حميها حراميها حكايات نرمين عادل همام صوت صريخ الواد خبط في وداني زي سك\ينة تلمة قبل حتى ما أمد إيدي وأفتح باب الشقة. صرخة حادة، متواصلة، ومخنوقة، من النوع اللي يخلي قلب أي أب يقع في رجليه ويشرخ العضم من كتر الوجع اللي فيها. رميت مفاتيحي على الترابيزة اللي في الطرقة، وشنطة الشغل وقعت من إيدي على الأرض، وجريت زي المجنون على جوة. منظر الصالة كان عبارة عن مسرح جر\يمة متغطي بستاير بيت عيلة دافي. ريحة تقلية المحشي والفراخ المحمرة مالية المكان، بس في نفس الوقت ريحة الشياط جاية من المطبخ كأن حلة اللبن فارت واتحرقت على البوتجاز. الغسيل مرمي على الأرض نص متطبق، والببرونات الفاضية مرصوصة على الرخامة بشكل عشوائي. وعيني وقعت على الكنبة.. سلمى مراتي مرمية عليها من غير أي حركة، إيديها مدلدلة تلامس السجادة، ووشها أصفر بهتان زي ورقة الكراسة القديمة، شفايفها بيضا ومفيش فيها نقطة دم. ولفيت وشي الناحية التانية، وجنب الكارثة دي كلها.. أمي! الحاجة نعمات قاعدة على سفرتي بكل هدوء.. وبتاكل! أيوه، زي ما بقولك كده. لا هي شايلة الواد اللي بيصرخ، ولا بتفوق مراتي، ولا حتى رفعت سماعة التليفون تطلب إسعاف أو تكلمني. قاعدة تضرب بالمعلقة في طبق المحشي، ومزاجها رايق على الآخر. الأكل اللي محطوط قدامها ده هو نفس الأكل اللي سلمى حلفت لي الصبح وهي بتعيط إنها مش هتقدر تعمله عشان رجليها مش شايلاها من قلة النوم وتعب الرضاعة. طارق ابني اللي مكملش شهرين كان بيصرخ في سريره الصغير لحد ما وشه جاب ألوان وبقى أحمر دم، وجسمه كله بيترعش من كتر العياط. أمي رفعت الشوكة، وبصت لسلمى بطرف عينيها باحتقار، ومضغت الأكل على مهلها وقالت بصوت واطي كله برود، بتاعة دراما أوي مراتك دي، بتحب تعيش في دور الضحية. في اللحظة دي، في حاجة جوايا سكتت تماما. مش غضب انفجر.. مش أعصابي سابت واتكسرت.. لأ. سكتت.. السكوت المرعب اللي بيسبق العاصفة، السكوت اللي بيخليك تشوف كل حاجة واضحة زي الشمس. مشيت في الأوضة بخطوات تقيلة، رحت لسرير ابني الأول، شلته وضميته لصدري جامد، وحسيت بنبضات قلبه السريعة وجسمه الصغير اللي بينتفض. قعدت أطبطب عليه لحد ما هدي شوية، وبعدين نزلت على ركبي جنب الكنبة اللي عليها سلمى. سلمى.. قلتها بصوت بيرتجف وأنا بلمس خدها الساقع زي التلج. حبيبتي، ردي عليا، فوقي عشاني. رموشها اتهزت بالعافية، فتحت عينيها نص فتحة، وحاولت تتكلم، بس مخرجش منها غير نفس ضعيف ومخنوق، كأن روحها بتنسحب منها. أمي نفخت بزهق ورزعت المعلقة في الطبق، جرى إيه يا محمود؟ ما تدلعهاش بزيادة وتكبرها في دماغها! الأمهات الجداد بتوع الأيام دي دايما بيمثلوا ويعملوا حوارات ملهاش لازمة. أنا مربياك إنت وإخواتك التلاتة، وشقيت عليكم، وعمري ما وقعت من طولي كل خمس دقايق كده زي الهوانم. رفعت راسي وبصيت لها.. ولأول مرة في حياتي أشوفها على حقيقتها، من غير فلاتر ولا تبريرات. لمدة أربعة وتلاتين سنة، كنت بقنع نفسي وبقول على الست دي إنها بس شديدة شوية. بتحب تحكم وتمشي كلمتها؟ أيوة. مسيطرة وبتحب تكون الكل في الكل؟ أيوة. بس كنت دايما بضحك على نفسي وأقول إنها أصيلة ومن جواها بيضا. كانت دايما تقنعني إن القسوة دي صراحة، وإن التربية الصح محتاجة عين حمرا وشدة. وكنت بصدقها، لأن العيال الصغيرة دايما بتصدق الوحوش، بالذات لما الوحوش دي تغطيهم بالليل وهما نايمين وتطبطب عليهم. بس دلوقتي، في اللحظة دي، أنا شفت الوحش عريان قدامي، شفت الأنانية والغل من غير أي ماسكات. سألتها بصوت مكتوم بيحاول يسيطر على غضب الدنيا كله، إنتي اللي غصبتيها تطبخ وتعمل الأكل ده كله وهي في الحالة دي؟ أمي مسحت بوقها بالمنديل بمنتهى البرود ولا كأن في كارثة حواليها، أنا مغصبتش حد يا حبيبي. أنا بس قلتلها نفسي في محشي وحتة فرخة بلدي، وهي اللي عرضت وقالت من عينيا يا حماتي هعملكم لقمة تاكلوها. صوابع سلمى اتشدت على إيدي بضعف شديد، وهمست بصوت يادوب مسموع، لأ.. بتكدب.. قالتلي لو معملتيش الأكل هخلي محمود يتجوز عليكي. عين أمي وسعت وبقت حادة زي السك\ينة، وقامت وقفت وزعقت، كان لازم تتعلم وتتجرر في شغل البيت! إنت اللي مدلعها ومبوظها ومخلي كلمتها تطلع. الشقة تضرب يقلب، والواد عمال يزن ليل نهار، وهي فاكرة إن قلة النوم حجة عشان تقصر في بيتها وجوزها وحماتها! قمت وقفت ببطء.. محمود القديم اللي بيسمع الكلام وبيطاطي راسه مات في اللحظة دي، ومحمود الجديد جاب آخره. أمي ضحكت باستهزاء وبجاحة، ولوت بوزها، بلاش هبل وجنان عيال يا واد! ده بيت ابني، وهي اللي تلم هدومها وتغور في داهية لو مش عاجبها. لفيت وشي وبصيت لها، بهدوء مرعب، هدوء يخوفني أنا شخصيا من نفسي، لأ يا أمي.. ده بيتي أنا، اللي دافع فيه دم قلبي.. ودي مراتي.. وده ابني.. اتفضلي إنتي بره الشقة دي حالا، وياريت متدخليش هنا تاني. ابتسامتها السمجة اتهزت، ووشها جاب ألوان، وملامحها اتغيرت للصدمة. شلت سلمى بين إيديا، والواد كان مربوط على صدري في الشيالة، دخلت الأوضة رميت شوية هدوم في شنطة صغيرة بسرعة، وأمي ماشية ورايا في الطرقة لحد باب الشقة، بتزعق وتخبط على صدرها وتتكلم عن الأصول، والعقوق، وغضب الرب، وقلة رباية الجيل ده اللي بيفضل مراته على أمه. مردتش عليها بنص كلمة. متكلمتش لأن الكلام مابقاش ليه أي لازمة. خرجت من باب الشقة، وبصيت ورايا بصة واحدة بس. كانت واقفة على الباب، مذهولة.. الست اللي عاشت عمرها كله فاكرة إنها بتملك البيت، وبتملكني، وبتملك أرواحنا معاها. ولأول مرة في حياتها كلها.. كان باين في عينيها الخوف الحقيقي والشك. قفلت الباب، ونزلت بيهم على المستشفى نطمن على سلمى ونعلقلها محاليل، ومنها على أقرب لوكاندة.. عشان نبدأ من جديد، بعيد عن أي وحش. واجهة اللوكاندة القديمة في وسط البلد كانت بهتانة، حيطانها متقشرة واليافطة بتاعتها نورها أصفر كئيب بيطفي وينور تحت كشافات الشارع، بس بالنسبة لي في اللحظة دي، اللوكاندة دي كانت زي طوق النجاة اللي ظهرلي فجأة في وسط بحر هايج وأنا بأغرق فيه. سندت سلمى اللي كانت شبه فاقدة الوعي ووشها في الأرض، وطارق ابني الصغير راسه نايمة على صدري جوة الشيالة، ونفسه بدأ يهدى وينتظم واحدة واحدة بعد ساعات من الصريخ المتواصل اللي كان هيشرخ حنجرته الصغيرة. دخلنا الأوضة البسيطة، ريحتها كانت قديمة بس نضيفة. حطيت سلمى على السرير براحة خالص كأني شايل حتة إزاز خايف تتكسر، وغطيتها بالبطانية كويس. وبعدين طلعت الببرونة، غسلتها وعقمتها بشوية ماية سخنة جبتهم من الكاتل اللي في الأوضة، وعملت لطارق رضعة دافية لحد ما نام في هدوء. محمود.. الراجل اللي عاش عمره كله مقتنع إن بر الأم معناه إنه يغمض عينيه عن قسوتها وجبروتها.. قعد على الأرض جنب السرير، حط راسه بين إيديه، وانهار. فضلت أعيط في صمت، عياط مكتوم يقطع القلب، لأول مرة أعيط بالشكل ده من وأنا عيل صغير. فجأة سمعت صوت سلمى بيترعش زي خيط ضعيف هينقطع. محمود.. إحنا فين؟ قمت بسرعة من على الأرض، مسكت إيديها التلج دي وبستها من جوة قلبي. إحنا في أمان يا قلب محمود. إحنا في مكان مفيهوش وحوش، مفيهوش حد هيستقوى عليكي ويجبرك تقفي على رجلك تطبخي وتكنسي وإنتي بتنزفي من تعب الولادة. حقك عليا.. سامحيني.. أنا اللي استأمنتها عليكي وسبتك ليها وأنا فاكر إنها أم هتحن عليكي زي بنتها. دموع سلمى نزلت زي السيل على المخدة، ومكنتش مجرد دموع من تعب جسمها ولا وجع الولادة، دي كانت دموع قهر مدفون، قهر انفجر وخرج كله مرة واحدة. قالتلي وصوتها بيقطع، مامتك مكنتش بس بتستعبدني وتخليني أطبخ وأنضف الشقة وأنا مش قادرة أصلب طولي يا محمود.. مامتك عملت حاجات تانية أبشع وأوسخ من كده بكتير. جسمي كله اتخشب مكاني، وحسيت برعب جديد بيسري في دمي. حاجات إيه يا سلمى؟ قوليلي متخافيش، الست دي خلاص مابقاش ليها أي سلطة علينا تاني، ولا هتقدر تقربلك طول ما أنا فيا نفس. سلمى خدت نفس بصعوبة، وشهقت وهي بتعيط، الأسبوع اللي فات.. لما إنت كنت في المأمورية بتاعت الشغل في بورسعيد. مامتك جات الشقة بحجة إنها هتقعد معايا تساعدني في شيل البيبي عشان أرتاح. دخلت أوضة نومنا، ولما لقتني رايحة في النوم من التعب والمهدئات اللي الدكتور كتبهالي عشان وجع الخياطة، فتحت الخزنة الصغيرة اللي مدارية ورا الدولاب.. الخزنة اللي إنت نسيت مفتاحها في درج الكومودينو. سكتت ثانية تاخد نفسها، وكملت كلامها اللي كان بينزل على قلبي زي الرصاص. أنا صحيت على صوت تكة قفل الخزنة. فتحت عيني نص فتحة، وشفتها بعيني وهي بتلم طقم الألماظ اللي بابا الله يرحمه جابهولي في شبكتي، وبتسحب سبايك الدهب الصغيرة اللي كنا محوشينها وشايلينها عشان نسدد بيها باقي مصاريف المستشفى والولادة. ولما قمت مفزوعة وأنا مرعوبة وبقولها إنتي بتعملي إيه يا حماتي.. بصتلي بمنتهى الجحود والبجاحة وقالتلي، الدهب ده هيتشال في حتة أمان، لأن واحدة زيك جاية من منطقة شعبية وعيلة جعانة متؤتمنش على قرش أحمر من شقى ابني، ومسيرك تسرقيه وتديه لأهلك. الكلمات وقعت على راسي زي المرزبة اللي كسرت ودغدغت باقي... التمثال اللي بنيته لأمي جوايا على مدار أربعة وتلاتين سنة اتهد واتكسر حتت في اللحظة دي. الشريط كله مر قدام عيني، افتكرت كل كلمة رمتهالي في النص عشان تزرع الشك في قلبي ناحية سلمى وعيلتها. افتكرت إزاي كانت دايما تزن على ودني إن سلمى مبذرة وإيديها مخرومة وماتعرفش تدير قرش، وإن عيلتها طمعانين فيا. أتاريها كانت بتخطط وتدبر من زمان عشان تجرد مراتي من كل حتة صيغة تملكها، وتستغل ضعفها وقلة حيلتها بعد الولادة. وكانت ساندة وواثقة في ولائي الأعمى ليها، وثقتي اللي مكنتش بتتهز فيها أبدا. قمت وقفت بطولي كله، وعينيا كانت بتطلع نار من الغضب الصافي اللي مفيش فيه ذرة رحمة. الدهب والسبايك دول تمنهم يعدي التمنمية ألف جنيه يا سلمى.. دي مش مجرد سرقة عادية، دي جر\يمة خيانة أمانة ونهب، دي استغلت حالتك الصحية وإنتي بين الحياة والموت عشان تسرقك وتبتزك. تاني يوم الصبح، على الساعة تسعة بالظبط، كنت سايب سلمى وطارق في اللوكاندة تحت رعاية ممرضة خاصة محترفة أجرتها من مستشفى قريبة عشان تاخد بالها منهم وتحميهم، وأخدت عربيتي وطلعت طيران على شقتي في التجمع. فتحت باب الشقة بهدوء تام. لقيت أمي، الحاجة نعمات، قاعدة في الصالون زي الباشا، لابسة عبايتها الغالية، وحاطة رجل على رجل، وبتشرب كوباية الشاي بلبن بتاعتها بمزاج ولا كأن في أي حاجة حصلت. أول ما شافتني دخلت، رفعت حاجبها وبصتلي من فوق لتحت، وقالت بنبرة حادة وواثقة بتحاول ترجع بيها سيطرتها اللي اتهزت امبارح. أهلا يا سي محمود.. أهلا بالابن البار المحترم اللي طرد أمه في أنصاص الليالي عشان خاطر حتة عيلة بتاعة دراما ومحن. إيه، جيت وراجعت لعقلك؟ عرفت إن مالكش غير حضن أمك اللي ربتك وشقيت عليك، وإن المرة بتتعوض لكن الأم ماتتعوضش؟ مردتش عليها بنص كلمة. مشيت بخطوات ثابتة ناحية أوضة نومي، فتحت درج الكومودينو وبصيت، وفعلا.. المفتاح مش موجود. لفيت وخرجت لها تاني، وبصتلها في عينيها، وقلت بصوت هادي جدا، هدوء مرعب زي الهدوء اللي بيسبق حبل المشنقة. فين مفتاح الخزنة يا أمي؟ وفين طقم الألماظ وسبايك الدهب بتاعة سلمى؟ ملامح نعمات اتهزت لثانية واحدة، عنيها زاغت، بس بسرعة جدا لبست قناع الجبروت والتبلي اللي متعودة عليه، وقالت بسخرية وصوت عالي أهو.. بدأنا في شغل الحوارات وتهمات السنيورة مراتك اشتغلت! أنا أسرق يا محمود؟ أنا الحاجة نعمات اللي الناس كلها بتحلف باسمها وبأخلاقها في العيلة وفي المنطقة بحالها؟ البت دي كدابة ومخرفة، دي تلاقيها كانت مأثرة عليها أدوية الهلوسة والمسكنات اللي بتاخدها، وقامت تتبلى عليا وتخترع الحوار ده عشان تخرب العلاقة بيني وبينك وتطردني من حياتك! طلعت موبايلي من جيبي ببرود، وفجرت القنبلة الموقوتة في وشها. قلتلها بابتسامة نصر مليانة مرارة ووجع، كنت عارف ومتأكد إنك هتقولي الكلمتين دول، وإنك هتطلعيها كدابة ومجنونة.. وعشان كده أنا مكنتش محتاج أسمع كلام سلمى وبس. أنا كلمت الشركة بتاعة كاميرات المراقبة السرية اللي أنا جبتهم وركبتهم في الصالون وفي الطرقة اللي بتودي على أوضة النوم من شهرين عشان أطمن على البيبي وأنا في الشغل.. والتسجيل بتاع يوم التلات اللي فات معايا هنا لايف يا أمي، تحبي نتفرج سوا؟ دست على الشاشة وشغلت الفيديو. ظهرت الحاجة نعمات بوضوح وهي بتتسحب وتدخل الأوضة، بتفتح الخزنة، وبترص الدهب والألماظ في شنطتها الكبيرة. وصوتها وهي بتهدد سلمى وبتطعن في شرفها وفي أهلها كان واضح ونقي لدرجة بتخرق الودن وبتوجع القلب. كوباية الشاي وقعت من إيد الحاجة نعمات واتدشْدشت على رخام الأرضية. وشها بهت وبقى أصفر زي الليمونة، ورجعت لورا بخطوات تقيلة وهي بتنهج وتتأتأ في الكلام من كتر الرعب. محمود.. يا ابني.. افهمني.. أنا كنت بشيلهم ليكم وبحافظ عليهم! كنت خايفة البت دي تضيعهم في التفاهات أو أهلها الجعانين دول يطمعوا فيهم وياخدوهم! أنا أمك يا محمود.. إنت هتعمل فيا إيه؟ هتحبس أمك؟ رديت عليها بقوة وجمود عمري ما عرفته في حياتي كلها.. إنتي مش أمي يا نعمات هانم.. الأم هي اللي تحن وتطبطب، الأم هي اللي تصون العرض وتحافظ على الأمانة، الأم هي اللي لما تشوف طفل صغير بيصرخ من الجوع ومرات ابنها ميتة من التعب على الكنبة، تشيلهم في عينيها وفي قلبها، مش تقعد تضرب في المحشي بكل برود وتقول عليها بتاعة دراما! إنتي وحش نرجسي مريض، عيشتينا تلاتين سنة في كدبة كبيرة اسمها الكبرياء والالتزام والأصول، والحقيقة المرة إنك مبتحبيش في الدنيا دي كلها غير نفسك والسيطرة وبس. وفجأة، جرس الباب رن. فتحت الباب، ودخل هشام المحامي بتاعي، ووراه اتنين أمناء شرطة ببدلهم الميري. ملامح أمي اتسحبت، ووشها اللي كان مليان كبرياء من ثواني بقى عامل زي حتة القماشة البهتانة. وقفت قدامها، وببرود قاتل وثبات عمري ما حسيته قبل كده قلت لها، الدهب والسبايك لو مرجعوش في خلال ساعة واحدة بالدقيقة يا نعمات هانم، البلاغ اللي هشام بيه مجهزه ده هيتحرك للنيابة فورا بتهمة السرقة، وخيانة الأمانة، والابتزاز، والطعن في شرف مراتي. ومش بس كده، التوكيل العام اللي كنت عاملهولك عشان تديري شقة أبويا الله يرحمه، أنا لغيته النهاردة الصبح في الشهر العقاري. كل حاجة انتهت، وكل الصلاحيات اللي اديتهالك اتسحبت. نعمات بدأت تصرخ، وتخبط على صدرها وتلطم على وشها بانهيار وتمثيل، يا لهوي! بتسجن أمك يا محمود؟ بتبهدلني وتجيبلي البوليس وتبيع شقى عمري عشان خاطر حتة بت غريبة؟ رديت عليها وصوتي قاطع زي السيف، الغريبة دي صانتني، وصانت بيتي واسمي وعرضي في غيابي، واستحملت اللي محدش يستحمله. إنما إنتي اللي من دمي، جيتي تخربي بيتي بدم بارد وتدوسي على لحمك. خدي حاجتك واطلعي برة حياتنا.. المرة دي بلا رجعة، ومش عايز أشوف وشك تاني. تحت ضغط وجود الشرطة، والمحضر اللي كان جاهز يتمضي، وكاميرات المراقبة اللي فضحت كل حاجة، اضطرت نعمات إنها تتنازل عن كبريائها المزيف. إيديها كانت بتترعش وهي بتطلع الدهب والسبايك اللي كانت مخبياهم، ورجعت كل مليم وكل قطعة خدتها. الفضيحة مابقتش مقتصرة على الأوضة دي، العيلة كلها عرفت حقيقتها، وعرفوا إن الست اللي كانت بتدعي المثالية والأصول طلعت بتسرق بيت ابنها. خرجت من الشقة مطرودة، وحيدة، ومكسورة، وكبريائها الكداب اتداس على الأرض للأبد. بعد مرور شهرين بالتمام على الليلة الكابوس دي.. شقتنا في التجمع الخامس رجع ليها النور والدفا من تاني. ريحة الشياط والخنقة راحت، وحلة اللبن بقت تفور بالحب والأمان، والغسيل بقى متطبق ومترتب بنظام يخلي الأوضة تفحفح بريحة الفانيليا والورد. سلمى صحتها ردت وبقت زي الفل، الوش البهتان رجعله لونه الوردي الجميل وضحكتها نورت البيت، وطارق ابننا كبر شوية وبقى يقعد في سريره يضحك ويناغي ويمسك لعبه بصفاء ونقاء. كنت واقف في المطبخ بالليل، بجهزلها كوباية سحلب سخنة بالمكسرات عشان تدفيها، حسيت بيها بتقرب مني، لفت إيديها وحضنتني من ضهري وسندت راسها على كتفي بحنية بتهون أي تعب. قالتلي بابتسامة مليانة دموع فرحة، عارف يا محمود؟ الليلة اللي أخدتنا فيها من الشقة ونزلت بينا على اللوكاندة.. دي الليلة اللي حسيت فيها بجد إن ليا ضهر وسند مابينكسرش في الدنيا دي.. ربنا يخليك لينا وميحرمناش منك أبدا. لفيت وبست راسها بحنية الدنيا كلها، أنا اللي المفروض أشكرك.. أشكرك لأنك أصيلة واستحملتي كتير لحد ما النور شق الضلمة اللي كانت على عيني وشفت الحقيقة واضحة. بيتنا ده خلاص اتقفل علينا، ومبقاش فيه أي مكان للوحوش.. مفيش فيه غير مكان ليكي ولابننا وللحب اللي بينا وبس. في النهاية، محمود اتعلم درس عمره. اتعلم إن بر الوالدين عمره ما كان معناه الطاعة العمياء في الظلم والافترا. وإن الست اللي بتسيب بيت أهلها وحياتها عشان تيجي تبني معاك بيت جديد وتأمنك على نفسها، تستحق إنك تهد الدنيا كلها وتبنيها من تاني عشان تحمي كرامتها ودموعها ونفسها الغالية. سيبنا نعمات تشبع بكسرتها ووحدتها في قصرها الفاضي اللي مابيدخلوش حد، وعشنا إحنا فوق السحاب، مرتاحين البال، متحصنين بالصدق والرحمة والنور اللي عمره ما بينطفي أبدا. تمت