ناس كبار وعظماء. الفضل ليهم بعد ربنا.
أما أنا، فكنت واقفة على جنب، بشرب المية وبحاول أتجنب الكلام مع أي حد.
ما كنتش محتاجة أقول حاجة، ولا كان عندي رغبة أشارك في المشهد كله.
كنت واقفة جنب مدخل القاعة، لابسة جاكيت غامق وبنطلون أسود وجزمة بسيطة. لبس رسمي وهادي، من غير أي بهرجة أو محاولة للفت الانتباه.
وبصراحة، ده كان المكان اللي اخترته لنفسي من البداية.
مكان بعيد عن الأضواء، وعن الكاميرات، وعن المقارنات اللي أهلي عمرهم ما بطلوا يعملوها بيني وبين أختي.
لكن حتى المكان الهادي اللي اخترته لنفسي ما قدرتش أحتفظ بيه طويلًا.
أمي شافتني.
وفي اللحظة اللي عينيها وقعت عليّ، ابتسامتها اختفت تقريبًا، وكأن مجرد وجودي في المكان كان كفيل إنه يضايقها.
اتحركت ناحيتي بسرعة، وهي بتحاول تحافظ على ابتسامتها قدام الضيوف، ولما وصلت لي قالت بنبرة منخفضة
مريم.
بصيت لها.
كملت وهي بتتأمل لبسي من فوق لتحت
كويس إنك لبستي لبس عادي كده.
نزلت عيني على الجاكيت اللي كنت لابساه، وبعدين رجعت بصيت لها باستغراب.
ده جاكيت رسمي يا ماما.
هزت راسها بسرعة، وقالت بابتسامة مصطنعة
أنا عارفة يا حبيبتي.
لكنها قربت مني أكتر، ومسكتني من دراعي، ووطّت صوتها عشان محدش يسمع كلامها.
بس اسمعي مني كويس. النهارده فيه ناس مهمة أوي هنا، ومش عايزاكي تعملي أي حاجة تحرجني قدامهم.
عينيها اتحركت ناحية مجموعة من رجال الأعمال الكبار في مجال الصناعات الدفاعية، وبعدها رجعت بصت لي.
وقالت بوضوح
أرجوكِ، بلاش تجيبي سيرة شغلانة المكاتب اللي بتشتغلي فيها دي.
بصيت لها بحدة، وأنا مش مصدقة إنها لسه بتتكلم بنفس الطريقة، حتى في مناسبة زي دي.
شغلانة المكاتب بتاعتي؟
اتنهدت بضيق، وكأنها مضطرة تشرح لي حاجة المفروض إني أفهمها لوحدي.
لما الناس تسمع إنك بتشتغلي في الورق العسكري، بيفتكروا إنك مجرد موظفة إدارية بتخلص شوية معاملات عادية. وأنا مش عايزة حد يخلط بين أي حاجة بتعمليها وبين إنجازات سلمى الحقيقية.
سكتُّ لحظة وأنا ببصلها.
ها هي نفس الحكاية بتتكرر من جديد.
نفس النظرة اللي شفتها في عينيها سنين طويلة، ونفس الطريقة اللي كانت بتتكلم بيها عني قدام الناس، كأن شغلي وحياتي وكل اللي عملته مالهمش أي قيمة.
بالنسبة لأهلي، سلمى كانت دايمًا هي البنت العسكرية.
هي الطموحة اللي بتنجح في كل خطوة، واللي مجرد ذكر اسمها كان كفيل يخلي أمي ترفع راسها
بفخر وسط أي تجمع.
أما أنا، فكنت مجرد البنت اللي بتشتغل في حتة تبع قطاع الدفاع.
البنت اللي عمرها ما جابت البيت حكاية مٹيرة تخلّي أمي تقعد تحكيها على العشا، وتتباهى بيها قدام قرايبنا ومعارفنا.
ولا مرة حاولت أمي تفهم طبيعة شغلي بجد، ولا مرة سألتني عن المسؤوليات اللي بشيلها، ولا حتى فكرت إن اللي بعمله ممكن يكون أهم بكتير من الصورة اللي رسمتها عني في دماغها.
هي كانت اكتفت بالحكم عليّ من المسمى اللي تعرفه، ومن المقارنة المستمرة بيني وبين أختي.
وقبل ما أقدر أرد عليها، قربت مني أكتر وقالت بصوت أوطى
خليكي قريبة من الترابيزات اللي في الآخر، أو اقعدي جنب ممر الخدمة. ولو حد كلمك، ابتسمي وردّي بأدب. بس افتكري كويس إن السهرة دي معمولة عشان أختك، وبس.
بصيت لها من غير ما أتكلم.
الورد والفل اللي كانوا متوزعين في القاعة كانوا مطلعين ريحة جميلة وقوية، لدرجة إنها بدأت تخنقني بدل ما تريحني.
وده فكّرني بأمي نفسها.
هي طول عمرها بتحب كل حاجة غالية ولامعة ومتنسقة بعناية؛ الزينة، والديكورات، والملابس، والحفلات الكبيرة اللي ټخطف الأنظار.
كانت بتحرص إن كل تفصيلة تبان مثالية قدام الناس، وكأن المظاهر المرتبة تقدر تخبي أي حاجة مش عايزة حد يشوفها.
حتى إحساسها ببناتها كان لازم يتوزع حسب الصورة اللي كل واحدة فينا بتقدمها قدام المجتمع.
سلمى تستحق كل الأضواء، وكل كلمات الإعجاب، وكل الفخر.
أما أنا، فالأفضل إني أختفي على جنب، عشان ما أفسدش الصورة المثالية اللي أمي رسمتها للعيلة.
أخدت نفس هادي، وهزيت راسي وقلت
لو ده اللي يريحك يا ماما.
ملامحها ارتاحت فورًا، وكأنها كانت مستنية تسمع الجملة دي بالذات.
أيوه، هو ده اللي يريحني.
طبطبت على دراعي بالطريقة اللي كانت بتعملها زمان وأنا طفلة صغيرة، وكأنها لسه بتتعامل معايا على إني بنت عندها عشر سنين، مش واحدة كبرت وبقى ليها حياتها وشغلها ومسؤولياتها الخاصة.
وبعدها سابتني، ورجعت بسرعة ناحية المكان اللي كانت أختي واقفة فيه، عشان تلحقها قبل ما ضيف مهم جديد ييجي يبارك لها.
أما أنا، ففضلت واقفة في المكان اللي أمي حددتهولي بالظبط.
على جنب.
بعيدة عن المسرح.
وبعيدة عن الأضواء.
ولمدة حوالي أربعين دقيقة، فضلت أراقب المشهد كله من مكاني.
ضيف ييجي يبارك لسلمى، وضيف تاني يطلب يتصور معاها، وشخص ثالث يتكلم عن مستقبلها العسكري، وأمي واقفة جنبها بفخر، بتشارك
في كل محادثة وكأنها هي اللي حققت الإنجاز بنفسها.
كل شوية كانت الكاميرات تلمع،