عشـ.ـيقه جوزي اقتحـ.ـمت بيتي وفاكره حماتي الخدامه

الجزء السادس النور في النهاية مُستكمل
..قاسمان لا يفترقان عن الخير والعطاء، وكلما مرّ عام زاد احترام كل منهما للآخر، وزاد يقينه أن هذا الطريق طريق الصداقة والعمل المشترك هو ما كتبه القدر لهما بدلاً من الحب الذي لم يكتمل.
في تلك الأثناء، لم يكن القدر قد انتهى من حكاياته معهم.. ففي يوم من الأيام، وبينما كان سيف يُنهي اجتماعًا في مقر الشركة الجديد، دخل عليه موظف قديم يحمل له خبرًا لم يتوقعه أحد..
يا سيف بيه.. وصلنا إشعار رسمي من مصلحة السجون.. ريماس طلبت مقابلتك شخصيًا.. تقول إن عندها كلام لازم تقوله لك قبل أن تغادر المكان نهائيًا.
توقف سيف عن الكتابة، سكت لحظة ثم قال بهدوء
أنا مش عايز أشوفها.. كل ما كان بينا انتهى من زمان.
أنا فاهم يا سيف بيه.. بس هي أصرّت جدًا.. وقالت إن الكلام ده متعلق بفاطمة هانم بشكل مباشر.. وإنك لو سمعته ربما تفهم حاجات حصلت قدامك وما كنتش عارفها.
كلمة فاطمة جعلته يتردد.. لم يكن يريد إثارة الماضي، لكن شيئًا بداخله قال له أن يذهب.. أن يسمع ما عندها ليطوي الصفحة بآخر سطر فيها.
ذهب في اليوم التالي.. لم يكن المكان كما عهدها.. كانت ترتدي ملابس بسيطة، شعرها مقصوص، ملامحها باهتة، وعيناها لا تلمعان بذلك الغرور الذي عُرفت به.. بدت كإنسانة أخرى تمامًا.
جلست أمامه بصمت دقائق، ثم قالت بصوت خاڤت متعب
شكرًا إنك جيت.. كنت عارفة إنك هتجي لو قلتلك الكلام ده يتعلق بفاطمة.
اتكلمي.. ومش تطولي.. قال ببرود بارد.
نظرت للأرض وقالت
أنا اللي كنت السبب في كل حاجة.. اللي حصل بينك وبين فاطمة.. مش أنا بس.. كان في حد تاني ساعدني.. وكنت فاكرة إنه بيحبني.. لغاية ما اكتشفت إنه كان بيستخدمني زي ما أنا كنت بستخدمك.
سكتت لتبلع ريقها ثم أكملت
محمد.. ابن عمك.. هو اللي كان يرسل لي كل التفاصيل.. مواعيدك.. سفراتك.. حتى ليلة رأس السنة.. هو اللي كلمني وقال لي إنك لوحدك وإن الفرصة مناسبة.. واتفقنا إننا ناخد كل حاجة ونروح مع بعض.. بس في الآخر.. هو سابني وحدي وسافر بفلوس كنت خبأتها..
رفعت عيناها إليه وفيها دموع حقيقية لأول مرة
أنا استاهل كل اللي حصل لي.. بس عايزة أقولك حاجة واحدة.. فاطمة ما كانتش تعرف أي حاجة.. طول الفترة دي كانت صادقة معاك.. وكل ما قلتلهالك عنها.. كل كلمة.. كانت كڈب.. أنا خفت منها لأنها كانت تعرفك أكتر مني.. لأنها كانت عندها اللي أنا عمري ما هقدر أملكه.. حب حقيقي..
سكت سيف.. لم يندهش، لم يغضب.. كل ما قالته كان يؤكد ما بدأ يشعر به منذ زمن طويل..
ليه بتقوليلي ده دلوقتي؟ سألها ببطء.
عشان أتطهر.. قالت بصوت يرتجف، عشان لما أخرج من هنا أبدأ من جديد.. من غير أسرار تكلمني كل ليلة.. وعشان تعرف إنك خسرتِ أغلى ما تملك بيدك.. وإنك لو حابب ترجع.. الباب لسه مفتوح شوية..
نهض سيف ليغادر، وقف عند الباب وقال دون أن يلتفت
الباب مش مفتوح يا ريماس.. اللي انكسر ما بيتصلحش بالكلام.. شكرًا على الصدق اللي جيتي به متأخر جدًا.. ربنا يوفقك في طريقك الجديد.
خرج من السچن والهواء يبدو أنقى وأخف.. لم يكن يحمل غضبًا ولا حقدًا.. فقط شعور عميق بالسلام.. عرف الآن أن كل شك مرّ بقلبه تجاه فاطمة كان باطلًا.. وأنها ظلت نقية صادقة حتى في عيون من أذتها.
عاد إلى المركز.. وجدها في الحديقة، تجلس بين مجموعة من الأطفال، تضحك معهم، تمسح على رأس صغير سقطت دموعه.. كانت لوحة من النقاء والجمال.. وقف يتأملها من بعيد، يدرك أن حبه لها لم يمت أبدًا.. بل نما وازداد وتجذر، لكنه تحول.. لم يعد حب الامتلاك والأنانية.. أصبح حبًا يرتقي بها ويحترمها ويقف عند حدودها.
اقترب منها، التفتت إليه وابتسمت كعادتها
رجعت متأخر.. كان في حاجة مهمة؟
جلس بجانبها على المقعد الخشبي، لم يكن متوترًا كما كان من قبل
قابلت ريماس.. قالتلي حاجات كتير.. كلها بتثبت إنك كنتي صادقة من أول يوم.. وإن كل شك مرّ بقلبي تجاهك كان غلط..
لم تندهش، فقط ابتسمت بهدوء
أنا عارفة يا سيف.. ما كنتش محتاج تسمعها منها عشان تؤمن بيا.. بس الحمد لله إنك عرفت
في النهاية.
أخذ نفسًا عميقًا وقال
عرفت.. وعرفت حاجة تانية.. إني بحبك.. مش كنتي بحبك زمان.. بحبك اللي أنتِ عليه دلوقتي.. القوية المستقلة اللي بنيتِ نفسك بنفسك.. بس مش عايزكِ تخافي.. مش هطلب منك ترجعيلي.. عايزكِ بس تعرفي إن وجودك في حياتي كفاية.. وإن رضاكِ هو أهم حاجة عندي.
مدت يدها ومسكت يده برفق، لم تبتعد ولم تقترب.. فقط بقيت كده
أنا كمان بحبك يا سيف.. بس حب تاني.. حب صديق.. حب أخ.. حب إنسان شفت فيه الخير بعد ما كنت شفت فيه الشړ.. ونعمة من ربنا إننا بقينا مع بعض في الخير حتي لو مش في البيت الواحد.. مش كده أحسن؟
نظر في عيناها وفهم كل شيء.. نعم.. هذا هو الحب الأبقى.. الذي لا يحتاج لزواج ولا لوعود.. يحتاج فقط لقلوب صافية ومحبة خالصة.
أحسن كتير.. قال بابتسامة صادقة.
مرت السنوات.. وكبر المركز واتسع، وأصبح اسم دار الأمل يُذكر بكل فخر في كل أنحاء مصر.. وأصبح سيف وفاطمة رمزًا للعمل المشترك النبيل، يُضرب بهم المثل في كيفية أن يبقى الناس مع بعضهم بالخير مهما مرّت السنين.
الحاجة خديجة عاشت لتفرح بهما معًا، ترى ابنها قد استقام، وترى فاطمة كما ابنتها التي لم تلدها.. وفي أواخر أيامها أوصت أن يُكتب على قپرها كلمة واحدة عاشت ترى الخير في أولادها.
وفي يوم من الأيام، وبينما كانا يفتتحان فرعًا جديدًا للمركز في مدينة أخرى، وقفا على سطح المبنى يريان النور ينتشر في كل مكان..
قالت فاطمة بصوت هادئ
تعرف يا سيف.. كنت فاكرة إن النهاية بتكون لما نعيش سعداء في بيت واحد.. بس اكتشفت إن النور الحقيقي بيظهر لما ننير طريق غيرنا.
أومأ بجانبها نحو الأفق حيث الشمس تشرق ببهاء
وكل ما نضيء لغيرنا.. بيضيء لنا أكتر..
أيوه.. قالت وهي تبتسم، الحمد لله على كل حال.. على اللي راح واللي جاي.. وعلى النور اللي ما انطفأش أبدًا.
تمسك كل منهما بيد الآخر.. ليس كأزواج، بل كشركاء طريق طويل.. وراحت السنوات تحكي حكايتهما حكاية من خسر ثم تعلم، ومن أُذي ثم سامحت، وكيف أن الحب حين يُخلص من الأنانية لا ېموت أبدًا.. بل يصير نورًا لا ينضب.
وكانت النهاية.. نهاية الألم وبداية النور الذي لا ينتهي..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *