حماتي صبغت شعر بنتي ج٢ انجي الخطيب
مرت السنين، وليلى دلوقتي عندها خمس سنين، بقت طفلة زي الوردة، عيونها الملونة بتنور وشها القمحي، وشعرها الكيرلي بقى تاجها اللي بتفتخر بيه. دخلت مدرسة انترناشونال، وشخصيتها قوية، محدش يقدر يقلل منها ولا يكسر ثقتها في نفسها.
أحمد بقى أب مثالي، شغله كبر وبقى ليه كيانه المستقل بعيد عن تجارة أبوه، وبقى بيعاملني بتقدير وحب بيعوضني عن كل ثانية وجع عشتها. بقينا أنا وهو فريق واحد، ليلى في وسطينا هي النور اللي بيوجهنا، علمناها إن الجمال مش “أبيض ولا أسود”، الجمال هو إننا نكون “حقيقيين”.
في يوم، كنت ماشية في المول أنا وليلى، وفجأة شفت ست كبيرة، وشها مليان تجاعيد، ماشية ببطء، ملامحها مألوفة جداً.. “نادية”. وقفت متسمرة في مكاني، كانت بتدور بعينيها على حاجة، وفجأة عينيها وقعت علينا. ليلى كانت لابسة فستان أبيض، وشعرها الكيرلي متسرح بطريقة تخطف القلب، كانت ملاك ماشي على الأرض.
نادية وقفت، ملامحها اتغيرت، للحظة شفت في عينيها ندم، للحظة تانية شفت انكسار، كانت بتبص لليلى وكأنها بتشوف معجزة ضيعتها بإيديها. ليلى بصتلي وقالت ببراءة: “ماما، الست دي بتبصلي ليه كدة؟ هي عايزة حاجة؟”
بصيت لنادية، لا لقيت كره، ولا غل، ولا حتى رغبة في الانتقام، لقيت بس شفقة. ابتسمت لليلى وقلت لها: “لا يا حبيبتي، هي بس معجبة بجمالك المميز.”
نادية حاولت تقرب، إيدها كانت بتترعش، بس قبل ما تاخد خطوة، أحمد ظهر من ورايا، مسك إيدي وبص لنادية نظرة باردة، نظرة غريب، وكأنها مش أمه، وسحبني أنا وليلى وكملنا طريقنا.
ما التفتش لورا، ولا فكرت في اللي حصل، لأن اللي فات مات، والوجع اللي كان في فروة راس ليلى وهي صغيرة، بقى مجرد ذكرى بتفكرني أنا ليه بحب بنتي وبحميها.
الدرس اللي اتعلمته في حياتي، واللي دايماً بقوله لليلى، إننا مش محتاجين نغير ملامحنا ولا أصولنا عشان نرضي حد، لأن اللي بيحبنا بجد، هيشوف فينا الجمال اللي غيرنا بيحاول يداريه بصبغة أو بمظاهر كدابة.
نادية كملت طريقها، وأنا كملت حياتي، ومعايا أغلى ما أملك، أحمد وليلى، بطلة قصتي اللي رغم كل شيء، طلعت أقوى وأجمل بكتير من كل التوقعات. انتهت الحكاية، بس الحقيقة اللي طلعت بيها إن “البيت مش حيطان ولا عيلة كبيرة، البيت هو المكان اللي بتلاقي فيه نفسك.. وأمانك.”
……..
بعد ما نادية اختفت من حياتنا تماماً ومبقتش حتى مجرد طيف بيطاردني في أحلامي، الحياة خدت شكل تاني خالص، شكل فيه سكي..نة حقيقية. بيت صغير، فرش بسيط بس دافي، ريحة أكلنا اللي بنحبه، وضحكة ليلى اللي بقت تملى كل ركن في الشقة.
ليلى دخلت المدرسة وبدأت تكون شخصيتها، وأجمل حاجة فيها إنها طالعة واثقة في نفسها. في مرة، وهي عندها 8 سنين، رجعت من المدرسة عينيها مدمعة، سألتها في إيه، قالتلي: “يا ماما، في واحدة في الفصل قالتلي شعرك ده غريب ومختلف، ليه مش زي البنات اللي في التلفزيون؟”
قلبي وجعني للحظة، افتكرت كلام حماتي وسمومها، بس مسكت نفسي وبصيت في عينيها الملونة اللي بتنور الدنيا، وخدتها في حضني وقلتلها: “يا ليلى يا حبيبتي، الناس أنواع، والجمال مش نسخة واحدة مكررة. لو كل الناس شبه بعض، الدنيا هتبقى مملة جداً. شعرك ده زي التاج، مفيش حد عنده زيه، ده خصلات متميزة زيك بالظبط.”
يومها ليلى سكتت، وبعدها بفترة لقيتها هي اللي بتسرحه وبترسم خصلاتها بكل فخر، وبقت هي اللي بترد على أي حد يتنمر عليها بذكاء وهدوء، كأنها ورثت مني القوة اللي اكتسبتها من التجربة دي.
أحمد بقى مبيفوتش فرصة إلا ويقولي فيها إنه فخور بيا وبليلى، وإن حياته قبلنا كانت “أبيض وأسود” ودلوقتي بقت ملونة. حتى عم صبري، اللي كان بيجي يزورنا كل فين وفين، اتغير تماماً؛ بقى بيشوف ليلى بيشوف فيها “الروح” اللي كانت مفتقداها عيلته، وبقى بيعتذر لي عن كل كلمة قاسية اتقالت في حقي، وأنا كنت بقابله بابتسامة، لأن الغل مكنش مكانه قلبي أبداً.
ساعات لما بنقعد أنا وأحمد ونبص لليلى وهي بتذاكر أو بتلعب، بنبتسم لبعض، نظرة مليانة حكايات. الوجع اللي كان في بدايتنا خلانا نقدر قيمة “الستر” وقيمة “الحب الحقيقي” اللي مش مشروط بمركز أو مظهر.
بنتي ليلى، اللي كان حد عايز يغير ملامحها عشان تليق بمقاييسه المريضة، كبرت وبقت أجمل طفلة في الدنيا، مش بس بملامحها، لا، بروحها اللي متعلمتش تكره، وبقلبها اللي بقى حصن لأي حد بيحبها. وأنا مريم، اللي كانت “بنت منطقة شعبية” في نظرهم، بقيت بطلة حكاية نفسي، عرفت إن الكرامة مش بتداس، وإن اللي بيمد إيده على طفلة عشان يغيرها، هو اللي في الآخر بيطلع خسران، خسران أثمن حاجة في الدنيا.. العيلة، والحب، والقبول.
الحكاية خلصت، بس كل يوم بنصحى فيه، بنحمد ربنا على النعمة اللي إحنا فيها، نعمة إننا أحرار، نعمة إننا “إحنا”، وبس.
………
السنين بتمر زي لمح البصر، وكأنها كانت اختبار لقوة الروابط اللي بينا. ليلى دلوقتي بقت صبية في الجامعة، طول بعرض، وجمالها بقى جمال طبيعي من غير أي رتوش، شعرها الكيرلي سابته على طبيعته، وبقت بتلبس اللي يليق عليها مش اللي الناس عايزاه. بقت دكتورة واعدة، حلمها مش بس النجاح، حلمها كانت رسالة بتوصلها لكل أم ولكل طفلة قابلتها في رحلتها: “انتي جميلة زي ما أنتي”.
في يوم من الأيام، وأنا قاعدة بقلب في ألبوم صور قديم، لقيت صورة لليلى وهي لسه رضيعة، بملامحها البريئة. أحمد جه وقعد جنبي، حط إيده على كتفي وبص للصورة بابتسامة هادية. “كنتي خايفة عليها أوي اليوم ده يا مريم، خايفة أكتر من أي حاجة في الدنيا.” رديت عليه وأنا بمسح على شعره اللي بدأ يغزوه الشيب: “كنت خايفة لأن دي كانت معركتي الأولى عشان أحمي كرامتنا يا أحمد. لولا التجربة دي، يمكن كنا فضلنا عايشين في دايرة تانية.”
فجأة، جرس الباب رن. كانت ليلى داخلة، جاية من كليتها، وشها منور بالضحكة اللي بتملا البيت دفء. وقفت قدامنا وقالت: “يا جماعة، مش هتصدقوا مين قابلته النهاردة في المستشفى.” استنيت، قلبي دق دقة غريبة. ليلى كملت بهدوء: “قابلت جدتي نادية.”
البيت سكت تماماً. أحمد بص لي، وأنا بصيت لليلى. كملت هي: “كانت مريضة جداً، ومحدش جنبها. لما عرفت مين أنا، بصتلي بصة غريبة أوي، مش بصة كره، ولا حتى حقد.. كانت بصة انكسار وشوق. طلبت مني أسامحها، وقالت لي إنها طول عمرها كانت بتدور على السعادة في المظاهر، وطلعت هي أكتر واحدة كانت محتاجة للحب اللي أنا وأمي لقيناه في بعض.”
أحمد قام وقف، وشاف ليلى وقالت لها: “وانتي يا ليلى؟” ليلى ابتسمت ابتسامة الواثق: “أنا سامحتها يا بابا، مش عشانها، عشان قلبي ميشيلش تقل لغيري. وسامحتها عشان أثبت لنفسي إن الوجع اللي عشته وأنا طفلة، علمني أكبر درس: إن الغفران هو اللي بيخلينا أحلى، وإن الحقد مش بيعمل غير عجز.”
نادية ماتت بعد الواقعة دي بفترة قصيرة، سابت وراها دروس كتيرة لينا كلنا. مش بس دروس عن المظاهر، لكن دروس عن قيمة كل لحظة بنقضيها مع اللي بنحبهم.
النهاردة، وأنا قاعدة في البلكونة وببص على الشارع، بشوف ليلى وهي نازلة، واثقة في خطوتها، رافعة راسها للسما، عرفت إن اللي بنيته مكنش بيت ولا عيلة، كان “بنيان” لروح بنتي. مريم، البنت اللي كانت “مش من مستواهم”، قدرت تخلق مستوى جديد خالص: مستوى الكرامة، والحب غير المشروط، والأمان اللي ملوش تمن.
الحكاية انتهت بجد المرة دي، والبيت اللي كان دايماً خايف، دلوقتي بيتنفس حب. وأنا عرفت أخيراً، إن “الجمال” الحقيقي هو اللي بيطلع من قلب حقيقي، مش من قزازة صبغة أو نظرة عيون مريضة.
تمت
حكايات انجى الخطيب