بعد كل مره حكايات ميرا
بعد كل مرة كنا بنقرب فيها من بعض، جوزي كان بياخد مخدته وينزل ينام على الكنبة في الصالة! وفي ذكرى جوازنا ال، ترجّيته وقلتله الليلة دي خليك جنبي، والنبي. الساعة 117 بعد نص الليل، صحيت واكتشفت إنه اختفى! نزلت على أطراف صوابعي، وسمعت طفل بيناديه يا بابا… بس اللي حماتي قالته بعدها خلّى الډم ينشف في عروقي!
الجزء الأول السر اللي مستخبي تحت سقف بيتي
يا بابا، إنت بجد هتيجي بكرة؟ أنا سخنّان وعايزك تحضني!
كانت الساعة واحدة وسبعتاشر دقيقة بعد نص الليل، لما سمعت الجملة دي وأنا واقفة على السلم في بيتي!
جوزي، أحمد، كان قاعد على الكنبة في الصالة، بيتكلم في مكالمة فيديو مع طفل صغير عنده حوالي أربع سنين. وعلى الشاشة، كانت فيه ست غريبة بتطبطب على راس الطفل بحنان.
أحمد ابتسم وقاله بصوت مليان حنية، صوت أنا بقالي شهور طويلة محرومة أسمعه منه
طبعًا يا حبيبي، هاجيلك بكرة. إنت بس خليك شاطر واسمع كلام ماما.
اتسمّرت مكاني، وحسّيت إن رجلي مش شيلاني.
أنا اسمي منى، عندي تسعة وتلاتين سنة، وعايشة في القاهرة. والليلة دي كانت المفروض تبقى من أسعد ليالي حياتي، لأنها كانت ذكرى جوازنا الحداشر.
كنت عاملاله الأكل اللي بيحبه، ومحضّرة كل حاجة بنفسي، وهو جابلي بوكيه ورد أبيض، ولأول مرة من أسابيع وافق إنه يبات جنبي على نفس السرير.
بقول وافق لأن أحمد بقاله تلات شهور، كل ما نكون قريبين من بعض، يقوم بعدها ياخد مخدته وينزل ينام على الكنبة اللي في الصالة!
في الأول، قاللي إن المرتبة مش مريحاه. بعدين اشتكى من التكييف. وفي الآخر، قاللي إني بتقلب كتير وأنا نايمة ومش بعرف أسيبه يرتاح.
لحد ما بقيت أنام وأنا متخشبة في مكاني، خاېفة أتحرك حركة تضايقه!
كنت كل ليلة أسأل نفسي هو أنا اتغيرت؟ هو مبقاش شايفني حلوة زي زمان؟ هو زهق مني بعد كل السنين دي؟
ماكنتش أعرف إن الحقيقة أبشع بكتير من كل اللي تخيلته.
جوازنا كان فيه ۏجع قديم، وكنت فاكرة إني عارفة سببه كويس.
أنا وأحمد فقدنا حملين، واحد ورا التاني. وبعد المرة التانية، الدكتور طلب مننا نعمل شوية تحاليل وفحوصات عشان نعرف السبب.
أنا عملت كل اللي طلبه مني، واستحملت التحاليل والأدوية والتعب النفسي، لكن أحمد كان كل مرة يطلعلي بحجة جديدة.
مرة عنده اجتماع مهم، ومرة مسافر شغل، ومرة مش فاضي ينزل المستشفى.
وأمه، الحاجة فوزية، اللي كانت عايشة معانا في البيت من سنين بحجة إن ركبتها تعباها ومش قادرة تعيش لوحدها، بدل ما تواسيني، بقت كل شوية ترمي كلام يوجع القلب.
البيت اللي مفيهوش عيال، يا بنتي، بيبقى ناقصه الروح.
وكنت بسكت وأبلع ۏجعي، وأقول لنفسي إنها ست كبيرة ومش قصدها تجرحني.
كنت باخدها للدكتور، وأشتريلها علاجها، وأجري على طلباتها، وأعاملها كأنها أمي بالظبط.
كنت فاكرة إن كل اللي بعمله ده بيقوّي علاقتنا ببعض، وإننا مهما حصل، في الآخر عيلة واحدة.
لكن وأنا واقفة على السلم الليلة دي، اكتشفت إني كنت عايشة وسط ناس كل واحد فيهم مخبي عني مصېبة.
رجّعت بصري ناحية أحمد، لقيته بيضحك للطفل وبيقوله
بكرة هاجيلك بدري، ونقعد نلعب سوا، اتفقنا يا بطل؟
الطفل ابتسم وقاله
وحشتني أوي يا بابا!
يا بابا!
الكلمتين دول نزلوا على قلبي زي السکينة.
بابا إيه؟ وإمتى؟ وإزاي؟
حاولت أستوعب اللي بسمعه، لكن الست اللي على الشاشة اتكلمت فجأة وقالتله
هو إنت هتفضل كل مرة تعمل في نفسك كده؟ ما تقدر تقولها الحقيقة وتخلص!
أحمد بص حواليه بتوتر، ورد عليها بصوت واطي
اهدي يا نسرين، مش وقته الكلام ده. منى لو عرفت دلوقتي، الدنيا هتتقلب على دماغنا.
نسرين!
حتى اسمها ماكنتش أعرفه!
وقبل ما الست ترد، باب أوضة حماتي اتفتح.
اټخضيت وافتكرت إنها نازلة عشان تتخانق معاه على الصوت، لكن اللي حصل بعدها خلاني أحس إن الأرض بتنسحب من تحت رجلي.
الحاجة فوزية خرجت من أوضتها، ومشيت ناحية الكنبة، وقعدت جنب أحمد بكل أريحية، كأن الموضوع ده اتكرر مېت مرة قبل كده.
وبصت للشاشة، ووشها اتقلب لابتسامة عمري ما شفتها منها وأنا معاها.
يا روح قلب تيتة! يا حبيبي يا إيميلي، عامل إيه دلوقتي؟ الحرارة نزلت ولا لسه؟
الطفل ابتسم وقال
الحمد لله يا تيتة، بس أنا عايز بابا ييجي ينام جنبي.
حماتي ضحكت بحنان وقالتله
هيجيلك يا حبيبي، ده إنت تؤمره أمر. ده إنت حتة من قلبه!
حسّيت إن نفسي اتقطع.
تلات سنين! تلات سنين وأنا بخدم الست دي، وبجري على دواها وأكلها ومواعيد دكاترتها، وهي عندها حفيد مخبياه عني!
تلات سنين وأنا بسمع منها تلميحات إن العيب فيَّ، وإن أنا اللي حرمت ابنها من إنه يبقى أب!
وفي الوقت اللي كانت بتوجعني فيه بكلامها، كانت بتدلع حفيدها من ورايا، وبتضحك مع أمه، وبتخطط لحياتهم كأنها مفيش حاجة غلط بتحصل!
لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية.
نسرين على الشاشة اتنهدت بضيق وقالت
يا أحمد، أنا زهقت من حكاية الإيجار دي. أنا وابني مش هنفضل طول عمرنا قاعدين في شقة إيجار، وكل شوية نستنى إنت هتيجي إمتى! إنت وعدتني إنك هتجيبلي شقة قبل ما إيميلي يدخل الحضانة.
أحمد مسح على وشه وقال
ما أنا بظبط الفلوس أهو. اديني شوية وقت بس.
حماتي قربت منه واتكلمت بثقة، وكأنها بتناقش موضوع عادي جدًا
بص يا ابني، إحنا مش هنفضل نستنى كتير. الشقة اللي باسم منى دي ممكن تخلّصلك الموضوع كله.
قلبي بدأ يدق پعنف.
شقتي أنا؟!
الشقة اللي أمي كتبتهالي هدية قبل جوازي، واللي كنت بعتبرها أماني وضهري لو الدنيا كلها اتقلبت عليَّ؟!
حماتي كملت كلامها بكل برود
إنت بس قول لمنى إنك عايز تستثمر في مشروع جديد، وإنك محتاج ضمان للبنك عشان تاخد قرض. وهي من طيبتها هتوافق، وإنت عارف إنها عمرها ما بترفضلك طلب.
أحمد هز راسه وقال
أنا بفكر في الموضوع ده فعلًا، بس لازم أختار الوقت المناسب.
نسرين بصتله بقلق
يعني إيه الوقت المناسب؟ أنا مش هفضل مستنية لحد ما منى تكتشف كل حاجة بنفسها!
حماتي ردت بسرعة
ما تقلقيش يا بنتي. منى دي على قد حالها وبتصدق أي كلمة تتقالها. إحنا بس لازم نمشي الموضوع واحدة واحدة، ومن غير ما تحس إن فيه حاجة غريبة.
حطيت إيدي على بقي عشان أمنع نفسي من الصړاخ.
ماكانوش بيخططوا بس إنهم يخبوا عني زوجة تانية وابن!
دول كانوا عايزين يسرقوا بيتي بموافقتي، ويخلوني أنا اللي أوقّع بإيدي على الورق اللي ممكن يضيّع مستقبلي كله!
والست اللي فتحتلها بيتي وعشت أخدمها سنين، كانت قاعدة بتوزع أملاكي على الست اللي جوزي بيخوني معاها!
وفجأة، أحمد قال جملة خلتني أرتعش من الڠضب
أنا مش عايز منى تشك في أي حاجة. لازم أفضل قدامها الزوج المخلص اللي بيحاول يرضيها، لحد ما موضوع القرض يخلص.
نسرين ردت بحدة
وإنت هتفضل تعمل نفسك بتحبها لحد إمتى؟! إنت كل يوم بترجع من عندها تعبان ومتنرفز، وأنا وابنك اللي بندفع التمن!
أحمد سكت لحظة، وبعدها قال
استحملي شوية كمان. أول ما موضوع الشقة يخلص، كل حاجة هتتغير.
في اللحظة دي، حسّيت إن كل ذكرى حلوة بيني وبينه بقت كدبة.
الورد الأبيض اللي جابهولي