امي خرجتني
حصري لصفحة روايات رولا
أمي خرجتني من عزومة عيد الأم بسبب شغلانتي، بعتتلي رسالة “الناجحين بس هم اللي مسموح لهم يجوا”، وبلكتني وكلهم بيضحكوا عليا—عشان كده مشيت ومرجعتش خالص، وبعد 5 سنين…
أمي مكلمتنيش في عيد الأم.
بعتت صورة بدال ما تكلمني.
كلهم كانوا قاعدين حوالين الطربيزة في جنينة البيت، لابسين أبيض في أبيض، وماسكين كاسات شربات تحت يافطة مكتوب عليها “ربنا رزقني بعيال ناجحين”.
وبعدها بعتت الرسالة.
“الناجحين بس هم اللي مسموح لهم يجوا.”
وقبل ما ألحق أرد، كانت بلكتني.
كنت واقفة في مطبخ شقتي الصغير في منطقة شعبية، لابسة يونيفورم المطعم الأزرق اللي هي بتكرهه، وبابص في تليفوني وكوتشي الشغل بينزل مية مطر على الأرض. أخويا الصغير مازن كان في الصورة ومطرح ما قاعد كان حاطط البالطو الأبيض بتاع الطب على الكرسي. وأختي ندى كانت ماسكة جواب قبولها في كلية الحقوق كأنه كاس العالم. وولاد عمي بيضحكوا على حاجة ورا الكاميرا.
وبعدها وصلتني رسالة تانية من ندى قبل ما تلحق تمسحها.
“ماما قالت متجيش. مش عاوزة الزباين يفتكروا إننا قرايب الجرسونة.”
وبعدها بثانية، بعتت 3 إيموجيهات بتضحك.
دمعتي منزلتش.
مش في اللحظة دي.
فكيت المريلة، وقعدت على طربيزة المطبخ، وبصيت على بوكيه الورد اللي اشتريته لماما من السوبرماركت بفلوس البقشيش. ورد قرنفل بينك. أكتر ورد بتحبه. كنت واخدة شفتين ورا بعض عشان أقدر أشتري البوكيه ده.
التليفون رن تاني من رقم غريب.
كان فيديو.
ماما واقفة في وش الطربيزة بترفع كاس الشربات: “لعيالي اللي عملوا لنفسهم قيمة ورأس.”
حد سألها: “أمال فين نورهان؟”
ماما ابتسمت كأن اسمي حاجة رخيصة: “نورهان اختارت حياة بسيطة على قدها. وإحنا بنحترم ده بس من بعيد لبعيد.”
الكل ضحك.
في اللحظة دي بالذات، في حاجة جوايا اتطفت وسكتت.
هم مكنوش يعرفوا أنا ليه شغال في المطعم.
مكنوش يعرفوا إني سبت الكلية عشان مصاريف علاج بابا مع السرطان بلعت كل اللي حيلتنا قبل ما يموت. مكنوش يعرفوا إني كنت بدفع ضرائب البيت بتاع أمي في المعادي بقالي ثلاث سنين عشان قالت لي إنها “مزنوقة يومين”. مكنوش يعرفوا إني باخد كورسات أونلاين بالليل بمنحة محدش ساعدني أقدم عليها.
هم بس عرفوا الوش اللي يخليهم يحسوا إنهم أحسن مني.
رميت الورد في الزبالة.
فتحت اللابتوب، ولغيت كل التحويلات والتطبيقات المتبرمجة للصبح.
مساعدة قسط البيت.
حساب ضرائب العقار.
تأمين أمي الصحي الخاص.
مصاريف تدريب ندى.
وفلوس مراجعة امتحانات النيابة لمازن.
كل ده كان بيتدفع مني أنا.
في السكات.
عشان أخر كلمة بابا قالها لي كانت: “خلي بالك من أمك لو تاهت في الدنيا.”
بس بابا مطلبش مني أسيبها تدفنّي وأنا حية.
لميت شنطة هدوم واحدة الليلة دي.
الساعة 4:18 الصبح، بعتت لماما رسالة أخيرة على الإيميل عشان رقمي كان متقفل عنده بلوك.
“حضرتك قلتي الناجحين بس هم اللي مسموح لهم. أنا فهمت. مش هتشوفي وشي تاني.”
وسبت القاهرة ومشيت قبل الشروق.
بعد خمس سنين، رجعت لأول مرة.
مش كجرسونة.
كرئيسة مجلس إدارة الشركة اللي اشترت بيت أمي.
أمي متعرّفتش عليا لما دخلت مكتب التسجيل العقاري.
كانت قاعد جنب مازن وندى، وبتتخانق مع السمسار المقفول منه.
”المشتري ده جشع!” أمي زقّت الكلام بغضب: “جوزي هو اللي بنى البيت ده. إحنا نستحق وقت أكتر.”
السمسار قال بقلة حيلة: “يا مدام هدى، البنك هو اللي وافق على البيع خلاص.”
ندى مكانتش باصة حتى من التليفون: “إنت مين أصلاً؟”
حطيت الشنطة على الطربيزة: “نورهان.”
الوضعة كلها اتجمدت.
وش مازن اتغير الأول: “نورهان؟”
أمي قامت بسرعة لدرجة الكرسي خبط في الحيطة: “إيه ده؟”
قلت بهدوء: “ده… عقاد الشراء للبيت اللي بطلتم تدفعوا أقساطه.”
“إنتي اشتريتي بيتي؟”
“لا،” قلت لها. “البنك باع ديونك، وأنا اشتريتها.”
ندى ضحكت بسخرية: “بفلوس البقشيش بتاعة المطعم؟”
ابتسمت: “لا. بالشركة اللي عملتها بعد ما مشيت.”
كملت تعليمي أونلاين، وعملت برنامج لإدارة المطاعم وبِعته، وبعدها عملت منصة لتوظيف الأمهات المعيلات. نفس الشغلانة اللي كانوا بيتريقوا عليها بقت هي المجال اللي خلاني أعمل ثروة.
أمي اتكفّت في الكرسي تاني.
مازن همس: “كان ممكن تساعدينا…”
رديت: “أنا كنت بساعدكم فعلاً.”
فتحت الفولدر وزقيت ورق التحويلات على الطربيزة.
3 سنين ضرائب.
التأمين الصحي.
أقساط البيت.
مصاريف الامتحانات.
ومصاريف التقديم.
كل التحويلات اللي أمي كانت بتقول عليها “التزامات عائلية” وهي بتقول للناس إن بنتها الجرسونة فقيرة ومبتقدمش حاجة.
السمسار كان مذهول.
وش ندى احمر من الكسوف: “ليه بتورينا ده دلوقتي؟”
“عشان أمي كتبت عني إني غير مسؤولة مادياً في طلب الاسترحام بتاعها للبنك،” قلت لها: “ادّعت إن عيالها الناجحين هم اللي بيصرفوا عليها، في حين بنتها الجرسونة سابت العيلة واتخلت عنهم.”
عين أمي اتملت دموع: “أنا كنت كسفانة…”
قربت منها بجمود: “وأنا كمان كنت كسفانة. بس مشيت في السكات.”
باب المكتب اتفتح.
صحفي من جريدة محلية دخل وقال: “يا أستاذة نورهان، جاهزة نتكلم عن المؤسسة الخيرية اللي هتعمليها في البيت ده؟”
أمي همست: “مؤسسة؟”
مرضيتش أرد على أمي الأول.
بصيت للصحفي: “أيوا جاهزة. بس من غير صور عائلية.”
ندى اتوترت.
قسوتها القديمة ردت لها كأنها فاتورة وحين وقت سدادها.
البيت مكنش هيرجع للعيلة. أنا اشتريته بالقانون من البنك بعد شهور من التأخير. والمؤسسة بتاعتي هترممه عشان يكون سكن مؤقت للستات العاملات اللي بيكملوا تعليمهم.
أمي مسكت حرف الطربيزة: “هتدي بيتي للغرباء؟”
“لا،” قلت لها: “أنا بدي الناس اللي بتعافر مكان آمن. في فرق.”
مازن حط إيده على وشهم: “نورهان، إحنا مكنّاش نعرف إنك بتدفعي كل حاجة.”
“أنتم مكنتوش عاوزين تعرفوا.”
صوت ندى اتهز: “إحنا ضحكنا عشان ماما قالت إنك بتكرهينا.”
“عمرى ما كرهتكم،” قلت لها: “أنا بس بطلت أتطوع عشان أتهان.”
أمي بدأت تعيط لما السمسار حط الورق قدامي. كانت باينة أصغر بكتير من اللي فاكراه.
مش طيبة…
بس حيلتها قصرت.
”أرجوكي،” همست: “أنا هروح فين دلوقتي؟”
كنت متوقعة السؤال ده.
زقيت ظرف تاني على الطربيزة: “إيجار مدفوع لمقدار 6 شهور في شقة لكبار السن. شاملة المرافق. ومعاد مع أخصائي نفسي لو حابة. مفيش فلوس كاش هتتوجه لك، ومفيش دخول لحساباتي، ومفيش تحكم في حياتي تاني.”
إيديها كانت بتهتز وهي بتمسك الظرف.
“ده بس؟”
“ده أكتر بكثير من اللي أديتيهولي لما بلكتيني في عيد الأم.”
محدش اتكلم.
مضيت ورق البيع.
البيت بقى بتاعي.
وقبل ما اليوم يخلص، تبرعت بيه للمؤسسة.
بعد شهر، اليافطة اللي اتعلقت فوق مدخل البيت الجديد مكنش مكتوب عليها “ربنا رزقني بعيال ناجحين”.
كان مكتوب عليها: “بيت نورهان: لكل ست بتبدأ من جديد.”
أمي جت الافتتاح بس وقفت ورا خالص. ندى اعتذرت من غير حُجج. ومازن بعت جواب اعترف فيه إنه كان عاجبه إنه المفضل ومحاولش يسأل عن الحقيقة.
سامحتهم في سري.
من بعيد لبعيد.
عشان المشي من غير رجعة مش معناه كره.
ساعات بيكون معناه إنك أخيرًا نجحت بالقدر اللي يخليك تختار راحة بالك.