عشـ.ـيقه جوزي اقتحـ.ـمت بيتي وفاكره حماتي الخدامه

الجزء الثالث الحساب يبدأ من الجذور
لم يكن القادمون مجرد ضيوف.. كانوا محامو العائلة، ورجال الأمن، ومدير البنك الذي تتعامل معه شركة العطار.. جاءوا جميعًا بناءً على طلب أرسلته الحاجة خديجة قبل ساعات، حين تأكدت من أن كل الأدلة قد اكتملت ولم يعد هناك مجال للتراجع.
دخلوا بصمت رسمي، ملأ المكان هيبة وجدية.. مدير البنك كان أول من تكلم، وهو يفتح ملفًا سميكًا في يده
السلام عليكم.. جئنا بناءً على تعليمات السيدة خديجة العطار بتفعيل الإجراءات القانونية فورًا.. لقد تم رصد تحويلات مالية غير مأذون بها، واستخدامًا لبطاقات ائتمانية تخص السيدة خديجة دون إذنها، بالإضافة إلى توقيعات مزورة في عقود استثمار.
ريماس بدأت تترنح، تمسكت بحافة الكنبة لكي لا تسقط
توقيعات مزورة؟.. أنا ما عملتش حاجة.. سيف كان عارف بكل حاجة!
سيف رفع رأسه ببطء، نظر إليها باحتقار لم يشعر به من قبل
كنت أعلم؟ كنت أعلم أنكِ تحولين ملايين الجنيهات لحسابك الخاص؟ كنت أعلم أنكِ تبيعين أملاك العائلة وكأنها مالك؟
الټفت نحو مدير البنك
أرجوكم أروا كل ما لديكم.. لا تحجبوا شيئًا.. أريد أن أعرف كل ما فعلته هذه المرأة وراء ظهري.
بدأت القراءة.. تلو الآخر، ظهرت الأسماء، التواريخ، المبالغ.. كلها تثبت كيف استخدمت ريماس علاقتها بسيف للوصول إلى حسابات لم يكن من المفترض أن تصل إليها أبدًا.. مبالغ طائلة حولتها لشركات وهمية، شقت في مدن مختلفة، سيارات فارهة، وحتى تبرعات بأسمائها لجمعيات خيرية لتبدو كشخصية نافعة أمام الناس.
المجموع الكلي.. قال المحامي بصوت ثقيل، يصل إلى ما يقارب المائة وعشرين مليون جنيه.. تم سحبها وتحويلها على مدار ستة أشهر فقط.
ضحكت ريماس بصوت عالٍ ثم اڼهارت في البكاء
كنت مضطرة.. أهلي كانوا محتاجين.. ظروف صعبة.. حاولت أقول لك يا سيف بس ما كنتش عايزة أضغط عليك!
مائة وعشرين مليون جنيه لظروف عائلية؟! سألته خديجة وهي تنزل الدرج من جديد، لم تغير ملابسها ولا مظهرها، لكن هيبتها كانت قد عادت بأكملها،
أم أنكِ كنتِ تجهزين نفسك لحياة لا تُعمل

فيها شيئًا طوال عمرك؟ كنتِ تخططين لتركه بعد أن تستولي على كل ما يملك ثم السفر بعيدًا أليس كذلك؟
لم تنتظر إجابة، بل أشارت بيدها نحو المحامي
أكمل.. أظهروا لها الشهادة التي وصلتنا صباح اليوم.
فتح المحامي مغلفًا رسميًا، وقرأ بصوت واضح
تلقينا إفادة من مدير المستشفى الخاص الذي عولج فيه السيد سيف العطار.. تفيد بأن السيدة ريماس لم تزره ولا مرة واحدة طوال فترة إقامته في المستشفى.. جميع من كان يزوره هم أفراد من العائلة والأصدقاء القدامى.. والسيدة فاطمة كانت المقيمة الدائمة بجواره وفقًا لسجلات المستشفى وتقارير الممرضات.
صعق سيف.. كل القصص التي روتها له عن وقوفها بجواره في محنته، عن دموعها التي ذرفتها خوفًا عليه، عن الليالي التي سهرتها لترعاه.. كلها كانت كڈبة بيضاء كاذبة نسجتها لتبدو في صورة الفتاة المخلصة التي لم تتركه في وقته العصيب.
نظر نحو فاطمة التي وقفت عند طرف الدرج، بملامح هادئة لا تعبر عن اڼتقام بل عن حزن عميق.. تذكر حين كان لا يستطيع تحريك يده، كانت هي التي تطعمه، تغسله، تغير ملابسه، تضحك له حين ييأس، وتصبر عليه حين يشتكي ويغضب.. ولم تطلب منه شيئًا في المقابل.
أنا آسف.. قال بصوت مكسور، لم يكن يخاطب أحدًا غير فاطمة، أنا آسف جدًا.. لم أستحقك يومًا.
فاطمة هزت رأسها ببطء
الأسف ما يرد اللي راح يا سيف.. السنين اللي عشتها معاك بحب.. الليالي اللي سهرتها.. كل ده مش هيرجع.. وأكبر چرح مش اللي عملته ريماس.. الچرح إنك صدقتها عليّ بسهولة.. من غير حتى أن تسألني مرة.
كانت الكلمات كسيف يقطع قلبه.. لقد صدقها.. صدقها دون تردد، دون أن يمنح زوجته التي وقفت معه في أحلك الظروف فرصة للدفاع عن نفسها.. لمجرد أن صوتًا حلوًا كڈب عليه.
في تلك اللحظة، تقدم رجل من بين الحضور، رجل في الخمسينيات من عمره، بملامح حازمة، وقف بجانب خديجة وقال
عندي كلمة أخرى قبل أن ننتقل للإجراءات القضائية.. أنا محاسب سيد سيف منذ عشرين عامًا.. ولاحظتُ شيئًا غريبًا في الحسابات لم أستطع تفسيره حتى اليوم.
فتح دفتره وتابع
السيدة ريماس لم تكن تعمل وحدها.. هناك شخص آخر.. شخص من الداخل.. كان يمدها بالمعلومات، بالتواريخ، بتفاصيل اجتماعات العمل.. شخص يعرف عاداتكم، مواعيدكم، أسراركم..
نظرات الجميع التفتت نحو بعضهم البعض.. من يمكنه أن يكون هذا الشخص؟ من الذي يخون العائلة من الداخل؟
خديجة تنهدت بعمق وكأنها كانت تنتظر هذه الكلمة منذ زمن طويل
أعرف من هو.. لقد شعرت بوجوده منذ فترة طويلة.. لم أتحدث لأني كنت أريد أن يكشف نفسه بنفسه.. والآن حان الوقت ليظهر.
توجهت نحو باب الصالة وقالت بصوت عالٍ
ادخل يا محمد.. لم يعد هناك مجال للاختباء.
فتح الباب ببطء.. ودخل شاب في أواخر العشرينات، ابن عم سيف، الذي كان يعمل كمدير مكتبه.. وجهه شاحب، عيناه تتجنب النظر لأحد.. كان هو الشريك الخفي..
أنت؟! صړخ سيف لا يصدق عينيه، أنا ربيتك.. أخذتك معي صغيرًا.. كنت أثق بك أكثر من نفسي!
محمد أخفض رأسه خجلًا وخوفًا
سامحني يا سيف.. ريماس عرضت عليّ الملايين.. قالت سنسافر معًا.. نعيش حياة لم نحلم بها.. ضعفت.. غلطت..
غلطت؟! قالت خديجة بحدة، خېانة الأمانة مش غلطة يا ولد.. دي چريمة تطالك مدى الحياة.. بعت أهلك مقابل وعد كاذب من إنسانة ما تعرفك إلا لما استخدمتك!
انهار محمد على الكرسي، يديه تغطيان وجهه يبكي كطفل.. لم يدرِ أن الطريق الذي سلكه لا نهاية له سوى الهاوية.
خديجة التفتت نحو الجميع، نظراتها قوية حازمة
الآن كل الحقائق ظهرت.. لا أحد بريء إلا من ثبتت براءته.. وسنبدأ بترتيب الأمور من الجذر.. من اليوم لا أحد يأخذ قرارًا واحدًا في الشركة إلا بوجودي شخصيًا.. كل الحسابات ستُجمد وتُعاد مراجعتها من الألف للياء.. وريماس ومحمد.. سيُحالان للنيابة العامة فورًا پتهم الابتزاز والتحايل والاستيلاء على أموال الغير.
نظرت نحو ريماس التي كانت تقف كالتمثال الشاحب
سوف تقضين سنوات طويلة في السچن.. وحتى بعد خروجك لن يبقى معك قرش واحد من المال الذي نهبتيه.. كل شيء سيرد.. وستعيشين بقية حياتك تندمين على يوم خطوتي فيه هذه البوابة.
لم يكن هناك رحمة في صوتها.. ولا ينبغي أن تكون.. فالضرر الذي لحق بالعائلة وبفاطمة تحديدًا لا يمكن إصلاحه ببضع كلمات عتاب.
سيف وقف وحيدًا في وسط الغرفة.. كل من حوله يتحرك، يتحدث، يأمر.. وهو لا يملك إلا أن ينظر نحو فاطمة، يدرك أن الجسر بينهما قد احترق بالكامل، وأن كل ما كان يملكه من ثقة قد ټحطم أمام عينيه..
بقي أن يقرر مصيره.. هل سيقف بجانبهم ليستعيد ما سُرق منه ومن عائلته، أم سيترك كل شيء ويذهب ليعيش عزلته كعقاپ على غبائه؟
وفي تلك اللحظة، اقتربت فاطمة من خديجة، مسكت يدها ببطء وقالت
سمحيني يا حاجة.. أنا عايزة أتكلم كلمتين لوحدي مع سيف.. من غير ما حد يسمعنا.
ترددت خديجة قليلاً ثم أومأت برأسها وأشارت للجميع بالخروج.. أغلق الباب خلفهم، وبقيا وحيدين.. لا شيء يفصل بينهما سوى المسافة التي امتدت بين قلبيهما طوال هذه الأشهر..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *