بعد كل مره حكايات ميرا
الداخلي، وبدأت أستقبل عملاء من خلال الإنترنت.
في البداية، كنت بخاف من كل حاجة.
أخاف أفتح الباب، أخاف أسمع رنة الموبايل، أخاف أكتشف إن حد بېكذب عليَّ تاني.
لكن مع الوقت، بدأت أستعيد نفسي.
رجعت أزور صحابي، وخرجت أتمشى لوحدي، واشتريت ستاير جديدة للشقة، وغيّرت مكان الكنبة اللي أحمد كان بينام عليها كل ليلة.
الغريب إن أول مرة دخلت الصالة بعد التغيير، حسيت إني بتنفس بحرية لأول مرة من سنين.
في اليوم ده، رن جرس الباب.
فتحت، ولقيت مندوب توصيل معاه ظرف.
ما كانش عليه اسم المرسل، لكن جواه كانت فيه رسمة طفل صغيرة، وورقة مكتوب فيها بخط مش متقن
طنط منى، أنا إيميلي. بابا قاللي إنك كنتي طيبة مع تيتة. أنا آسف لو زعلتك. أنا ما كنتش أعرف إنك ما تعرفيش إني ابنه. أتمنى تكوني مبسوطة.
فضلت باصة للرسالة، ودموعي نزلت.
ما كانش ذنب الطفل إنه اتولد في حكاية مليانة كڈب.
وما كانش مطلوب مني أكون أمه أو أتحمل مسؤولية مش مسؤوليتي.
لكن كان من حقي أشوفه كطفل بريء، مش كرمز للخېانة اللي اتعرضت لها.
بعت لنسرين رسالة قصيرة، قلتلها فيها إن إيميلي ما عملش حاجة غلط، وإنها لازم تحافظ عليه بعيدًا عن خلافات الكبار.
وبعدين احتفظت بالرسمة في درج صغير، جنب رسالة أمي.
ما كنتش عايزة أعيش في الماضي، لكن كنت عايزة أفتكر إن وسط كل الۏجع ده، كان فيه طفل ما يستحقش يكره نفسه بسبب أخطاء أبوه.
المواجهة الأخيرة أحمد رجع يطلب فرصة
بعد حوالي سنة من الانفصال، قابلت أحمد بالصدفة في مكتب المحامية هالة، لما جه يستلم بعض المستندات الخاصة بإجراءات الطلاق.
كان شكله متغيرًا.
خسارته المالية خلته يبيع عربيته، واضطر يسيب شقته المستأجرة وينتقل لشقة أصغر. علاقته بنسرين بقت متوترة، لأنها اكتشفت إنه كان بيخبي عنها ديونًا قديمة، وانتهت علاقتهم بعد سلسلة من الخلافات.
أما الحاجة فوزية، فرجعت تعيش مع قريبة ليها، بعد ما اكتشفت إن ابنها مش هيقدر يوفر لها الحياة اللي كانت متخيلاها.
ما فرحتش بمصايبهم، لكني ما حسيتش بالشفقة اللي كانت زمان بتخليني أرجع عن قراراتي.
بعد ما خلصنا الإجراءات، أحمد طلب يتكلم معايا لدقايق.
وافقت، ووقفنا في ممر هادي.
قال
أنا عارف إنك مش هترجعيلي، بس كنت محتاج أقولك حاجة. أنا خسرتك بسبب غبائي.
ما رديتش.
كمل
كنت فاكر إنك هتفضلي موجودة مهما عملت، وإنك لو عرفتي الحقيقة هتزعلي شوية وبعدين تسامحيني. ما فهمتش إن كل مرة كنت بكذب عليكي، كنت بهدم حتة من جوازنا.
قلتله
المشكلة مش إنك افتكرت إني هسامحك. المشكلة إنك اعتبرت حبي ليك ضمان إنك تقدر تعمل أي حاجة من غير ما تتحمل نتيجتها.
هز راسه.
عندك حق.
وبعدين قال
أنا آسف يا منى. مش بطلب منك ترجعي. بس نفسي تعرفي إني ندمان.
بصيتله، ولأول مرة من غير ما أحس پغضب أو خوف.
أتمنى إنك تتعلم من اللي حصل، وتبقى أب أحسن لإيميلي. لكن أنا مش مسؤولة عن إصلاح حياتك، ومش مطالبة أديك فرصة جديدة عشان تثبت إنك اتغيرت.
سكت شوية، وبعدين قال
فاهم.
استأذن ومشي.
فضلت واقفة لحظة، وبعدين خرجت من المبنى.
ما كنتش محتاجة أشوفه بيتعاقب عشان أحس إني انتصرت.
انتصاري الحقيقي كان إني بقيت أقدر أقف قدامه من غير ما أرتعش، وأقول لا من غير ما أعتذر، وأمشي من غير ما ألتفت ورايا.
النهاية الساعة 117 لكن المرة دي ما كنتش لوحدي
في ذكرى جوازي الحداشر، الساعة كانت واحدة وسبعتاشر دقيقة بعد نص الليل، لما سمعت أحمد بيكلم ابنه، وأنا واقفة على السلم، مش عارفة إذا كان قلبي هيتحمل الصدمة ولا لأ.
الساعة دي فضلت محفورة في ذاكرتي شهور طويلة.
كنت كل ما أبص للموبايل وألاقيها، أفتكر اللي حصل، وأحس بۏجع قديم بيرجع.
لكن بعد سنة من الطلاق، حصلت حاجة صغيرة غيرت معنى الرقم ده بالنسبة لي.
كنت قاعدة في شقتي، بخلص تصميم مشروع جديد، لما بصيت للساعة.
117 صباحًا.
ابتسمت من غير ما أقصد.
قمت من مكاني، وعملت لنفسي كوباية شاي، ووقفت عند الشباك.
الشارع كان هادي، والنور داخل من العمارات المقابلة، وصوت الهوا بيحرك الستارة الجديدة اللي اخترتها بنفسي.
افتكرت منى القديمة، الست اللي كانت بتنام متخشبة في سريرها عشان ما تضايقش جوزها، واللي كانت بتلوم نفسها على فقدان حملها، واللي كانت بتفتكر إن الحفاظ على البيت أهم من الحفاظ على كرامتها.
لو كنت أقدر أرجع بالزمن، كنت هحضن الست دي وأقولها
إنتِ مش ناقصة، ومش مذنبة، ومش مطالبة تدفعي عمرك كله عشان حد يفضل جنبك.
أنا ما بقيتش أم، وما رجعليش جوازي، وما قدرتش أسترد السنين اللي ضاعت في الكذب.
لكن استرديت نفسي.
استرديت بيتي، وقراري، وهدوئي، وقدرتي إني أعيش من غير ما أستنى حد يحددلي إذا كنت أستحق الحب ولا لأ.
وبعد شهور، قدرت أوسع شغلي، واستأجرت مكتبًا صغيرًا أستقبل فيه العملاء، وبدأت أحقق دخلًا يكفيني ويخليني مستقلة.
ما كانش نجاحي في الفلوس وحدها، لكن في إني بقيت أعرف أقول لا، وأحط حدودًا واضحة، وما أسمحش لحد يستخدم خۏفي من الوحدة عشان يتحكم فيَّ.
أما الشقة اللي أمي سابتهالي، ففضلت بيتي.
غيّرت لون الحيطان، وعلقت صورة أمي في الصالة، وحطيت تحتها الرسالة اللي كتبتها لي.
وكل ما أشوفها، أفتكر إن فيه ناس بتحاول تحبك بطريقتها، وفيه ناس بتحبك فعلًا، والفرق بينهم بيظهر لما تكون ضعيف ومحتاج حد يحميك.
أحمد اختار ېكذب، وحماتي اختارت تغطي على كذبه، ونسرين اختارت تصدق وعوده وقتًا أطول مما ينبغي.
وأنا اخترت في النهاية إني ما أبقاش جزءًا من الكذبة دي.
ما انتقمتش منهم بتخريب حياتهم، ولا فضحتهم لمجرد إني أوجعهم.
واجهت الحقيقة، حافظت على حقي، وسيبت كل واحد يتحمل نتيجة قراراته.
والأهم، ما عدتش بستنى حد يختارني. أنا اللي اخترت نفسي.
لأن البيت مش مجرد شقة لها عقد ملكية، والجواز مش مجرد سنين بنقضيها مع بعض، والحب مش إنك تستحمل الإهانة عشان ما تخسرش اللي بتحبه.
البيت الحقيقي هو المكان اللي تقدر تنام فيه من غير خوف، وتتكلم فيه من غير ما تحسب كل كلمة، وتكون فيه على طبيعتك من غير ما تحس إنك لازم تثبت إنك تستحق البقاء.
وفي الليلة دي، الساعة 117، طفيت النور، ودخلت أوضتي، ونمت على جنبي براحة.
ما كانش فيه حد هياخد مخدته وينزل ينام على الكنبة.
ما كانش فيه أسرار مستخبية في درج مقفول.
وما كانش فيه صوت طفل بينادي رجلًا بيخدع ستًا عاشت عمرها تحبه.
كان فيه هدوء.
هدوء كنت فاكرة إني فقدته للأبد، لكنه رجعلي لما بطلت أتمسك بالناس اللي كانوا بياخدوا مني كل حاجة، وبدأت أتمسك بنفسي.
وهكذا انتهت حكاية منى، مش برجوع الزوج الخاېن، ولا بانتصار مليان شماتة، لكن بنهاية حقيقية امرأة خسړت جوازها، لكنها أنقذت حياتها، واستردت بيتها، وعرفت أخيرًا إن كرامتها مش ثمن تدفعه عشان حد يفضل معاها.
تمت.