عشـ.ـيقه جوزي اقتحـ.ـمت بيتي وفاكره حماتي الخدامه

الجزء الرابع بين الندم والقرار
لم يتكلم أحد لدقائق طويلة.. كانت أصوات أنفاسهما مسموعة في الهدوء الذي يلف المكان.. فاطمة كانت تنظر إليه بتركيز، كأنها تحاول أن تتعرف عليه من جديد.. هذا الرجل الذي ضحت بسنوات من عمرها من أجله، والذي تخلّى عنها في لحظة شك واحدة.
تعرف يا سيف.. بدأت بصوت هادئ لا يعبر عن ڠضب بقدر ما يعبر عن تعب عميق، كنت أتخيل إننا لما نكبر سنبقى مع بعض.. نحكي لأولادنا كيف صبرنا على بعض.. كنت أعتبر إن اللي جمعنا ده حب حقيقي.. حب ما يتغيرش بالزمن ولا بالظروف.
سكتت قليلاً لتبلع غصة في حلقها ثم أكملت
لكنني اكتشفت إن ما بينا كانش حب.. كان امتنان منك وتضحية مني.. والامتنان ما يكفي لبناء بيت ولا لحماية علاقة.
سيف مد يده ببطء كأنه ېلمس شيئًا هشًا
أحبك يا فاطمة.. عرفت الآن إنني أحبك.. لم أكن أعرف معنى الحب إلا حين فقدتك.. حين رأيت كل شيء يتهاوى حولي وفكرت أنك سترحلين.. شعرت وكأنني أموت.
ابتسمت پألم
الحب مش كلام يا سيف.. الحب إنك تثق فيّ.. إنك تسألني قبل ما تحكم عليّ.. إنك تحميني من أي حد يحاول يأذيني.. ده اللي ما عملتهوش.. سلمتني لريماس بسكينك أنتَ.
كلماتها نالت منه أكثر من أي لوم آخر.. لقد سلمها.. بيديه.. لم يقصد إيذاءها، لكنه تركها في مواجهة العاصفة وحيدة.. وهذا أقسى أنواع الخېانة.
أعرف.. قال وهو يمسح عرقًا باردًا تصبب على جبينه، أعرف إنني خذلتك.. وأنه لا يوجد عذر لي.. لكن أرجوكِ لا تبتعدي الآن.. أنا سأصلح كل شيء.. سأعمل من الصباح للمساء لكي أستعيد ثقتك.. سأفعل كل ما تطلبينه.
اقتربت منه خطوة، ونظرت في عينيه مباشرة
الثقة دي زي المرآة يا سيف.. لما تتكسر مهما حاولت تصلحها بتفضل فيها شقوق.. ما بترجعش زي ما كانت.. وأنا مش عايزة أعيش حياتي كلها خاېفة من اللحظة اللي تكسرفيها

المرآة تاني.
سكتت لحظة ثم قالت ببطء
عايزة أطلب منك طلب أخير.. ما تمنعنيش..
أي حاجة.. أتنازل عن كل شيء.. المال.. البيت.. كل ما أملك لكِ.. فقط لا تذهبي.
هزت رأسها برفق
أنا مش طالبة مال.. المال ما يعوضش السنين اللي راحت.. اللي عايزاه منك.. الطلاق.. بكرامة.. من غير مشاكل ولا كلام في الجرائد.. ننفصل بكل هدوء.. وأبقى في بيتي الخاص بعيد عن كل ده.
كلمة الطلاق وقعت عليه كصاعقة.. لم يكن يتصور أن تصل الأمور لهذا الحد.. لقد ظن أنها ستبقى مهما حدث، كالعادة.. لكن هذه المرة كانت مختلفة.. كانت حاسمة.
تطلبين الطلاق؟.. من أجل خطأ ارتكبته ويمكنني التكفير عنه؟ سألها بصوت مرتجف.
مش من أجل خطأ واحد يا سيف.. من أجل سلسلة أخطاء بدأت من زمان.. لما كنت تفضل راحتي على راحتك.. لما كنت تصدق كلام الغير عليّ.. لما تركتني وحيدة في ليلة رأس السنة.. ده كله تراكم.. والآن الكيل فاض.
لم يبكِ.. لم ېصرخ.. فقط انحنى كأنه يحمل جبلًا على كتفيه.. أدرك أن إصرارها لن يلين، وأن البقاء معه سيكون تعذيبًا لها لا سعادة.
إذا كان هذا قرارك.. قال بصوت ثقيل، فسأفعل ما تريدين.. لكن سأبقى على أمل أن تتغير رأيك.. لن أتوقف عن محاولة استعادة ثقتك.. وإن طال الزمن.
لا تنتظرني يا سيف.. قالت برفق ولكن بحزم، ابدأ حياتك من جديد.. تعلم من أخطائك.. وثق بمن يستحق الثقة.. ربما في يوم تفهم معنى ما أقوله لك الآن.
استدارت لتغادر الغرفة، وقفت عند الباب للحظة دون أن تلتفت
أوراق الطلاق سأنتظرها من المحامي.. وأرجو ألا تحاول التواصل معي إلا للضرورة القصوى.. سلام عليك.
خرجت وبقاه خلفها.. وحيدًا مع صمته وندمه.. سمع صوت خطواتها تبتعد في الممر، ثم صوت الباب يغلق بهدوء.. لم يكن هناك صوت انفجار ولا صړخة.. فقط هدوء ېقتل كل أمل في العودة.
بعد دقائق، خرج من الغرفة ليجد أمه بانتظاره في الصالة.. لم تكن غاضبة كما توقع، ولا حزينة.. كانت تنظر إليه بعينين مليئتين بالشفقة.
رحلت؟ سألت بهدوء.
أومأ برأسه دون أن ينطق.
كان يجب أن تتوقع ذلك يا بني.. فاطمة ليست من النساء اللواتي يقبلن أن يكن في المرتبة الثانية.. ولا من ينسى الإهانة بسهولة.
جلس بجانبها على حافة الكنبة، شعر فجأة بكل ثقل السنوات
أنا خسرتها يا أمي.. خسرتها بيدي.
وضعت يدها على كتفه
ما خسرتهش بالكامل.. لسه عندك فرصة.. مش لترجعها.. لكن لتصبح إنسانًا يستحقها.. إصلاح نفسك أولًا.. إن أردت العودة لها فلا تأتِها وأنتَ كما كنت.. تعالَ وهيّأ نفسك.. وإن لم تعد فستكون قد فعلت ذلك من أجلك على الأقل.
كلماتها كانت حكيمة كالعادة.. لم تعده بالمستحيل، ولم تتركه يغرق في اليأس.. أعطته طريقًا للخروج من الظلام.
سأفعل.. قال وهو يرفع رأسه، سأبدأ من الصفر.. سأعيد بناء الشركة، أسترجع كل ما سُرق، وأثبت للجميع أنني قادر على تحمل المسؤولية.. وإن شاء الله يوماً ما..
قاطعته بابتسامة خفيفة
يكفيك أن تفعل ذلك لنفسك أولاً.. الباقي بيد الله.
في صباح اليوم التالي، بدأت الإجراءات بخطى سريعة.. ريماس نقلت للتحقيق ثم حُبست احتياطيًا، ومحمد سلم نفسه طوعًا معترفًا بكل ما فعله، وبدأت عملية تتبع الأموال واستردادها من الحسابات المختلفة.. لم يكن الأمر سهلاً، استغرق أشهرًا من العمل المتواصل، لكن العدالة كانت تسير في طريقها.
سيف لم يغادر المكتب إلا نادرًا.. كان أول من يأتي وآخر من يغادر.. عاد لقراءة دفاتر الحسابات بنفسه، تابع كل صفقة، كل تحويل، كل قرار.. تعلم الدرس بأقسى طريقة ممكنة.. وكلما تعب أو ضعف، تذكر نظرة فاطمة الأخيرة، فاستمد منها القوة للاستمرار.
أما فاطمة.. فقد انتقلت لشقة صغيرة في حي هادئ، بعيدًا عن ضوضاء الفيلا وأخبار العائلة.. لم تبكِ طويلًا، بل استيقظت في اليوم التالي وكأنها تخرج من كابوس طويل.. بدأت بترتيب حياتها الجديدة، قابلت صديقاتها القدامى، وبدأت العمل في مشروع صغير كانت تحلم به منذ سنوات.. دار حضانة للأطفال في حي متوسط، تقدم لهم الرعاية والتعليم بأسلوب حديث.
لم تتحدث مع أحد عما حدث.. ولم ټندم.. كانت تعلم أن قرارها كان صحيحًا مهما كان مؤلمًا.. الحرية التي حصلت عليها لم تكن مجرد ابتعاد عن بيت مليء بالكذب.. كانت عودة لنفسها التي تنستها طويلًا وهي تكرس كل وقتها لغيرها.
مرت الأشهر.. تحولت لسنوات.. وكل منهم يسير في طريقه، يحمل أعباء الماضي، ويبني مستقبلًا مختلفًا.. ولم يكن أحد يعلم أن القدر يخبئ لهم لقاءً لن يكون فيه شيء كما كان..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *