الثلاجه
في عيد الأب، ابني غيث شاف ثلاجتي شبه فاضية وسألني: “يا بابا، أنت ليه عايش كده ونحن بنبعتلك 8,000 دولار كل شهر؟”. بصيت لمرات ابني، شفت ابتسامتها الهادية وفهمت إن السرقة كانت مجرد أول step في خطتها.
في عيد الأب، ابني المليونير دخل شقتي التلج في حي الظاهر، بص على علبة الشوربة البردانة اللي على الترابيزة وسألني سؤال كسر حياتي حتتين:
“بابا… أنت ليه عايش كده ورانيا بتبعتلك ثمانية آلاف دولار كل شهر؟”
فضلت المعلقة في إيدي.
“يا غيث”، قلت له بالراحة، “أنا محدش بيبعتلي حاجة. أنا عايش على الكراتين والمساعدات اللي باخدها من الجمعية الخيرية جنب جامع الظاهر.”
ابني حتى ممشيش عينيه من عليا.
لثواني معدودة، مكنش مسموع غير صوت ثلاجتي القديمة وهي بتزن، وصوت نقط المية اللي بتنزل من السقف في جردل أزرق. بره، الجو كان مغيم، من الأيام اللي بتخلي حتى صوت الشارع مكتوم وجري. جوه، الشقة كانت ريحتها رطوبة، وأدوية رخيصة، وشوربة علب.
غيث بص حواليه كأنه لسه داخل بيت حد غريب. كان لابس بليزر غالي، وساعة من اللي مابتتباعش في أي مكان، وجزمة بتلمع. أما أنا فكنت لابس بلوفر كوعه دايب، ولافف كوفية حولين رقبتي جوه البيت لأن السخان مكسور بقاله شهور.
وفجأة.. الباب اتفتح.
رانيا، مراته، دخلت بابتسامة كانها طالعة من مجلة:
“حبيبي! أنت هنا؟” قالتها وهي بتدعي المفاجأة، “أنا كنت بفتش عليك!”
أنا بصيت لها.. وهي بصت لي.
وفي النظرة دي، فهمت إن المفاجأة مش مفاجأة.. ده كان خوف مستخبي.
أنا اسمي إبراهيم. عندي 73 سنة. قبل ما أطلع معاش، اشتغلت 42 سنة محاسب ومراجع مالي في شركة كبيرة في وسط البلد. شغلي طول عمري كان إني أتتبع الفلوس الضايعة، وأقرأ الحركات الغريبة، وأقفش الكذب المستخبي ورا الأرقام النظيفة.
عمرى ما تخيلت إن أخر قضيّ..ة هحقق فيها، هتكون ضد واحدة قاعدة معايا على نفس الترابيزة.
مراتي، ماجدة، اتوفت من 11 سنة بعد رحلة مرض طويلة خلصت على كل تحويشة العمر والبيت. بعت شقتنا اللي كانت في الدقي، سددت الديون، والقرشين اللي فضلوا ادتهم لـ غيث عشان يبدأ بيهم شركته البرمجية.
وهو كبر.. كبر أوي.
بدأ بمكتب صغير في المعادي، وبعدين دخلوا معاه مستثمرين أجانب، وبعدها عربيات بحراسة، وفيلا في التجمع الخامس. أنا عمري ما طلبت منه حاجة، كنت فخور بيه وخلاص.. الأب مبيحسبش حبه بفواتير.